قبل أكثر من 1000 سنة، ذكرت مدينة باكو في حكايات الرحالة الأوائل، نسجت القصص عن قلاعها وحسانها، بوابات مدينتها العتيقة ومساجدها، حماماتها ومتاحفها. واليوم، لا تزال المدينة العتيقة المسماة «إيتشري شهر»، تجذب آلاف السياح سنوياً، يأتون من روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، وأيضاً من منطقة الخليج، لاكتشاف عبق الثقافة الاذربيجانية، التي تلتقط من «أمجاد» الثقافات التركية والروسية والعربية والأذرية بأطراف كثيرة. باكو القديمة، اصبحت قبلة الرسامين والروائيين الذين وجدوا في أجوائها إلهاماً لإبداعهم. «الحواس الخمس» يزودك ببوصلة لأهم الأمكنة في «ايتشري شهر».
حمام آغا ميكائيل... لا يمكن تخيّل باكو القديمة من دون حمامات، حيث تجذب هذه الأمكنة العامة الكثير من السياح، ولايزال ابناء المدينة يستخدمونها. وعلى غرار مدن شرق أوسطية وأوروبية كثيرة، مثل الاسكندرية واسطنبول وصيدا وبودابست، تحتل الحمامات العامة، بهندستها الدافئة، حيزاً رئيساً من اهتمام السياح القادمين الى العاصمة الأذربيجانية. وتضم الحمامات مساحات واسعة لمختلف الوظائف بدءاً من التصبن، مروروا بالأحواض الباردة والساخنة ووصولاً الى غرف اللبس وشرب الشاي والاسترخاء. ولطالما جذبت هذه الأمكنة طبقات مختلفة من الناس، من أغنياء وفقراء، ومغنين ولاعبي رياضة ومحتفلين بالزفاف أو بطقوس أخرى، كما أنها لا تتيح الاختلاط بين الرجال والنساء، فلكل تواقيته الخاصة. ومن بين أشهرها في باكو «الحاج بياني»، وهو أكبرها ايضاً، وكان حتى العام 1960 مدفوناً تحت البيوت المتهدمة، الى أن تم اكتشافه وترميمه، لينضم الى غيره من الحمامات مثل قاسم بك وآغا زينال وآغا ميكائيل، لكن الأخير هو الوحيد العامل في الوقت الحاضر، بينما تحولت الحمامات الأخرى الى مزارات سياحية. وهو ينقسم الى غرفتي ملابس واستحمام قسمتا الى 9 اقسام.
مرقد درويش... إنه أحد أغرب الأمكنة الجاذبة في «إيشتري شهر»، وبني في القرن الخامس عشر الى جانب المسجد كي قباد، ودفن فيه السيد يحي باكوري، وهو أحد أعضاء أسرة شاه الشيروان. وزخرف مدخل هذا المرقد بالأشكال التي تعطي نموذجاً للهندسة في أذربيجان في العصور الوسطى. ونقرأ فوق المدخل عبارة: أمر السلطان الأعظم شاه الشيروان.. بعمارة هذا المرقد المنوّر لوالدته وابنه سنة تسع وثلاثين وثمانمائة. وإلى سنوات عدة، في القرن العشرين، لم يكن بوسع أحد أن يتجرأ على أن يكتب اسمه فوق اسم شاه القصر، ففي حال كتابته يقطع رأسه. وان كنت من السياح الذين يرغبون دوماً بترك بصماتهم على الحجارة والجدران أينما حلوا، فحذار من هذه الألعاب في «باكو» القديمة!
قلعة الفتاة... تقول الأساطير الرومانسية إن «بنت خان باكو»، الفتاة الحسناء، قررت ذات يوم انهاء حياتها، بسبب عدم قدرتها على الزواج من محبوبها، واجبارها على الزواج من عريس آخر. انها قصة تقليدية، كما تبدو للوهلة الأولى، وبوسعك أن تجد نسخاً مختلفة منها في ثقافات أخرى، ومزارات سياحية أخرى، لكن في باكو، يبدو أن لكل شيء نكهته الخاصة. فقد اختارت الفتاة أن ترمي بنفسها من أعلى سطح قلعة شهيرة بنيت في القرنين الخامس والسادس الميلادي. ومن يومها سميت القلعة بقلعة الفتاة أو «قيز قالاسي»، أي انه «لا يمكن الاقتراب منها»، لمناعتها، ولكن المفارقة أن الدراسات التي أجريت على القلعة بينت أنها ما كانت قادرة على لعب وظيفة دفاعية أبداً، إذ إن نوافذها الصغيرة المطلة على البحر ما كانت يوماً قادرة على صد الهجمات، ناهيك أن المساحات الداخلية للقلعة ضيقة.
وهي تعتبر اليوم المكان المثالي لكي ترى خليج باكو بالكامل منها، وقد ألهم هذا الأثر المعماري الرسامين والشعراء من حول العالم، ففي العام 1923 ألف المسرحي ج. جبارلي قصيدة عنونها بـ «قلعة الفتاة»، وفي سنة 1940 ألف افراسيياب بدلبلكلي أول باليه في الشرق، واستوحاها من أخبار تلك الأسطورة.
الأزقة والبيوت العتيقة
تنتشر في كتب الرحالة الروس الحكايات عن التجوال في أزقة المدينة العتيقة في باكو، ومن الشائع أن تقرأ هذا الوصف: «إنها ضيقة ومعقدة جداً، لقد مكثت في باكو شهراً كاملاً، وكل مرة أدخل فيها الى شارع من الشوارع، لا أدري فعلاً ما هو طريق الخروج».
وحتى يومنا هذا لا تزال الممرات والأزقة الضيقة في المدينة، المليئة بالمطاعم والمقاهي والبيوت التي رتبت شرفاتها الى الداخل، لكي تحمي السكان قديماً من الأعداء ومن الرياح، تجذب محبي المدن العتيقة الذين يفضلون هذه الأمكنة على الفنادق. وبالفعل، فإن الأمكنة العتيقة أصبحت مكاناً مفضلاً للمخرجين الروس، في حقبة من الزمن، ومخرجين عالميين، حيث صوروا فيها الكثير من الأفلام الشهيرة.
متحف الكتب الصغيرة
إنه أحد «أطرف» المتاحف وأندرها في العالم، حيث يضم الكتب ذات الأحجام الصغيرة، والتي تصل خطوط بعضها أحياناً الى مستوى المنمنات، وتكاد الحروف لا ترى إلا باستخدام مكبر، لكنها بالطبع ذات قيمة تاريخية وعلمية عالية. يضم هذا المتحف أكثر من 5300 كتاب منشور في مطابع 60 بلداً حول العالم.
أبعاد أكبر هذه الكتب 100في 100 مم، بينما أبعاد أصغرها 6مم في 2 مم. لكن هذا ليس كل شيء عن الكتب في المدينة العتيقة، فهناك مؤسسات علمية كثيرة تهتم بالنشر، من بينها «المركز الأثري» و«دار المعارف».
رسامون وموسيقيون
منذ القدم اجتذبت المدينة العتيقة رجال الفنون الجميلة، وكثرت فيها ورش الرسامين وقاعات العرض، ومنها قاعة عرض المنمنمات وقاعة عرض «قالا» و«آبشيرون». وتعرف المدينة بأرثها الموسيقي القديم وتجاربها المعاصرة، وعلينا أن نتذكر دوماً أنها المدينة التي ولد وعاش فيها الموسيقار الشهير واقف مصطفى زاده، وهو مؤسس «الجاز الأذربيجاني»، وتم تحويل بيته الى متحف، يستعرض سيرته وانجازاته.



