يعج الكون بالأحجام المتناقضة، وفيما يبدو أن هناك فرقاً شاسعاً بين الأجسام الضخمة والأجسام الدقيقة، إلا أنهما فعليا متشابهان بشكل أكبر مما يتخيله بعض الناس، فحجم الكون هو ما يجعل الأمر يشبه الأحجية.
وعن طريق النظر للصورة الكبيرة والأجزاء الصغيرة فقط، يتمكن العلماء من ربط الأجزاء معا للوصول إلى إجابات عن نشأة الكون، وسبب تطوره في النهاية إلى أمر معقد كهذه الحياة. تكشف قناة «ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي» هذه الأحجية على شاشتها حصرياً في برنامج «الأحجام في الكون» في الساعة التاسعة بتوقيت دبي من مساء غد السبت. ابتداءً بالكون الهائل الذي يمثل كوكب الأرض جزءا منه، ووصولاً إلى الذرات التي تكون وحدات البناء وجميع الأشياء من حولنا، نجد أن الحجم يأخذ أهمية عند محاولة فهم الكون.
وفيما يبدو الحيز الذي توجد فيه كواكبنا في الكون شاسعا، غير أنه عند مقارنته بحجم مجرة درب التبانة، نجد أن النظام الشمسي ضئيل حقا، حيث تأتي مجرة درب التبانة بين 100 مليار مجرة في الكون، لكن ثمة حقيقة أخرى، ألا وهي أن كل جسم من هذه الأجسام الضخمة في هذا الكون المهول مكون من أصغر وحدات المادة ألا وهي الذرات. والذرة في حد ذاتها كون مصغر، فتكون 300000 ذرة سماكة شعرة من شعر الإنسان، ومن المدهش معرفة أن نسبة الحجم بين الإلكترون والنواة الذي يدور حولها تعادل حجم ذبابة داخل بناء ضخم.
تعتبر الشمس نجماً عملاقاً ملتهباً يبلغ قطره حوالي 900000 ميل، تدور حوله جميع الكواكب، ويعتبر عطارد أقرب الكواكب إلى الشمس، ويدور على بعد 36 مليون ميل، بينما يقع أورانوس على مسافة 7 .1 مليار ميل عن الشمس، في حين يدور كوكب نبتون بمدار أكبر، حيث يبعد عن أورانوس بمقدار مليار ميل! وعندما نتحدث عن الحجم، فإنه لا شيء يفوق الشمس، فهي نجم لا يفوقه أي جرم آخر في نطاق 24 مليون ميل من الأرض، كما أن حجمه هائل بما يسع لاستيعاب مليون كوكب مثل كوكب الأرض. وفي الحقيقة، تمثل الشمس النظام الشمسي حيث تحتل ما يربو عن 99% من حجمه.
وعلى الجانب الآخر، تتضاءل هذه الكرة الهائلة الملتهبة من الغاز مقارنة بالنجوم العملاقة بالفعل، والتي تسبح في الكون مثل الشعرى اليمانية ورأس هرقل وحارس السماء ورجل الجبار ومنكب الجوزاء وقلب العقرب وموسيفي.
غير أن هذا لا يعني دائما أن الأكبر حجما هو الأفضل، فالحياة موجودة على كوكب الأرض، لأنه يدور حول الشمس على هذه المسافة المناسبة، وربما يخفى على الكثير معرفة، أنه ولحسن حظنا، أن الأرض تقع هنا في هذا المكان المناسب للحياة في الكون، والذي أسماه العلماء «المنطقة الصالحة للحياة» (منطقة غولديلكس).
إذاً، ما هي الاختلافات التي كان لها لتحدث لو انحرف مدار الأرض بقدر بسيط؟ إن القرب بنسبة 5% فقط من الشمس يكفي لمحو الحياة وتحويل الكوكب إلى صحراء قاحلة جراء الحرارة الحارقة. أما الابتعاد بنسبة 10% فقط، فقد يعمل على تجميد الأرض فتصبح أرضا خرابا متجمدة تغطيها الجبال الجليدية.
وقد يبدو الحيز الذي توجد فيه كواكبنا شاسعا، إلا أنه عند مقارنته بحجم مجرة درب التبانة أو الكون كله، فإننا سنجد أن مجموعتنا الشمسية ضئيلة.
فخارج المجرة تصبح المسافات شاسعة، حيث لا يُجدي عدها بالأميال، لذلك يقوم علماء الفلك باستخدام السنوات الضوئية لقياس تلك المسافات. ويبلغ قطر مجرة درب التبانة 100000 سنة ضوئية، وإذا ظهر ضوء من أحد أطراف المجرة منتقلاً بسرعة 186000 ميل في الثانية، فإنه يستغرق 100000 سنة ليصل إلى الجانب الآخر!
وبالفعل، يعتبر حجم الكون مهولاً بشكل لا يصعب تخيله، لكن الأمر الذي يثير الدهشة أن كل شيء ضخم في هذا الفضاء الواسع مكون من وحدات صغيرة جدا من المادة وهي الذرة.
ويجب أن يدرس العلماء المادة الصغيرة هذه كي يتمكنوا من فهم الأشياء الضخمة، فالذرة هي من تملك مفاتيح الكشف عن بعض أعظم أسرار الكون.
تعتبر شعرة الإنسان أدق ما يمكن للعين المجردة رؤيته، إلا أن قطرها يتكون من 300000 ذرة، لذلك إذا كان حجم الذرة كبيرا بدرجة تسمح برؤيتها بالعين المجردة، لكان قطر الشعرة حوالي 10 أميال!
وفي حين يتكون الكون من عدد لا نهائي من الذرات الدقيقة، تتكون الذرة ذاتها من جسيمات أصغر ونواة في المنتصف، وتتكون النواة من مجموعة جسيمات تسمى البرتونات والنيترونات، كما يوجد حول النواة مستويات عدة تتوزع فيها الإلكترونات بأعداد مختلفة.
تتجمع تلك الجسيمات معا لتكون العناصر، التي يوجد منها على سطح الأرض 94 عنصراً، منها ذرة الهيدروجين التي تعتبر أبسط الذرات، حيث تتكون من بروتون واحد، وإلكترون واحد، ووصولاً إلى عنصر البلوتونيوم الذي يعتبر أثقل العناصر على وجه الأرض.
تعتبر الذرة وحدة بناء كافة الأشياء حولنا، وحتى الحياة نفسها، ولأنها الوحدة المكونة لكل شيء على الكوكب، فإن لفهمها دورا أساسيا في فهم الكون. وقد اكتشف العلماء عن طريق وضع الذرات في أجهزة مصادمات الجسيمات التي تعمل على تكسيرها فعليا وجود جسيمات أصغر حجما داخل البرتونات والإلكترونات يطلق عليها اسم الكوارك، والتي يعتقد العلماء الآن أنها كانت المادة الوحيدة الموجودة عند بداية الكون.
لا يقتصر ما يجري داخل هذه المصادمات على كشف النقاب عن أسرار الكون- بل أوصلت المعلومات المستقاة من مصادمات الجسيمات إلى ابتكار تقنيات حديثة مثل الأشعة المقطعية والتصوير المقطعي بالانبعاث البوزيتروني والتي تساعد الأطباء على فحص الجسم من الداخل وتشخيص المرض ومعالجته.
وفي الواقع، نحن الآن على أعتاب عصر جديد يتمكن فيه العلماء من العمل على مستوى الذرة واستخدام الذرات والجزيئات لابتكار أدوات جديدة تعدنا بتطوير العالم الذي نعيش فيه من خلال تقنية النانو.
قصة النانومتر
يساوي النانومتر واحد على مليار من المتر، وتنمو أظافر الإنسان بمعدل واحد نانومتر في الثانية، الأمر الذي يعبر عن مدى صغر هذه الوحدة. ومن المتوقع أن تدخل تقنية النانو كل أنواع التحسينات على الحياة اليومية، ابتداءً بمواد البناء فائقة القوة والخفة وحتى الملابس المقاومة للأوساخ.
لكن المجال المتوقع أن تترك تقنية النانو أثرا كبيرا فيه هو الطب، وذلك من خلال اكتشاف وسائل علاج جديدة للسرطان بمساعدة تقنية الماس النانو. فعلى الرغم من أنه لايزال هناك الكثير من الأمور المجهولة في عالم تقنية النانو، إلا أن القدرة على العمل على مستوى الذرة تقدم إمكانات ضخمة لتغيير الحياة التي نحياها تماما.


