من الاعتقادات الشائعة لدى البعض أن هناك علاقة بين التميز الإبداعي ومرض الفصام والشهرة وحب الظهور، حيث يقولون لمن أجاد في عمله لاسيما الوظائف التي تتعلق بالإبداع الخلاق « لقد انفصم وأجاد » ، كذلك يتم الربط بين انزواء المريض وخلوته مع نفسه بأنها نوع من التميز واستحضار الإلهام خصوصا أصحاب المواهب التشكيلية .

وهذا ما يؤكده عدد من الطلاب ، لافتين الى أنهم كانوا يربطون بين طلبة الفنون الجميلة ومن له علاقة بالرسم وأن الاعتقاد السائد في وسطهم أن التميز نوع من الفصام الايجابي. ويقول هشام الصافي انه قابل عددا من المواهب في الرسم وطلابا جامعيين كانت تنطبق عليهم أعراض الفصام لكنهم متميزون في دراستهم وعملهم . وذات الأمر تؤكده الطالبة ندى الزرعوني ، مشيرة الى أنها لمست تغيرا في حالة زميلة لها عندما تكتب الشعر وتكون إنسانة أخرى في حالة فصام .

أما صابر عبد المغني فيقول إن أعراض الفصام تنطبق على كثير من الممثلين عندما يجسدون أدوارهم لاسيما علي المسرح . ويقول الدكتور علاء حويل استشاري الطب النفسي في مدينة الشيخ خليفة الطبية: إن هناك بعض التصور بوجود علاقة بين مرض الفصام والإبداع. وفي واقع الأمر فإن العلاقة الأكثر وضوحاً بين الأشخاص ذوي الشخصية الفصامية والإبداع. ولم يثبت أن مرضى الفصام هم أكثر إبداعا من غيرهم أو أكثر ذكاء ، بل على العكس فإن مرض الفصام قد يؤثر على القدرات الذهنية للشخص ويؤثر على تركيزه ويفقده بصيرته بصورة عامة.

ولكن حاول بعض الباحثين النظر في العلاقة بين الفصام والإبداع ، فبعضهم تحدث عن جين مشترك بين الفصام وذوي التفكير الإبداعي ولكنه لم يثبت شيء. وبعض الناس وجدوا في الإنتاج الفني لبعض مرضى الفصام شيئا من غرابة التطرف في طرح رؤيتهم والخروج عن المألوف ، فاعتبروا ذلك دليلاً على إبداعهم وكل هذه حالات فردية وعادة ما يكون هؤلاء الأشخاص من ذوي الشخصيات الفصامية.

وبعض الناس ذكروا إن انعزالية بعضهم يعطيهم فرصة لمراقبة الأحداث عن بعد وبشيء من التركيز أكثر من غيرهم نتيجة انغماسهم في أحلام اليقظة والتي يأتي عنها بعض الأفكار الخارجة عن المألوف.

الفصام والأنانية

وعن العلاقة بين الفصام والأنانية، يقول الدكتور حويل: في حالات الفصام التشككي قد يأتي الشخص بأفكار ذات ضلالة تتمركز حول الذات والإحساس بالعظمة ما يعطي انطباعاً أن لدى الشخص نوعا من أنواع الأنانية والتي تكون مرضية. وتشمل هذه العوارض الكذب المرضي حيث نرى المريض يتكلم بشكل مستفيض عن نفسه وتراها جميعها أقاويل كاذبة من محض خياله لا يستطيع أن يحققها في واقع الحال.

وأوضح أن عدد المصابين بمرض الفصام في الإمارات حوالي نصف بالمئة من مجمل السكان. وعلى الصعيد العالمي يخسر معظم السكان المصابين بهذا المرض وظائفهم حيث أن المرض يقلص إنتاجيتهم ويضعف قدراتهم الذهنية والاجتماعية.

وعلى الرغم من ذلك يحافظ بعض من المصابين بهذا المرض في الإمارات على عملهم بفضل سياسة الحكومة الرشيدة في هذا المجال والتي تحث القطاعين العام والخاص على احتضان هؤلاء المرضى وتحسين ظروف عملهم بما يتلاءم مع حالاتهم الصحية الدقيقة.

يقول الدكتور عصام إمام رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى توام: ليس بالضرورة أن يعاني مريض الفصام من الشخصية الأنانية لكنه يعاني من مظاهر الشخصية الفصامية وعدم القدرة على الإنخراط في المجتمع والإنعزال ، كما أنه يتصف بكثرة شكوكه وعدم ثقته بالآخرين.

أما في المجال الإبداعي، فمريض الفصام قد تكون لديه بعض القدرات الإبداعية أو مظاهر التفوق والنجاح قبل المرض ولكن بعض الإصابة بالمرض تتأثر قدراته الفكرية والإدراكية وبالتالي الإبداعية ، وإذا تم علاجه بشكل مبكر، فالأمل كبير مع الأدوية الحديثة التي توقف التدهور في قدرات المريض الفكرية وتساعد على تحسن حالته واستمراره في الحياة بشكل ايجابي ومنتج.

تعذر الشفاء

الى ذلك أفاد مؤتمر طبي حول مرض الفصام في الإمارات انعقدت فعالياته اخيرا على مدى يومين في دبي أن عوارض مرض الفصام تختفي بشكل كامل لدى 60 بالمئة من المرضى في دولة الإمارات، مما يساهم في إعادة إندماج هؤلاء المرضى في المجتمع والعودة الى حياتهم الطبيعية.

وقال المؤتمرون بأنه يتعذر الشفاء الكلي من هكذا أنواع من الأمراض النفسية بسبب الطبيعة المعقدة لمرض الفصام ، غير أن الإكتشاف المبكر له يساعد على تسريع عملية اختفاء عوارضه ومنع حدوث الإنتكاسات المتكررة له. ونوه المؤتمرون بأساليب العلاج الحديثة المتبعة في دولة الامارات في هذا المجال.

وسلط المؤتمر الضوء على عقار «كيوتيابين فيوميرات ذي التأثير المستمر» وهو الاسم الطبي لدواء مرض الفصام من استرازينيكا والذي يعزز التزام المريض بالعلاج، حيث يوفر على المريض عبء أخذ العلاج مرتين في اليوم من خلال جرعة واحدة، كما أنه يثبت مستوى الدواء في الدم لمدة 24 ساعة ويمنع عملية تغير المستوى.

وقال الدكتور تامر فاضل من شركة استرازينيكا الخليج: لا يتم تحقيق نتائج ايجابية إلا مع الإنتظام في العلاج، وعلى المجتمع تفهم مريض الفصام لمكافحة حالات اخفاء المرض أو انكاره او رفض العلاج. والشعور بالرفض من قبل البيئة المحيطة بالمريض قد تفاقم حالته وتبطيء العلاج بشكل كبير.

وحذّر المؤتمرمن أن التردد في مراجعة الطبيب النفسي يؤدي الى التأخر في الشفاء والعودة الى الحياة الطبيعية. وتتحقق الحياة الأسرية المستقرة والنجاح الوظيفي والحضور الاجتماعي بالانتظام على اخذ العلاج والمتابعة الطبية الدورية لمرضى الفصام.

دبي - عماد الدين إبراهيم