حين تغني كل صباح يتوقف الزمن ويُستبدل بالصوت، فتصبح الدقائق كلمات والثواني نغماً وألحاناً بل ينسى المرء وقته وما يعانيه وحينها يتولد الإحساس الذي ما عرفه الإنسان يوماً، بان الحياة كلها مجرد نغمة صباحية لا تعرف النعاس .
صوت فيروز الصباحي هو السطوة على السمع ولوقعه على الأذن صدى يقربه أكثر فأكثر إلى أعماق النفس ومكنوناتها..
انه يعطي أملاً بالبقاء ويضفي على الجو رونقاً بل انه اقرب من كل شيء انك ترى نفسك، تقترب أكثر فأكثر من ذاتك مانحاً نفسك وقتاً أطول مع صوت يعكس للنفس مرآتها فتبدو في أبهى حللها لابسة لبوس عيد من نوع آخر.
عيدٌ تتراقص فيه الأنغام وتتوالى فيه الكلمات جزيلة تعطي اللحن جمالاً، وتأخذ منه وحين يكون ذلك الصوت الفيروزي الساحر متجاوباً معك صعوداً وهبوطاً كما يكون دائما..
إن فيروز وعطاءها يصنعان جواً تتآلف فيه أصوات الكمنجات والنايات جنباً إلى جنب مع الكلمات كما كان في »أنا عندي حنين« فتنساب الأحاسيس ولا يعُرَف لها بداية أو نهاية ويظل السامع على حالته إلى أن يتلاشى الصوت الفيروزي مبقيا في الأذن رنات من الأسى وبريقاً لامعاً دالا على حدة الصوت ونعومة نصله. هذا الخليط الساحر، يبقى في الأذن ولا يبرحها متسللاً إلى أعماق القلب، حيث يسكن ناثراً عطره.
فيروز ذلك الصوت الدافئ الحنون الذي لا تسمعه بأذنك ولكنه يتسلل مع موسيقاها الحالمة إلى قلبك لتجد نفسك مدفوعاً بقوة للوقوع في عشقها، حيث ينساب خليط الذكريات من قلبك رويدا رويداً ليمتزج بألحانها وأغنياتها التي كانت ومازالت تقف صامدة في وجه الزمان لتعلن في شموخ وكبرياء أنها واحدة من أهم علامات الفن في العقود الأخيرة، هي المطربة اللبنانية فيروز.
فيروز حقاً طبيبة من نوع خاص تعالج القلوب، النفوس وتساعدنا على تجاوز أزماتنا العاطفية والوطنية بما تشهده حياتنا من لحظات انكسار وضياع وفقدان النموذج فتتهادى إلى أذنك بصوتها الساحر لتنسيك آلامك وتداوي جروحك بكلمات رقيقة أحيانا وقاسية أحيانا أخرى ومن ينسى كلمات أغنيتها الشهيرة القدس العتيقة والتي تقول فيها:عم صرّخ بالشوارع شوارع القدس العتيقة خلي الغنيّة تطير عواصف وهدير يا صوتي ضلك طاير زوبع بـ هالضماير خبرهن عاللي صاير بلكه بيوعى الضمير .
