لم يحظ رئيس أو زعيم عربي بما حظي به عبدالناصر من هوس الشعراء بأفكاره وأحلامه، فقيل فيه إنه آخر قنديل زيت يضيء لنا في ليالي الشتاء، وقيل فيه أيضًا إنه آخر سيف من القادسية، وبأنه المسافر إلى المستحيل في أرض العروبة، وقيل أيضًا إنه قصيدة شعر تقال فيخضر منها المداد..
إنه الزعيم المصري العربي «جمال عبدالناصر حسين سلطان»، واحد من رموز الحركة الوطنية المصرية، أحد أولئك الذين رزقهم الله بالكاريزما والحضور الطاغي، حتى أنه لو لم يكن زعيمًا سياسيًا لكان مسرحيًا عظيمًا.نه جمال عبدالناصر قائد الضباط الأحرار الذين قاموا بما سمي ثورة يوليو 1952، أو الانقلاب العسكري ضد الملك والإنجليز لتصحيح أوضاع مصر..أحبه المصريون والعرب بجنون كبير؛ لأنه كان يحمل في عينيه حلم العروبة الكبير في التوحد، إلا أن حلمه لم يُكتب له النجاح فانكسر مثلما كسر حلم محمد علي العسكري.وفي متحف رجل رومانسي مثل عبدالناصر فنحن أمام التاريخ، تاريخ مصر المفعم بالخصوبة، المتمثل في رؤسائها، فإلى تفاصيل المتحف.هنا يولد عبدالناصر من جديد بزيارتنا له في متحفه، «متحف جمال عبدالناصر»، حيث يتصدر المتحف مفتاح البيت الذي ولد فيه جمال عبدالناصر في 13 شارع القنواتي بحي باكوس بمدينة الإسكندرية، في 15 يناير ,1918.
نخطو خطواتنا الأولى داخل المتحف فتطالعنا صورة كبيرة للرئيس، وأخرى زنكوغرافية لبطاقته العائلية التي تحمل رقم 1 بوظيفة رئيس الجمهورية العربية المتحدة، في خانة الديانة مسلم، ونظيرتها الاجتماعية متزوج. ثم تتوالى صور لمراحله الأولى التعليمية بالبدلة والطربوش، يتوسط والده وعمه وأشقاءه الثلاثة «الليثي، عز العرب، شوقي»، ثم صورة أخرى لمرحلة ثانية بمدرسة حلوان الثانوية مرتديًا البدلة والطربوش، وذلك العام 1931، منتقلاً منها إلى مدرسة النهضة بالظاهر بالقاهرة العام 1936؛ ليحصل على البكالوريا ملتحقًا بكلية الحقوق العام 1937.التي لم يستمر بها نظرًا لالتحاقه بالكلية الحربية أواخر العام 1937، وأخذ يترقى من ملازم إلى أن وصل إلى رتبة «يوزباشي» العام 1945.إلى أن نصل إلى صورة زنكوغرافية يعلن فيها مجلس قيادة الثورة الإعلان الدستوري لمصر في 23 يوليو 1952 الخاص بإنهاء النظام الملكي؛ لتكون مصر جمهورية تنتظر حكم قائد ثورتها جمال عبدالناصر.:رسائل ناصر:لوحة زجاجية تعرض بداخلها رسائل مختلفة له قبل الثورة، أبرزها رسالة الجهاد، وهيئة تحرير المجد تشعل سطورها شرارة الثورة في نفوس زملائه، أما المنطقة الوسطى للمتحف فنشاهد تمثالاً نصفيًا لعبدالناصر يحمل على كتفيه رتبته العسكرية الرسمية «بكباشي»، تعادل حاليًا رتبة «المقدم».
هدايا قمرية
ونخطو قليلاً لنشاهد إحدى الفاترينات التي تعرض نماذج من الهدايا الخاصة التي تلقاها الرئيس عبدالناصر من ملوك ورؤساء العالم، وأبرز هذه الهدايا 4 قطع صخرية من سطح القمر أهداها له الرئيس الأميركي «نيكسون»، وهذا نموذج زجاجي مطعم بالخشب يحمل علم مصر حملته مركبة فضاء أبوللو 11 مع أول طاقم فضائي لها يصعد إلى القمر.
علاقات عالمية
علاقات عديدة لعبدالناصر بشخصيات عربية وعالمية تسجلها صور خالدة من رحلاته الخارجية سواء في مقابلات رسمية مع رؤساء، أم حضور مؤتمرات لقمم عالمية مثل «باندونج» العام 1955.
فهذه صورة له أثناء زيارته لدولة يوغوسلافيا للمرة الأولى؛ حيث يمنحه رئيس الدولة طبقًا لبروتوكولها بدلة القائد الأعلى للقوات المسلحة الخاصة بالرسميات وعلى صدره النياشين.
وصورة أخرى يوقع فيها مع الوزير «أنطوني ناتنج» ممثل بريطانيا اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر العام 1954، ثم صورة ثالثة مع «سوكارنو» أول رئيس لأندونيسيا، وصورة أخيرة مع الرئيس اليوغوسلافي «تيتو» العام 1956.
أصدقاء وأعداء
على لوحة رخامية نتعرف من خلالها إلى أقرب أصدقاء الرئيس، وهم «أحمد بن بيلا» رئيس الجزائر، «معمر القذافي» رئيس ليبيا، «تيتو» زعيم يوغوسلافيا، «جواهر لال نهرو» زعيم الهند، ومن رؤساء أمريكا «أيزنهاور» و«جون كيندي»، وفي اللوحة نفسها تبرز أسماء ألد أعداء عبدالناصر «جون دالاس» من أمريكا، و«أنتوني إيدن» رئيس وزراء بريطانيا، و«بن جوريون» من إسرائيل.
أما أقرب الرؤساء العرب إلى عبدالناصر فتتحدث عنهم صورهم داخل المتحف، وهم الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود، والرئيس اليمني عبدالله السلال، والرئيس الجزائري أحمد بن بيلا، ورئيس وزراء الهند أنديرا غاندي.
والرئيس السوري شكري القوتلي، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، وتتوسط متحف عبدالناصر لوحة زجاجية كبيرة الحجم تجسد مراحل تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956، والآثار السياسية التي صاحبت هذا القرار.
متعلقات شخصية
وعلى جانبي المتحف نشاهد مقتنيات الزعيم عبدالناصر، فنرى بدلته العسكرية الخاصة بكامل طاقمها، المنظار الميداني الخاص، نظارته الشخصية، حذاءه الخاص الذي كان يرتديه أثناء استراحته في منزله وبين عائلته، وصورة أخرى خلال أداء الحج والعمرة في الحجاز العام 1954.
خطاب التنحي
ونتوقف قليلاً أمام فاترينة نقرأ فيها نص «خطاب التنحي» الذي ألقاه عبدالناصر عقب هزيمة يونيو 1967، وبجانبه تعرض بدلته ورابطة عنقه.
وفي فاترينة خاصة نتابع صور العملات الورقية والمعدنية في عهد الرئيس عبدالناصر، منها ورقة من فئة ال25 قرشًا، وورقة ال50 قرشًا، وأخرى للجنيه المصري، أما العملات المعدنية فنرى القرش وال10 قروش مختلفة الأشكال والأحجام.
وبجانب هذه العملات لوحة للطوابع البريدية التي تنتمي إلى فترات زمنية مختلفة بعضها يحمل صورة الرئيس عبدالناصر، والبعض الآخر يحمل صورة أفراد العائلة المالكة في عهد فاروق وفؤاد.
الوداع الأخير
في جناح الوداع الأخير في حياة عبدالناصر، نتابع أوراق الصحف التي أعلنت رحيله ووداعه لأمته العربية، وكيف تناولت هذه الصحف نبأ رحيله، وماذا قالت من تعليقات وردود أفعال، كما يعرض الجناح مشاهد من جنازته العسكرية التي بدأت من كوبري قصر النيل.
مرورًا بشوارع القاهرة المختلفة، إلى أن استقر في مثواه الأخير، وبعد الانتهاء من مشاهدة مراسم الجنازة نطالع كلمات من كتاب للدكتور منصور فايز، الطبيب المعالج للرئيس، تحت عنوان «مشوار مع عبدالناصر»، يعلن فيه عن سبعة أسباب لوفاة عبدالناصر.
الأول الأزمات الكبرى التي مر بها، من بينها حربان مع إسرائيل، ومقاطعة الدول الكبرى، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، والعامل الثاني أن الرئيس كان يعمل 18 ساعة يوميًا بلا انقطاع، والثالث معاناته مع مرض السكر رغم التزامه بالعلاج، وعاداته في التدخين.
فقد كان يدخن خمس علب سجائر يوميًا، وقد أثر السكر والضغط العصبي والتدخين في قلبه وشرايينه، والعامل الخاص آلامه في ساقه اليمنى نتيجة ضعف الدورة الدموية، والسادس غارات إسرائيل على منطقة الزعفرانة، والسابع إرهافه الشديد وأزمته القلبية أثناء توديع أمير الكويت العام 1970.


