ألقاب وهمية للفصل بين النخبة المثقفة والعامة المحبطة

الجمهور العربي حائر بين «الفنان الشعبي» و«فنان الشعب»

صورة

ربما لم تظهر أمة على وجه الأرض منحت الألقاب الكثيرة والمتعددة لشخصياتها من شعراء وساسة وفنانين كما فعلت «أمة العرب»، ولئن أردنا النجاة بأنفسنا من تعقيدات المصطلحات السياسية والثقافية المقعرة والعودة لعالم الفن - وتحديداً عالم الغناء- فإننا نجد الألقاب باتت أكثر عدداً من رمال صحراء الربع الخالي.

ولكي لا نقع في محظور النقد اللاذع لبعض حملة الألقاب الفنية وهو ما ترفضه المجموعة الرقابية التي تلتقط كل شاردة وواردة؛ فإننا رأينا أن نسلط الضوء في هذه الجولة على مصطلحين غرائبيين وكأنهما من مصطلحات الروائي غابرييل ماركيز في واقعيته السحرية، وهما مصطلحا «الفنان الشعبي» و«فنان الشعب».ما يدفعنا الى طرح بعض التساؤلات في عالم الفن والألقاب الفنية ومسألة فنان الشعب والفنان الشعبي والهوة السحيقة التي بلغت بين الاثنين؛ ما شهدناه من تهافت ما يوصف بالفن الملتزم أو فن الشعب أو فن القضية أثناء مهرجان «أنغام من الشرق» الذي اختتم أخيرا، فأغلب الأماسي الفنية الغنائية التي أقيمت في مسارح راقية في أبو ظبي كقصر الإمارات ومسرح أبو ظبي عند كاسر الأمواج شهدها جمهور لا يزيد على أصابع اليد الواحدة لفنانين يوصفون بأنهم «فنانون ملتزمون» كأمسية كريمة الصقلي وأمسية عائشة رضوان وأمسية لطفي بوشناق.بينما شهد حفل الفنان الكبير صباح فخري جمهور غفير غص به مسرح قصر الإمارات، لنبرهن أن ما يسمى فنان الشعب أو الفنان الملتزم أو فنان القضية ما هي إلا مصطلحات نخبوية واهمة، وتوهم الآخرين بأنها تقدم فناً حقيقياً يختلف عن الفن الذي يقدمه الفنانون الآخرون، لتتجسد حيرة أخرى لجمهور العرب بين «الفنان الشعبي» و«فنان الشعب».

تمهيداً لما أسلفنا؛ فإننا نقول إن من بين البلايا التي رافقت هذه الأمة، هي توحيد مصطلحاتها، فمنذ أكثر من قرن وسدنة ما يسمى «المجامع اللغوية العربية» يتجادلون في مسميات الأشياء - التي لم يخترعوها- فعند ظهور جهاز التلفزيون، تخاصم «السدنة» في مسماه فمنهم من قال أن اسمه «تلفاز» أو «شاشة الرؤية» أو «صندوق الصور» وتعددت الأسماء والجهاز واحد، وهلم جرّاً على بقية الأشياء والمصطلحات لنثبت للعالم أننا أمة أبت إلا ألا تتفق واستمر الحال إلى يومنا هذا.

عوداً على بدء؛ فإن عالم الغناء العربي شهد أكبر توزيع للألقاب على الفنانين - يأتي طبعاً في المرتبة الثانية بعد ألقاب الساسة- ولا يعرف تحديداً تاريخ معين أو انطلاقة محددة لأول لقب فني منح لفنان عربي في العصر الحديث، وسنبدأ بما يعرف بفنان الشعب، حيث تذكر المدونات التاريخية الفنية الحديثة أن الفنان المصري الراحل سيد درويش نال لقب «فنان الشعب» في عشرينات القرن الماضي بعد وفاته بعدة أشهر.

تقديراً لجهوده في بث الروح الوطنية لدى أبناء مصر في الثورات ضد المحتلين كنشيد «بلادي بلادي» و«قوم يا مصري» ولأنه بحسب العديد من الكتاب المصريين يستقي ألحانه من الشعب ويحول الكلمات البسيطة إلى لوحات فنية رائعة تنبع من الشعب ثم يضع عليها سيد درويش لمساته السحرية ليصدرها للشعب مرة أخر بحسب وصف أحد الكتاب.

إلى أرض الكنانة مرة أخرى، ولكن في سبعينات القرن العشرين؛ حيث بات المغني أحمد عدوية ظاهرة استثنائية فيما يسمى «الفن الشعبي» حتى قلّده عدة مطربين ظهروا لاحقاً، من أمثال حسن الأسمر وغيره، فكان المصطلح الذي يطلق على عدوية «الفنان الشعبي».

وهنا تكمن إشكالية المصطلحات العربية التي أشرنا إليها، فلو جردنا «الفنان الشعبي» و«فنان الشعب» من صفة الفنان سيتبقى لدينا «الشعبي» و«الشعب» وكلاهما مشتقان من مصطلح واحد وهو «الشعب» بمعنى أننا سنعود إلى حكاية «من يفسر الماء بعد جهدٍ بالماء» ولكن المعنى يختلف إذا ما عرفنا أن المراد بالشعبي هو الذي يؤدي ألواناً عامية محضة -ينظر إليها في عالم الفن بدونية وعلى أنها نابعة من الحضيض- بينما يطلق المصطلح الثاني (فنان الشعب) على عالم النخبة الفنية التي تترفع على الواقع، وهي حالة تدهور ذوقي وفصل بين عالمين يتلاقيان في عدة مشتركات.

كي لا يقع البعض بإشكالية المصطلحين السابقين؛ فأنهم ألصقوا ألقاباً وصفات فنية لمجموعة كبيرة من المطربين ومن أبرز هذه الألقاب: الفنان الملتزم، الفنان الجماهيري، فنان القضية وغيرها من الألقاب التي تصب في النهاية في مجرى «فنان الشعب».

ومن أبرز الأسماء التي حملت المضامين السابقة وخدمتهم بعض القضايا العربية: مارسيل خليفة، أحمد قعبور، لطفي بوشناق، أميمة خليل، جوليا بطرس، كاظم الساهر، كريمة الصقلي، ريما خشيش، الذين قدموا ألواناً غنائية نخبوية بعضها تقمص نضال الشعب الفلسطيني في نكبته، والآخر غنى على جراحات العراق، والآخر قدم ألواناً مزج فيها بين الموسيقى الشرقية والغربية، ليعزلوا أنفسهم في قوقعة النخبة التي تعد على الأصابع في عالم عربي تبلغ الأمية فيه نسبة مهولة في القرن الحادي والعشرين.

في أرض العراق؛ كما مصر، تم تصنيف الفنانين بحسب ما يقدمونه من فن ولون غنائي، إلا أن البون الشاسع بين «فنان الشعب» و«الفنان الشعبي» يشكل فوارق أيديولوجية وديموغرافية ليس إلا، ففنان بقامة ناظم الغزالي أو محمد القبانجي قدموا فناً خالصاً أمتع الجميع، وفنانون من الريف مثل داخل حسن وحضيري أبو عزيز وعبادي العماري، قدمواً ضرباً من الغناء العامي الذي ما زال خالداً إلى اليوم، إلا أن ظهور الأحزاب والتيارات الأيديولوجية في ثلاثينات القرن الماضي، أفرز فنانين تبنوا تلك الأفكار.

فكان جعفر حسن وفؤاد سالم وقحطان العطار يمثلون تياراً يسارياً معروفاً في السبعينات ومع هذا فقد استمع إليهم الجمهور العراقي بغالبيته، وكذا هو الحال مع فنانين كفاضل عواد وحسين نعمة وسعدون جابر قدموا فناً يقترب من رؤية (حزب البعث المنحل) واستمع إليهم الجمهور عينه بعيداً عن التصنيف، كما ظهر فنانون يؤدون ألوانا شعبية بسيطة تسودها فوضى الكلمات والألحان، ورغم ذلك فحالة الفرز بين «فنان الشعب» و«الفنان الشعبي» في الظاهرة العراقية أبعد ما يكون عن الاختلاف الجذري.

بعيدا عن الألقاب

حين تسأل من يصنف الفنانين بحسب ما يقدمونه من ألوان غنائية؛ إن كان عدوية فنانا شعبيا، ومارسيل خليفة فنان ملتزم، وسيد دروش فنان الشعب، وأحمد قعبور فنان القضية، وشعبان عبد الرحيم فنان العامة، بمعنى أن لكل فنان جمهور خاص؛ هذا ينتمي إلى جمهور النخبة وذاك إلى جمهور الحضيض.

فأين تصنف أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وصباح فخري وناظم الغزالي وفيروز وعلية التونسية وجابر جاسم، أفلا يستمع إلى هؤلاء ويطرب لهم المثقف والنخبوي والطبيب ويطرب لهم كذلك الفلاح والعامل البسيط والأمي والكسبة من الناس! فأين العلّة إذن، نعتقد أنها تكمن في الفن الجميل الأصيل الطربي الشرقي الذي يحاكي الروح الشرقية ويغازلها ويبث فيها الجمال والسحر بعيداً عن كل المسميات والألقاب>

أبو ظبي- محمد الأنصاري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات