الأراجوز فن شعبي قيل إن له أصولاً تركية، لكنه اشتهر في مصر أواخر العصر المملوكي العام 1250 - 1517م، كوسيلة تسلية بجوار خيال الظل، وقد عاش الأراجوز كالمُصلح الاجتماعي، منتقداً سلبيات المجتمع كافة، وكثر استخدامه كرمز للمعالج بشكل هزلي، فالأراجوز فن يحتوي على إسقاطات وتلميحات سياسية واجتماعية، وكان من بين مشاهيره في مصر خلال القرن العشرين الفنان الشعبي «محمود شكوكو»، إلا أننا التقينا برجل لايزال يحمل «البارافان الخشبي»، «العرائس»، «الطراطير» منذ 50 عاماً.
هو «عم صابر» أشهر وأقدم لاعب أراجوز في بر مصر، الذي يُحيي ذكرى «الأراجوز»، ويُكمل مشوار شكوكو الذي صنع له المصريون تمثالاً اعتزازاً به.. دخل مع الأراجوز قصة حب طويلة بدأت في الموالد، مدرسته الأولى بعد شكوكو؛ حيث تعرف إلى فرقة حسب الله، وطوال 10 أعوام قضاها في الموالد تتلمذ على يد ملك الأراجوز الذي عرف بالعجمي، أو «فيلسوف الأراجوز». «الحواس الخمس» التقى الرجل، الذي بلغ حاليا من العمر 70 عاما، قضى منها 50 مع الأراجوز، في صحن بيت السحيمي في قلب القاهرة الفاطمية؛ حيث صار البيت الأثري مركزا لفنون الأراجوز وخيال الظل بعد تأسيس د. «نبيل بهجت» فرقة لإحياء هذه الفنون وترويجها، واستطاعت الفرقة ضم عم صابر إلى مجموعة شباب الفرقة.
ينادي عم صابر في الطريق.. «الأمانة صوت الأراجوز»، يعيش في الدنيا ومن حوله أصوات ضحكات الأطفال الذين يتابعون الأراجوز؛ لأنه يتكلم بلغة الخيال التي يفهمونها ويحفظونها عن ظهر قلب. عم صابر المصري، لا تكتمل موالد العارفين بالله، المنتشرة في ربوع مصر، من دونه، فهو طقس من الطقوس الأساسية، لسان أراجوزي لاذع وساخر، يجسد شخصيات من وحي الخيال ك«الشاويش»، و«العمدة»، مهرولاً وراء لقمة العيش التي تجبره - أحيانا - على أن يصير مجرد «نمرة ترفيهية» في مناسبات الأغنياء.
يقول ردا عن سؤال حول ما الذي جذبك إلى الأراجوز، وكيف اقتحمت هذا العالم؟: كان الفنان محمود شكوكو يُقدم عروضه داخل أحد النوادي بمنطقة «الكيت كات» في القاهرة بالقرب من بيتي، فجعلني الفضول أتسلق سور النادي؛ لأشاهده وهو يلعب بالأراجوز ويقدم منولوجاته، واستهواني ما يفعله شكوكو بخفة دمه وتحريكه لعروسة الأراجوز وصوتها المميز، وبقيت نحو 10 أعوام أدور في موالد مصر من «السيد البدوي» إلى «السيدة زينب» و«الحسين» وغيرها؛ لأتعلم وأكتسب خبرات كل يوم في تحريك العرائس، واستعادة صوت الأراجوز.
وأهم شيء فرز نوعية الجمهور والتعامل معه وانتزاع ضحكاته والرد على تعليقاته وإلقاء «القفشات»، فالبديهة الحاضرة سمة ضرورية في لاعب الأراجوز، في هذه الفترة اكتسبت اسم الشهرة صابر المصري، الاسم الأول لصبري على فقدان بصري، والثاني؛ لأنني تعلمت على يد الفنان فؤاد المصري، لكن اسمي الحقيقي «مصطفى عثمان».
وحفظت 24 «بابة» أي «اسكتش»، أو «نمرة» كما نسميها، أشهرها «البربري»، «الشاويش» و«زوجة الأراجوز» التي يعود الفضل لشكوكو في تطويرها بالشكل الذي صنع لها كل هذه الشهرة.
حول إذا ما توقفت علاقته بشكوكو إلى هذا الحد بعد أن حقق بعض الصيت في الموالد، يقول: أذاع البعض أنني «دوبلير» شكوكو، على الرغم من أن أياً من فناني الأراجوز لا يمتلك موهبة متوهجة وحرفية عالية مثل شكوكو، فقد كان رجلاً ممتازا يعشق أي فنان يجاهد من أجل إثبات وجوده، فرحَّب بي، وأفسح لي مجالاً للعمل، واستفدت منه في تحديد طبقة الصوت من خلال «الأمانة».
وصار لي مكان على قهوة «التجارة» بشارع محمد علي، وكنت ألتقي فيها بفنانين أمثال «عبدالعزيز محمود، كارم محمود، ومحمد رشدي»، وكان «أحمد عدوية» ولايزال يتلمس طريقه وسط هؤلاء الفنانين الكبار في ذلك الوقت.
خطر «أمانة» الأراجوز
وعن طبيعة هذه «الأمانة»، يقول: هي عبارة عن جسم صغير مستطيل الشكل، مجوَّف وله فتحة يخرج منها هذا الصوت المميز لفنان الأراجوز، والذي يعتبر إجادته جواز مرور لاحتراف المهنة وجذب الجمهور، فبداخل هذا التجويف شريط من قماش خاص يتم تخميره في كوب من الشاي ثم المرور عليه بالمكواة حتى يصير أكثر نعومة.
وبسبب «الأمانة» انحسر عدد لاعبي الأراجوز؛ لأن الكثيرين يرون أنها تشكل خطرا على صحة الإنسان؛ حيث كانت تُصنع من النحاس، وحاليا يتم تصنيعها من «الإستانلس»، كما يخشى البعض من انزلاقها في الحلق إلى جسم الإنسان، ما قد يسبب مشاكل خطيرة، ولكن بالخبرة أستطيع أن أتحدث بشكل عادي و«الأمانة» في حلقي؛ حيث أستطيع إصدار صوت الأراجوز متى أريد.
بين الضحك والبكاء
وحول شكل ودور الأراجوز في الموالد، يقول عم صابر: كانت في مجملها أشياءً مخجلة وخارجة عن حدود الأدب من أجل زيادة الجمهور ومخاطبة نوازعه، مثل اسكتش «الأراجوز في الجيش»، و«الست التي تلد»، و«الكلب السعران»، فدور الأراجوز هو إضحاك الناس البسيطة في تجمعات الموالد.
إلا أن الظروف المعيشية للقائم بدور الأراجوز تجبره على تمثيل هذه الأدوار المسفَّة، فهو يُضحك الآخرين ويبكي من داخله، لكن بعض هذه «الاسكتشات» قد جرى عليها تطوير وتهذيب مثل اسكتشي «البربري»، و«زوجة الأراجوز».
وعن طبيعة عمله في بيت السحيمي مع فرقة «ومضة»، وكيف جاءت، وهل تنفصل عروض الأراجوز في الفرقة عن عروض خيال الظل، يقول: منذ نحو 7 أعوام جاءني صديقي محمود كامل، عازف الكلارينيت؛ ليبلغني بأن المركز القومي للمسرح والموسيقى يبحث عن فنان أراجوز، وبالفعل ذهبت.
واستعرضت أمام الجميع بتحريك العرائس والصوت وغيرهما، وبدأت العمل مع د. نبيل بهجت في الفرقة، وعرفت في ما بعد أن 10 من فناني الأراجوز قد حضروا قبلي، ولم يقتنع بهم المسئولون في المركز، فلم أغضب من اختبارهم لي، فليس لديَّ حساسية في العمل.
أما عروض الأراجوز في الفرقة فعادة ما كان الأراجوز يقدم عروضه نهارا، أما خيال الظل فيكون ليلاً، فهذه رؤية د. نبيل بهجت، لكنني أرى أن الأراجوز يرمي أساس الحكاية، ويفتتح البرنامج فيأتي له الجمهور، ثم يقوم خيال الظل بعرائسه على الشاشة لتكمل تفاصيل القصة بشكل درامي.
ويقول عم صابر، بعد هذا المشوار الطويل مع الأراجوز، عن الفرق بين العمل في الموالد وفي فرقة تابعة لوزارة الثقافة: الأراجوز في الفرقة يركز على أبحاث تربوية، فهو في كل الأحوال يحمل رسالة ما يجب أن تصل إلى الجمهور أيا كان هذا الجمهور وفى أي زمان ومكان، فليس الأراجوز فقط للتسلية والترفيه، فهذه طبيعته فقط في الموالد التي تتسم بالعشوائية.
خبرة تعبيرية
ويضيف عم صابر عن مشاركته في الخارج: قدمنا عروضا في أوروبا وأميركا، وعدنا من اليونان منذ أيام، وهذه شعوب تُقدر الفن الشعبي الذي يعتمد على الارتجال والموهبة، ويكون تركيزي في هذه العروض على المبالغة في حركة العرائس تعويضا عن عدم فهم اللغة، وهذا بالتأكيد يضيف إليَّ خبرة تعبيرية بالعرائس.
وحول دور ورش العمل التي تقوم بها الفرقة يقول: يقوم الأطفال والبنات في هذه الورش بتصنيع العرائس بأيديهم، ولا أدري إن كان ذلك يقربهم من الأراجوز أم يكسر أسطورته أمامهم، لكن سعادتي لا توصف عندما يأتي ولد صغير بعد العرض وأنا أجمع العرائس؛ ليسلم على الأراجوز، فأخبره أنه شرب اللبن.
ولكن إذا تخرَّج في هذه الورش مَن يتقن ويبدع في صناعة العرائس أو فن التحريك وغيرهما يكون شيئا عظيما، فهناك بعض الصبية أقوم بتدريبهم على ذلك، وحتى هذه اللحظة لا أستطيع تقويم أدائهم، فما زال أمامهم وقت طويل.
وحول رأيه في ما يقدم في السينما عن الأراجوز، يقول: ما أعجبني في فيلم «الأراجوز» للفنان عمر الشريف أنه يحكي الحكاية الأبدية عن الظلم والاستغلال، وهي قصة الفلاح المغلوب على أمره، والعمدة الفاجر، وأيضا قصة الفيلم تحاكي الواقع، أما من الناحية الفنية فلم يكن صوت الأراجوز واضحا بما يكفي، ولم أفهم كلمات كثيرة وذلك يرجع لقلة الخبرة.
أنهى عم صابر لقاءنا معه بحمد الله على تكريمه في الملتقى الثالث للعروسة الشعبية منذ عامين، كما حظي بكل الحب والود من شباب الفرقة، وقال إنه تكفيه ضحكات الأطفال وشعوره بتربية أجيال جديدة لهذا البلد في هذا الفن الشعبي العريق.



