قديماً.. حين كانت أم كلثوم تقف على المسرح يصفق الجمهور، وحين كانت تنهي وصلتها يصفق بانتظام المارش العسكري كأنه قد أدى بروفات مُتقنة على التصفيق، وحين خرج الجمهور مرة على النظام توقفت أم كلثوم عن الغناء حتى يعود الجميع إلى رشده..
فنحن أمام فن يحترم نفسه ويحترمه جمهوره، لكن تبدَّل الحال بمرور الزمن فصار التصفيق مصاحباً بالصراخ والعويل، وربما «لطم» الخدود من جمال المطرب ودلال المطربة التي لا علاقة لهما بالغناء، فصار التصفيق لا من أجل التمتع بالطرب، وإنما حالة لإخراج طاقة وكبت، تماماً كجلسات العلاج بـ «الزَّار» في الأحياء العشوائية التي تتسم بالجهل.. فماذا جرى لجمهور الاستماع؟ التصفيق بشكل عام بكفين تلتقيان هو تعبير عن الإعجاب بعمل ما، وهذه الأكف كانت في زمن أم كلثوم وعبدالحليم وعبدالوهاب، وظيفتها استحسان الفن والتعبير عن الإعجاب به، حتى ان الجمهور في حفلات كوكب الشرق اخترع وظيفة جديدة للتصفيق، وهى طلب إعادة جزء من الأغنية مرة أخرى أو مقطوعة موسيقية، وقد كان علو الصوت في حفلات المطربين القدامى دليلاً على تجاوز الجمهور السلوك اللائق، مثلما حدث في حفل للفنان عبدالحليم حافظ أثناء تقديمه أغنية «حبيبتي من تكون»، فقد علا صوت بعض الجمهور، وهذا ما اعتبره العندليب تجاوزاً أخلاقياً، وخرج عن شعوره صارخاً في الجمهور قائلاً «بس بقى.. كفاية»، لكنه اعتذر على هذا التصرف.. مبرراً ضجره بأن صراخ الجمهور وتصفيقه أخرجاه عن شعوره وأفقداه أعصابه.
قد يكون عامل الزمن وإيقاعه السريع هو السبب في تغير مزاج الجمهور، فنحن أبناء هذا الزمن مصابون بداء السرعة، فالجمهور الموجود هو ابن الصراخ وضجيج الشوارع والأغنيات التي لا استماع فيها؛ لذا قد يدافع المدافعون عن الجمهور ويعتبرونه مجنياً على ذوقه بالأغنيات الموتِّرة للأعصاب، وقد يكون ذلك سبباً دافعاً ل«ساقية الصاوي» في مصر لاستعادة الذوق القديم، وذلك بتقديم حفل في الخميس الأول من كل شهر تقدم فيه أغنيات أم كلثوم على الطراز القديم، لكن باستخدام عرائس الماريونيت بديلاً عن أم كلثوم الحقيقية وفرقتها الموسيقية، ويشهد الحفل حضوراً جماهيرياً كبيراً، ما يعطي مؤشراً أن الجمهور لا يزال بخير لولا عشوائية الغناء الموجود.
دعاوى حرية... ويرجع علماء النفس والاجتماع تحوُّل التصفيق من زمن أم كلثوم إلى زمن نانسي عجرم وغيرها، إلى تحول ظروف المجتمع نفسه.. مؤكدين أن سرعة نمط الحياة، وتغير الظروف الاجتماعية، وتقليد الشباب للمجتمعات الغربية هي ما ساعدت على تغير السلوك السمعي. وقد بدأت د. سامية القطام أستاذ علم النفس بجامعة بنها، تعليقها بأن الفن مثل أي ظاهرة تتأثر بالمجتمع ككل، وأضافت: لقد تأثر الفن العربي كثيراً بظروف المجتمعات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك بالنموذج الأميركي الذي أصبح الشباب يطبقه في كل شؤون الحياة، ما أدى إلى إسقاط كلمة «الاحترام» من قاموس الشباب الذي يسير في حياته على مبدأ «أنت حر ما لم تضر».
وبالطبع هذا تهريج لا يمكن قبوله، فالحرية هي الالتزام بقيم المجتمع ومبادئه وأخلاقياته، لكن للأسف هذه الأشياء تلاشت شيئاً فشيئاً حتى أصبحنا مجرد مقلدين وتابعين للمجتمعات الأوروبية تحت دعوى التحضُّر والحرية، مخلفين وراء ظهورنا مبادئنا وعاداتنا وأخلاقياتنا، فظاهرة التصفيق والرقص أثناء الغناء أصبحت الشيء المتداول في الحفلات.
والسبب الرئيسي لمثل هذا الأسلوب هو الأغنية نفسها، التي يطلقون عليها «الأغنية الشبابية»؛ حيث السرعة في الوقت والموسيقى بتوزيعاتها الصاخبة، فقد كنا نتابع تصفيق جمهور زمان ونطلق عليه «الجمهور المحترم»، أما ما نراه من تصفيق واستماع الآن فلا يدخل إلا في إطار المرض النفسي، فهي حالة خروج من ضغوط الحياة.
جاهلية حداثية
ويشير الموسيقار حلمي بكر إلى أنه إذا كانت الأغنية قد تغيرت فقد تغير معها شكل المطرب، طريقة أدائه، ووقوفه على المسرح، فما العجب من تغير سلوك المستمع؟.. إن ظاهرة التصفيق المستمر المصاحب للأغنية الحديثة رد فعل طبيعي من الجمهور دون إبداء سبب واضح لهذا السلوك طالما الشاب يرى المطربين أو المطربات يرقصون بجانب الغناء.
وبكل تأكيد فقد صار مستحيلاً أن يعود جمهور «أم كلثوم، نجاة، وفايزة» في ظل طغيان الأغنية الحديثة، أو الأغنية الرجعية التي تعود بالإنسان إلى زمن جاهليته مرة أخرى، لكنها جاهلية «حداثية»، فجمهور اليوم مصفق صاخب، أما جمهور الأمس فمستمع ومتأمل.
وصار صعباً في هذا العصر أن يستمع الشخص لأغنية تصل مدتها إلى 60 دقيقة أو أكثر؛ لذلك الشباب يفضل الأغنية السريعة التي تصل مدتها إلى 5 دقائق على الأكثر.. مرجعاً تحوّل التصفيق من زمن أم كلثوم لزمن عمرو دياب إلى الأغنية نفسها التي تفرض على المستمع طريقة تلقيها، وتعبيره عن إعجابه بها، وانسجامه معها.
أما د. نسرين بغدادي أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، فقد أوضحت أن التصفيق علامة على الاندماج في الأغنية والاستسلام لإيقاعها، فقد كان هذا يتم مع جمهور الأغاني القديمة الذي يتعايش مع الأغنية كأنه أُصيب في وجدانه بحالة صوفية، لكننا أصبحنا في عصر صاخب وشديد السرعة، ما انعكس على طبيعة وسلوك البشر جميعاً ليس في الغناء فقط، وإنما في كل مناحي الحياة.
فقد كان كل شيء مختلفاً، وحين انهار الغناء انهارت معه قيم عديدة، فلم نعد نسمع قصائد باللغة الفصحى؛ لأن ذوق صناع الأغنية لن يعود كما كان الحال في زمن أم كلثوم وعبدالحليم وعبدالوهاب، فقد كانت هذه الأغنيات مرتبطة بحال السكون، ولم تكن تتطلب حركة تُشوِّه وجدان الأغنية، بعكس الأغنيات التي لها طابع السيرك بالتوزيعات الصاخبة، والكلمات غير اللائقة، والأداء المريض.
على جناح السرعة
ويؤكد د. خالد عبدالمحسن أستاذ علم نفس اجتماعي بجامعة القاهرة، أن الأغنية الحديثة ليست أغنية شرقية أو عربية، وإنما تشويه ومسخ للأغنية الغربية التي لا تتلاءم مع الطبيعة الشرقية في شيء؛ لذا فالأمر يرجع إلى ما تحدث عنه «ابن خلدون» في مقدمته من أن المغلوب مولع بتقليد الغالب، لكن للأسف لم يستطع العرب التقليد الجيد؛ لذا أصابتنا «اللعنة» الفنية.
وانصب غضبها على غنائنا الذي كان يميزنا، وراح في طي النسيان، وتبعه الذوق والسلوك العام للجمهور بأشكاله كافة، فقد صرنا في عصر الترفيه والهرب من واقعنا المشوه، فمنذ ثمانينات القرن العشرين حدث تحوُّل كبير للأغنية بظهور جيل جديد من المطربين أتوا على جناح السرعة، وليسوا مستعدين للتخلي عنها؛ لأنها صارت بديلاً عن الطرب، فقد استبدلوا بالغناء الحقيقي رقصاً خليعاً قاد الجمهور إلى المُجون، فعاش المطرب والجمهور وكأنهما في حال سُكر وتغييب عقلي.
حال الأغنية
اتفقت الدكتورة شهيرة سامي أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، مع الآراء السابقة، وأضافت: إن مظهر المطرب قد تغيَّر، وتحول فكره إلى أغنيات استهلاكية، فالفنان العربي مثل الذي رقص على السلم، فلم يتمسك بشخصيته، ولم يستطع تطبيق النموذج الغربي جميعه؛ لذلك استوردنا رومانسية لا تناسب وجداننا.
وتابعت: لم يعد لدينا مستنيرون، بل نعيش على المشوهين، ولم نعد نعرف مَن المسؤول؛ لكي نحاسبه على فساد الذوق الغنائي، وتحول التصفيق - الذي يشبه حركة أجنحة الفراشة، هذه الوسيلة الراقية والرقيقة للتعبير عن الإعجاب - إلى ما يشبه اللطم على الخدود على حال الأغنية، والشخصية العربية.



