يطلق عليه صاحبه أنس إسماعيل «مشروع العمر»، الذي ما عاد شيء في الكون غيره يحقق له متعة المشاهدة والقراءة والاستماع، وتقول زوجته ناي آرت كافيه هو الورطة التي ما عاد بالإمكان التراجع عنها بعد أن أصبح لها عشاق في كل مكان؛ فالجميع في مدينة اللاذقية وما حولها يقصدونه من كل المحافظات والمدن القريبة كي يمارسوا في هذا المكان أحلامهم الصغيرة، والذين يرغبون في أن يقضوا بعض الوقت كي يطالعوا أحدث الإصدارات، أو أن يستمعوا إلى معزوفات جديدة كلاسيكية لا توفرها لهم أمكنة أخرى، حيث يقصدون حيا عتيقا ضمن أحياء اللاذقية.

انس إسماعيل جعل من هذا الحي الأشهر بين الأحياء المنتشرة في اللاذقية، ويشير إلى أن الثقافة والفن يستطيعان أن يؤسسا لحراك لا تؤسسه فعاليات أخرى، موضحا أن الجو الثقافي الذي نشره من خلال مقهاه جعل كثيرين من رواد الفن السوري يقصدونه ويقدمون من خلاله انتاجاتهم الإبداعية، حتى تحول مع المدينة إلى وجهة ثقافية وسياحية، وغالبا عندما يدخله المرء من أجل تناول بعض القهوة فإنه نادرا ما يمر من هناك دون أن يجد نشاطا ما سواء معرض تشكيلي لفنان عربي او سوري او أمسية موسيقية لعازف او مجموعة عازفين، ومنذ فترة قصيرة صار هناك مجال لتقديم عروض مسرحية ذات صيغة يحتملها صغر المكان، إذ إن أنس عمل على الاستفادة من كل شبر بالمقهى، وقام بإنشاء طابق ثان من أجل عشاق القراءة والرسم والكتابة، فليس بالضرورة ان يقتصر حضور الزبائن من أجل المتابعة، بل هناك إنتاج مهم يمكن ان يلحظه المرتادون لهذا المقهى، وألمح أنس أن هناك إنتاجا قد يعرض في يوم ما لمبدعين شباب جاؤوا الى المقهى في فترات متباعدة، وكتبوا في المقهى روايات وقصصا قصيرة ومسرحيات أو رسموا لوحات تؤكد موهبتهم، الأمر الذي يجعل للمقهى بعدا إنتاجيا ضمن الحيز الثقافي أكثر مما هو استهلاكي.

ورفض أنس الحديث عن تعامل مختلف بين شخص وآخر، أو مع زبائن دون آخرين؛ فالمقهى أبوابه مفتوحة للجميع دون استثناء، والكل يستطيع ان يمارس طقوسه فيه، وتشير زوجة أنس الى أن المقهى يفتح أبوابه للجميع اعتبارا من الثامنة صباحا؛ فهناك من يقوم بزيارة صباحية للمقهى وهم قلة، ولكن يحترم حضورهم وإقبالهم على هذا المكان الذي صار لهم، ومن حقهم، ويؤكد أنس أن العائد المادي لهذا المشروع لا ينظر لأهميته أو لقيمته لأنه ليس مردود مشروع تجاري بقدر ما هو مردود لمشروع ثقافي والمشاريع الثقافية، حسب تعبيره الساخر، غير مجدية وغير فاعلة بحال من الأحوال. ويؤكد أنس أن لحظة المتعة لديه قدوم عشاق جدد للمقهى، كارها أن يسميهم زبائن لأنهم الأصحاب الأساسيون لهذا المشروع الصغير الذي يأمل في أن يصبح كبيرا مع الأيام.

مسرحيات ومعارض وروايات ضمن 100 متر... تبلغ مساحة المقهى حوالي 100 متر، وتم الإعلان عن هذا المقهى قبل ثلاثة أعوام تقريبا، وقد تمت الاستفادة من كل ركن فيه، وعلى الجدران لوحات معلقة لعلي فرزات حينما أقام في البدايات معرضا متنقلا للوحاته حظيت بإقبال جماهيري كبير، والى جانب لوحاته هناك لوحات لتجارب فنية أخرى ممن شاركوا في هذا المقهى. وعلى الرغم من الإقبال الضعيف على الشراء في الآونة الأخيرة، إلا أن هذا لم يمنعهم من أن يهتموا بعرض لوحات لكل زوار المكان، وإلى جانب اللوحات هناك كتب معروضة ضمن خزانة كبيرة مخصصة لها، وغالبا هي كتب حديثة لعدة دور نشر سورية وعربية، إضافة إلى وجود بعض المؤلفات القديمة لكتاب كبار معروفين.

ويؤكد أنس أن المكتبة لا يوجد فيها كل شيء، ولكن يراعى أن يجد القارئ ما يجد بعض المتعة حين يرغب في أن يقرأ كتابا ما، أو أن يتابع مجلة ما. وعموما فكرة هذا المقهى الثقافي أو ما صار يطلق من تسميات على هذا المشروع انتشرت في اللاذقية كذلك، وصار بإمكان من يرتاده أن يحضر كتابه معه، لافتا إلى ظاهرة انتشار الكتابة والرسم بين الفنانين الشباب وهذا إن كان بفعل ناي آرت؛ فهو يسجل كإنجاز يحمل توقيع المكان.

وانتشرت في العالم العربي المقاهي الثقافية التي تحمل أبعاد وأفكار الصالونات الثقافية التي انتشرت في عواصم عربية مختارة مثل بيروت ودمشق والقاهرة، ولكن الآن ثمة آفاقا جديدة تشير إلى علاقة مهمة مع الثقافة، ورواد مقاه محترمة تشكل استقطابا لكل الفئات الخاصة في المجتمعات العربية، والذين يتبع لهم المثقفون والفنانون، والتي تشير بشكل أو بآخر إلى علاقة مهمة للمجتمعات العربية مع الفعل الثقافي.

اللاذقية ـ جمال آدم