مصطفى سعيد موسيقي ينتمي إلى الفن الشرقي الأصيل؛ وعازف عود من الطراز الأول، رغم أن الأقدار سلبته حاسة البصر؛ إلا أن الله منحه مواهب يحسده عليها غيره، فلقد استطاع عازف العود المصري أن يجمع بين أنامله حنين العود وإشراقه وأنغام البيانو ورقته، كما نال شهادة عليا في الأدب الإنجليزي ومثلها في موسيقى العالم المعاصر، متفوقاً في عزفه وصوته الجميل على ذاته، ليكون معجزة موسيقية عربية بامتياز.
«الحواس الخمس» التقى الموسيقي المصري الذي يحل ضيفاً على مهرجان «أنغام من الشرق» في أبو ظبي فكانت هذه الرحلة مع بعض محطات حياته العشرينية التي حقق فيها أروع الإنجازات الفنية .تتلمذ أثناء طفولته الأولى على يد أحد الأساتذة الأيرلنديين فتعلم العزف على البيانو، ويتذكر نصيحة ذلك الأستاذ الذي طلب إليه أن «يتعلم موسيقى قومه»، فصار يذهب أثناء إجازة الصيف إلى مدينة طنطا لحضور حلقات الإنشاد الصوفي التي كانت تعقد بجامع الأحمدي؛ فشدّته الأصوات والألحان الموسيقية الروحية، وفي أيام مراهقته شغف بالسباحة فتأهل في عدة بطولات نافس فيها أبطال هذه الرياضة ونال عدة أوسمة وميداليات؛ ولكنه وصل إلى مفترق طرق ، إما السباحة أو الموسيقى، فلم يختر لمعشوقته الموسيقى بديلاً.
ولأنه لم يعترف أصلاً بالتعليم الدراسي الأكاديمي ولم يجد فيه ضالته، فإنه كان كثيراً ما ينال العقاب الدراسي لانشغاله بالأنشطة الموسيقية والفنية، ومع كل ذلك فإنه نال المرتبة الرابعة على مستوى جمهورية مصر العربية في امتحانات البكالوريا، نسأله بخبث : هل كنت تغش في الامتحانات؟ يجيب ساخراً: أرفض الغش مني وإليّ، وكيف أغش وورقة كتابة طريقة «بريل» التي استخدمها تبلغ أضعاف حجم ورقة الكتابة التي يكتبها المبصرون!.
اتجه مصطفى لدراسة آلة العود عبر الطريقة السماعية؛ فاشترى عدة أسطوانات موسيقية لفنانين قدامى من مختلف أرجاء العالم العربي، وكان لفترات البث المتأخرة لبعض برامج الموسيقى بإذاعة «صوت العرب» عامل أساسي في تنمية ذوقه الفني ومعرفته لمقامات وأنغام العود والتخت الشرقي.
وما يمكن أن يلاحظه المرء في فلسفة هذا الفنان العبقري الموسيقية؛ هو ابتعاده عن «تضخيم الذات» وتضخيم الإرث الفني لبلده أو قوميته أو منطقته، فهو عاشق للموسيقى الجميلة أيا كان مصدرها، فمن هم الفنانون الذين تعرف إليهم واستمع إلى أصواتهم وموسيقاهم غير أم كلثوم والشيخ أبو العلا وزكريا أحمد والسنباطي وعشرات من فناني مصر الحقيقيين، يقول مصطفى:
لقد أبهرتني عدة أصوات غنائية عربية وشرقية بدأً من محمد القبانجي ورشيد القندرجي وسليمة مراد من العراق، مروراً بصبري مدلل وصباح فخري من سوريا وعشرات من الأصوات والمقامات والموشحات الموسيقية الجميلة، التي أشعر بها وأتفاعل معها بصورة مجردة فأنا مع الموسيقى الجميلة والأصيلة أي كان مصدرها.
بطريق الصدفة يستمع مصطفى إلى الموسيقار العراقي نصير شمّة أثناء حوار بإذاعة صوت العرب؛ فيتصل على الهواء ليطلب لقاءه والتعرف به لدراسة آلة العود على يديه، وبعد مرور سنتين على هذا الاتصال يلتقي الاثنان ليبدأ مشوار مصطفى في «بيت العود» الذي أسسه شمّة في القاهرة.
وتستمر رحلة دراسة آلة العود التي يشغف بها مصطفى ويعهد إليه شمّة بتدريس المبتدئين الملتحقين بالبيت فتتواصل دراسته وتدريسه إلى يوم 15 مارس 2004م حين يتخرج من بيت العود وبعدها بيومين ينال الدبلوم من الجامعة الأميركية في موسيقى العالم المعاصر، ليجمع في روحه وعقله موسيقى الشرق وأصالته وموسيقى الغرب بقواعده وتناغمه، يقول مصطفى عن أيام دراسته ببيت العود: لقد آليتُ على نفسي أنني سأدخل بيت العود وأبدأ من الصفر، ولم يبخل علي أستاذي العازف نصير شمة بأي معلومة أو مشورة أو نصيحة موسيقية تتعلق بآلة العود.
في تلك الآونة يؤسس مصطفى سعيد لفرق «أصيل» التي يشاركه العزف فيها على القانون غسان سحاب وعلى الناي محمد عنتر، وتنطلق الفرقة لتقديم موسيقاها في أرجاء مصر والعالم العربي، لينطلق مصطفى إلى بيروت لتقديم مقطوعات موسيقية سبقت عرض مسرحية «العراق محاصرا» التي نالت إعجاب الجمهور.
وفي بيروت يلتقي مصطفى بعازف الكمان اللبناني الشهير نداء أبو مراد الذي سبق أن التقاه بكواليس دار الأوبرا في القاهرة، وبعد أن استمع أبو مراد لطريقة عزف وأداء مصطفى سعيد طلب إليه مشاركته في مشروعه المقبل المكون من 95 مقاماً موسيقياً من مدونات ميخائيل مشاقة التي حققها أبو مراد، فانتشرت تلك الأسطوانة بين النخبة.
أنجز مصطفى مجموعة ألبومات موسيقية وغنائية كان من أشهرها 30 قصيدة من «رباعيات الخيام» عام 2008م وقسّمها الموسيقار المصري إلى 3 أقسام هي: وصلة راحة الأرواح، وصلة في الدوكاه، وصلة في المستقيم، ولقد اختار مصطفى ترجمة الرباعيات للشاعر العراقي الراحل أحمد الصافي النجفي مفضلاً إياها على 17 ترجمة أخرى، يقول في ذلك:
لقد اطلعت على معظم التراجم شعراً ونثراً، فكانت ترجمة النجفي أفضلها وأجزلها وأقربها إلى القلب، وشهادتي متواضعة أمام شهادات أساطين الأدب من بلاد فارس أصحاب النص الأصلي، ولا أجد شهادتي واختياري بشيء أمام شهادة الشاعر أحمد رامي الذي ترجمها بنفسه أيضاً، حيث أجمعوا أن ترجمة النجفي هي الأفضل من بين جميع الترجمات.
بسبب القطرية الضيقة والأفق المحدود الذي يتعامل به البعض مع التجارب الفنية العربية والشرقية بعيداً عن القيمة الجمالية المجردة للعمل الفني، شنّ أحد الصحافيين العرب حملة شعواء على أسلوب مصطفى سعيد وطريقته في الأداء الغنائي المرافق لموسيقى رباعيات الخيام واتهمه بتقليد بعض الفنانين العرب أمثال صبري مدلل وغيره، لا يستفز ذلك مصطفى سعيد فيقول:
أؤمن باختلاف الرأي ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع، وأنا أفتخر بأني أسير على خطى الأسماء الفنية الكبيرة مثل الراحل صبري مدلل، فليس هناك فنان هبط من السماء فناناً، بل الفن هو نتيجة ظاهرة التراكمية التي تنشأ عبر التاريخ.
ظهرت في السنوات الأخيرة محاولات كثيرة لدمج أو مزج الموسيقى الشرقية بالموسيقى العربية، وبما أن ضيفنا الموسيقي مصطفى سعيد قد ثقف أذنه وروحه ونفسه بالثقافتين الغربية والشرقية، فإن رأيه يضيف عنصراً مهماً لمن يبغي المجازفة في هذا الإطار؛ يقول عن تلك المحاولات:
هناك محاولات تحترم لأنها تعرف تاريخ الشرق الموسيقي، أما الغالبية فلقد باتت فيها الموسيقى الشرقية كشكل ميت ليس إلا أو خلفية تظهر على استحياء في تلك التجارب، وأفصح وصف يمكن أن توصف به؛ هي أنها تذكرني بنغمات وأصوات الإبل التي يصطحب عليها الجمالون المصريون السائحون الغربيون حول أهرام الجيزة.
يستعد مصطفى سعيد لإنجاز مشروع حواري موسيقي ربما يكون الأول من نوعه في الحوارات الموسيقية العربية مع الآخر؛ فلقد اختار موسيقيون من 4 دول مشرقية غير عربية ليلتقي معها موسيقياً في مشروعه.
ويقول: نحن نذهب إلى الآخر البعيد وننسى الآخر القريب منا في ثقافتنا وذوقنا وتاريخنا، فنحن حين نذهب لحوار الموسيقى الغربية نريد أن نكون ملكيين أكثر من الملك، وأقولها بكل أسف ان الموسيقي الشرقي بات يشعر بدونية تجاه موسيقاه مقارنة بالغربي، فأردتُ من خلال مشروعي القادم الذي سيكون مع موسيقيين شرقيين ليسوا بعرب، أن أفند هذه النظرية الهدامة وأن أقدم أحد احلام حياتي بحوارية شرقية تقدم موسيقى الشرق للعالم بجواهرها العتيقة المحدثة.
أبو ظبي- محمد الأنصاري

