ربما نعرف الكثير عن سور الصين العظيم. وربما لا نعرف شيئاً، بعد، اذ تفاجئنا الدراسات والأبحاث كل يوم بالكشف عن أسرار جديدة عن هذا السور المهيب، الذي يعتبر إحدى عجائب الدنيا السبع التقليدية.

لكننا نعرف بالتأكيد أن هناك سوقاً بات يحتل المنطقة المحيطة بالسور، يخاطب السواح القادمين من مختلف أصقاع الأرض، ويغريهم بشراء الهدايا التذكارية، التي يشكل الحصول على بعضها فرصة جذابة لمن لم يتسن له الوقت للتسوق في مراكز بكين الكثيرة والرخيصة، أو لمن يرغب أن يشتري بعض الهدايا تحديداً من المنطقة القريبة من السور، لما من ذلك بأهمية معنوية مختلفة.

الطريق إلى سور الصين، من العاصمة بكين، تسلكه في أكثر من أربعين دقيقة، ويمر بك بقرى تتوزع مع الغابات على جانبي الطريق المعبد، وبعضها يظهر عليه الفقر والإهمال، فيما البعض الآخر يتخذ الوجه السياحي. على الطريق تصادفك بيوت لقرويين، وكذلك مدارس تلامذة وبعضها تحول إلى مطاعم (!) على مسافة قريبة من السور.

النسوة اللواتي يتجمهرن في أسفل التل الذي يتوجب عليك ان تسلكه من أجل الوصول إلى التليفريك الذي سيقلك إلى مرتفعات السور، يبعن كل شيء بدءاً من الدمى، مروراً بالفواكه المجففة والمكسرات الصينية، وصولاً إلى الملابس وأغطية الأسرة.

هناك سيكون لديك فرصة مثالية للتفاوض والحصول على تخفيضات كثيرة، وعليك أن تتنبه الى قيمة المعروض من البضائع، وغالبيتها من المستوى التجاري الذي يباع للسواح الراغبين في تذكر زيارتهم الى السور.

من المفيد أن تتظاهر بأنك لا تكترث كثيراً للبضاعة المعروضة، فهذا يجعل الباعة يقدمون على تخفيضات أكبر، كذلك لا تستعجل وتشتري البضاعة قبل جولتك في السور، اذ ان حملها طوال فترة المشي، سوف يتسبب لك بإرهاق كبير. أجل الشراء الى ما بعد الجولة.

اذا كنت ممن يهابون التعلق في السماء، ما يعني ركوب التليفريك الذي سيقلك الى أجزاء من داخل السور، لا تتحمس لركوب هذه العربات الطائرة، واسأل عن وسيلة اخرى مثل الصعود مشياً على الأقدام، على الرغم من ان في ذلك وقتاً أطول وإجهاداً أكبر.

الآن، ماذا تعرف فعلاً عن هذا السور؟ تقول الحقائق التاريخية إن سور الصين العظيم يمتد على الحدود الشمالية والشمالية الغربية للصين (جمهورية الصين الشعبية)، من تشنهوانغتاو على خليج بحر بوهاي (البحر الأصفر) في الشرق إلى منطقة غاوتاي في مقاطعة غانسو في الغرب. وقد تم بناء سور آخر إلى الجنوب، وامتد من منطقة بكين إلى هاندن.

وقد تم بناء أول الأجزاء من السور أثناء عهد حكام «تركيو صبحيو-تشانغو» كان البناء الجديد يسمح لهم بحماية مملكتهم من هجمات الشعوب الشمالية (التركية: من ترك ومنغول وتونغوز- منشوريين)، وخصوصاً «شييونغنو، هيونغ-نو -الهون»، إحدى القبائل من شعب الهون التركي.

قام أحد حكام أسرة «تشين»، وهو «شي هوانغدي» ببناء أغلب أجزاء السور، كان هو أيضاً يخشى الحملات التي كانت تشن من قبل قبائل بدوية من السهوب الشمالية.

وبعد توحيد الصين من قبل «تشين شي هوانغ» (221 ق.م) تسارعت وتيرة بناء السور، انتهت الأعمال سنة 204 ق.م، بعد أن شارك فيها أكثر من 000 .300 شخص. واصلت أسرات «هان» (206 ق.م) ثم «سوي» (589-618م) أعمال البناء. أسهمت أسرة «منغ» (1368-1644م) في مد السور وتدعيمه، كما تم استبدال الأجزاء التي بنيت بالطين، ببناءات من الطوب.

بلغ البناء طوله النهائي (700 .6 كلم) وامتد بموازاة الأنهار المجاورة وتشكلت انحناءاته مع تضاريس الجبال والتلال التي يجتازها. أضيف سور الصين العظيم إلى قائمة التراث العالمي التي حددتها اليونسكو عام 1987.

وقد تم بناء السور من الطين والحجارة، غطى جانبه الشرقي بالطوب. يبلغ عرضه 6 .4 أمتار إلى 1 .9 أمتار في قاعدته (بمعدل 6 أمتار)، يصبح ضيقاً في أعلاه (7 .3م). يتراوح طوله بين 3 و8 أمتار.

وضعت أبراج للحراسة يبلغ طولها الإجمالي 12 متراً كل 200 متر تقريباً. تعتبر الجهة الشرقية من السور والتي تمتد على بضعة مئات من الكيلومترات أحسن الأجزاء المحفوظة، بينما لم تتبقى من الأجزاء الأخرى غير آثار بسيطة.

ويعتبر سور الصين هو المعلم الوحيد الذي بناه الإنسان ويمكن معاينته من الفضاء، كما أن رجل الفضاء الصيني «يانغ لي وي»أكد هذه المقولة. على الرغم من كل الجهود التي بذلها الحكام الصينيون لإنهاء بنائه، لم يقم السور بمهمته المطلوبة في الدفاع عن البلاد ضد هجمات الشعوب البدوية (البرابرة). وحدها الغزاوات التي قام بها أباطرة ملوك «تشنغ»، والذين كانوا ينحدرون بدورهم من أحد هذه الشعوب، سمحت للبلاد بالتخلص من هذه التهديدات.

كشفت دراسة أعدتها مصلحة الدولة للتراث الثقافي التابعة لوزارة الثقافة في الصين بالتعاون مع مكتب الدولة للمسح ورسم الخرائط على مدى عامين أن سور الصين العظيم أطول كثيراً مما كان يعتقد.

ومؤخراً توصل الباحثون إلى أن الجزء المتبقي من السور- الذي بني إبان عهد أسرة مينغ التي حكمت الصين في الفترة من العام 1368 حتى العام 1644- يبلغ طوله وحده 8851 كلم بزيادة قدرها 2551 كلم عما كان معروفاً حتى الآن.

واستخدم الباحثون من هيئات معنية بعلم الخرائط وحماية الآثار، العام الماضي، أنظمة الملاحة العالمية لتحديد المواقع وأجهزة القياس عن بعد، وتكنولوجيات أخرى متطورة لقياس الطول الحقيقي للسور.

ويذكر الباحثون أن أجزاء السور التي بنيت في عهد أسرة مينغ كان طولها يبلغ 6 .6259 كلم وخنادق بطول 7 .359 كلم، وحواجز طبيعية كالجبال والأنهار يبلغ طولها 5 .2232 كلم.

ووفق الدراسة، التي أجريت في نوفمبر العام 2009، يبدأ سور الصين العظيم من هوشان في مقاطعة لياونينغ ويصل إلى ممر جيايو في مقاطعة غانسو، ما يعني أنه يمر بعشر مقاطعات وبلديات ومناطق ذات حكم ذاتي في الشمال.

ويركز الباحثون حالياً على قياس أجزاء السور التي بنيت في عهد أسرتي تشين وهان اللتين حكمتا الصين منذ العام 221 قبل الميلاد حتى العام 220 بعد الميلاد، حيث من المقرر أن تستمر عمليه قياس السور حتى نهاية العام الحالي.

ويشرح مدير مصلحة الدولة للتراث الثقافي شان جيشيانغ أن الهدف من الدراسة وضع خطة شاملة لحماية السور والحفاظ على السجلات والملفات المتعلقة به لأعمال الصيانة. ولفت إلى أن السور مهدد بالانهيار جراء التغير المناخي وأعمال البناء الضخمة في البنى التحتية في الصين.

ويقول المؤرخ زو زيوين المتخصص بدراسة السور إنه يضم أبواباً وخنادق وحواجز طبيعية كالأنهار والجبال استخدمت لتعزيز غرضه الدفاعي. أما القطاع الغربي من السور الذي يقع معظمه في الصحراء فبني القسم الأكبر منه من الرمل والطين، ما يجعله عرضة للتأثر بالتغيرات المناخية والعوامل الطبيعية كالرياح والعواصف.

الآن، وقد بات لديك فكرة تاريخية وتجارية وافية عن منطقة السور، تفقد لياقتك البدنية، واحزم امتعتك الى بكين. طالع النشرة الجوية قبلها، فالتغيرات المناخية التي شهدتها العاصمة الصينية العام الماضي، تنذر أن المناخ قد يكون المعرقل الوحيد لجولة رائعة في السور التاريخي.

بكين - «الحواس الخمس»