لغتها سلاح ذو حدين يقدم الطيب والخبيث

السينما العالمية في مواجهة مقص الرقيب الإماراتي

صورة

منذ ظهور السينما وتحديدا مع عرض الأخوة لوميير لأفلامهم الأولى عام 1895 في مدينة ليون بفرنسا، وهناك من يعترض على الصور المتحركة، بل إن البعض الآخر أبدى تخوفه من التأثير الفوضوي للأفلام على الناس، بخلاف ما ندد به علماء الدين آنذاك عن الشيطان داخل الأجهزة المبتكرة، وطالبوا بحرق آلات العرض والتصوير، ومع تلك البداية ظهرت الرقابة على الأفلام فكل الأشياء تنتج أحيانا من الرحم نفسه أضدادها.

ولأن السينما فن جماهيري ووسيلة لا يمكن قصرها على فئة دون أخرى، وإن كان غالبية روادها من الشباب، لذلك يعتبر نقاد السينما لغتها سلاحا ذا حدين لأنها قادرة على تقديم الطيب والخبيث، فهناك أفلام نافعة تدفع وترفع من قيمة الثقافة والمعرفة، وهناك منها ما هو مؤذٍ ومفسد ويحث على العنف والرذيلة والإباحية ويجب وضع خطوط حمر لتنقيته.وبسبب ذلك التأثير الوجداني العاطفي الذي تملكه السينما كوسيلة اتصال وإعلام وإعلان وتثقيف وأيضا إمتاع وتعليم وتوجيه ودعاية، ظهر جهاز يتتبعها قبل وأثناء وبعد إنتاج مادتها الفنية على الشريط السينمائي عرف بالرقابة السينمائية وإن تعدى في بعض الدول، وخصوصا الإمارات فكرة الرقابة إلى مسمى آخر أكثر توازنا، وهو متابعة المحتوى الإعلامي ـ شكلا ومضمونا ـ بما يواكب الانفتاح على العالم بعد أن أصبح قرية واحدة.ولا يخفى على أحد أن هناك معايير اجتماعية تضعها إدارة متابعة المحتوى الإعلامي، ويتم على أساسها انتقاء الأفلام يعرفها المستوردون وأصحاب صالات العرض، وهي تؤكد أن الرقابة في الإمارات حاليا من أفضل أجهزة الرقابة في المنطقة العربية وفي الخليج تحديدا، فخلال السنوات القليلة الماضية أحدثت تلك المعايير ما يشبه الثورة أو الانقلاب.

حيث إنها لا تمنع كل شيء، ولا تسمح بكل شيء، فمقص الرقيب اليوم في دولة الإمارات في منتهى المرونة ولا يمنع عرض أي فيلم إلا في النادر، وذلك عندما يكون في منتهى الفجاجة، أما حذف المشاهد فيكون في الحدود المعقولة والتي ليس عليها خلاف، وتطبق على اللقطات المكشوفة المباشرة التي لا تليق بمجتمع إسلامي له عاداته وتقاليده.

وعلى الرغم من أهمية الدور الذي تقوم به الرقابة أو الإدارات المنوط عملها بلوائح وقوانين سياسة دولة ما أو عاداتها وتقاليدها وكذلك دينها، إلا أنه لايزال هناك مؤيدون ومعارضون لمن يقومون بهذا الدور، فالبعض يقول إن وظيفتهم سلبية وتحد من حرية التعبير، ويذهب البعض الآخر إلى القول، بأنها ضرورية ومطلوبة لوضع ضوابط تمنع مثلا الطفل الذي يصطحبه والده من دخول أفلام الكبار.

وهو ما يعني لدى البعض تجريد الآباء من مسؤولياتهم الطبيعية، واتهامهم بأنهم يهملون في تربية أولادهم بتركهم يشاهدون أي فيلم، بيد أن هذه الحجج واهية، ولا يمكن أن تقنع هؤلاء الذين يسهرون على الأخلاق والآداب العامة ويحددون من خلال التصنيفات العمرية سن المشاهد وما يجب أن يراه ويتناسب معه، من خلال غربلة ما يجب أن يشاهده حتى لا يحدث لديه خلط للأمور ينتج عنها أفكار مشتتة ومشوشة.

فسينما اليوم ليست فن السهولة ، كما يتصور أغلب الناس، وتنطوي في معظمها على توجهات وتسريبات أحيانا تكون ضارة، غير أن الجمهور في مجموعه ينتظر من السينما أن تسليه وتنسيه همومه ولو لبعض الوقت، فضلا عن أن الميل إلى السهولة شيء لا يمكن مقاومته عند الجمهور.

ولكن ربما كان هذا الميل مجرد عادة، فالأفلام كأي فن آخر في حاجة إلى من يشرحها ويعلمها، لكي يفهم جمهورها ما تريد أن تعطيه، ولكي يحصل من مشاهدتها على أكبر قدر من السعادة الروحية والعقلية، بعيدا عن السلوكيات السيئة لبعض المشاهدين وتجاوزاتهم التي تخرج عن اللياقة والآداب.

ولا يتأتى هذا إلا بفهم الناس لغتها وطرقها وإمكاناتها ورسالتها في عالمنا المفتوح مع تكنولوجيا الانترنت والفضائيات، بل يذهب البعض إلى المطالبة بتعليم السينما في المدارس من أجل خير الجميع.

الحقيقة، إن ما سبق من أفكار ومحاور تناولته جلسة مفتوحة دعت إليها إدارة المحتوى الإعلامي في دبي، جمعت شركات استيراد الأفلام وأصحاب صالات العرض في الإمارات، وخصت به (الحواس الخمس) الذي رصد لقاء هدفه كما قال جمعة عبيد الليم مدير الإدارة: »خدمة الجمهور من أجل مجتمع آمن وسالم«، وفي الصفحات التالية نستعرض ما دار من أحاديث لكل العناصر المتعاملة والمسؤولة عن تداول الأفلام وعرضها بالدولة.

زووم إن

تاريخ الاعتراض على الأفلام

مع تطور صناعة السينما وتحولها إلى مرحلة أكثر نضجا تقدم فيها الرواية والقصة وتعيد تصوير الواقع برؤية خاصة تطورت الاعتراضات، فرأى البعض ـ مثلا ـ أن الأفلام التاريخية غير دقيقة.

كالاعتراض على فيلم »ماري ملكة اسكتلندا« عام 1895 أحد أول الأفلام في تاريخ السينما، واعترض آخرون على فيلم »مصرع دوق دي جيز« عام 1903، وأخذ الاعتراض في الحالة الأخيرة شكل اللجوء للقضاء لمنع عرض الفيلم وكان المبرر في الحالتين هو الضرر الواقع على أفراد نتيجة عدم الدقة التاريخية.

ومن المعروف أن أول ظهور لجهاز الرقابة كان في روسيا القيصرية عام 1908، ثم السويد عام 1911 وبريطانيا عام 1912 وفرنسا عام 1916، حيث كان لكل نظام سياسي مفاهيمه ومحاذيره الرقابية التي تمنح، وتسمح بما يتواءم مع معاييره الدينية والسياسية والأخلاقية وأيضا الآداب والعرف العام.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ظهر أول تشريع للرقابة على الأفلام السينمائية في 1915 واعتبرت المحكمة الدستورية العليا أن أفلام هذه الفترة عبارة عن عمل بسيط ونقي، واقتصرت رخصة الأفلام السينمائية على حقوق الإنتاج والعرض والتوزيع مثل الترخيص لمحلات الخمور والمأكولات.

دبي ـ أسامة عسل

طباعة Email
تعليقات

تعليقات