فرق شاسع بين «أوسكار الشرق» والسينما الأميركية

الدورة 16 لمهرجان السينما المصرية اختيار عشوائي للأفلام وتوقيت العروض

صورة

انتهت قبل أيام فعاليات الدورة السادسة عشرة للمهرجان القومي للسينما المصرية والذي عُرض ضمن فعالياته 24 فيلمًا روائيًا طويلاً، 42 فيلماً روائيًا قصيراً، بالإضافة إلى 10 أفلام تسجيلية تزيد مدتها على 15 دقيقة، 5 أفلام تسجيلية أقل من 15 دقيقة، 28 فيلماً للرسوم ، يمثلون جميعا الإنتاج السينمائي القومي المصري على مدار عام كامل أي ما يوازي نمط مهرجان الأوسكار الأميركي.

وهو أيضا مهرجان قومي للسينما الأميركية، لكن الفرق بين أوسكار هوليوود الشرق وأوسكار الغرب كبير جدًا نحتاج لأكثر من مائة عام قادمة لاستيعاب هذه الفارق الشاسع بينهما...« الحواس الخمس» رصدت المهرجان على مدار أيامه الثمانية وتناول أفلامه بالنقد والتحليل.«حال المهرجان القومي للسينما المصرية في دورته السادسة عشرة لا يسر أحد».. هكذا جاء وصف أحد النقاد المصريين في استعراضه للمهرجان، التي انطلقت فعالياته دون حفل افتتاح لتصبح بذلك مظهرا من مظاهر المهرجان على مدى ثلاث أعوام على التوالي، كما اكتفت إدارة المهرجان بإقامة حفل الختام وتوزيع الجوائز والتكريمات توفيرًا للنفقات، وقد بدأ الحفل باهتًا جدا يكاد يخلو من حضور صناع الفيلم والنجوم إلا القليل منهم.قدم المهرجان القومي عروضًا مفتوحة للجميع، وعادة ما يكون الجذب الجماهيري على فئة الأفلام الروائية الطويلة أضعاف ما تشهده عروض الأفلام الروائية القصيرة والتسجيلية، فالجمهور لا يزال لا يستوعب ماهية وأهمية الفيلم القصير والقيمة الفنية التي من الممكن أن يقدمها من خلال هذه الدقائق القليلة على الشاشة، ومن الواضح أن عدوى هذا الإحساس انتقلت إلى منظمي المهرجان الذين عمدوا تنظيم عروض الأفلام القصيرة والتسجيلية في موعد «ميت» بالنسبة للحضور.

وهو العاشرة صباحًا، فكان الإقبال على مشاهدة هذه النوعية من الأفلام يشهد معاناة عند البعض خصوصًا صُناع الأفلام من الشباب الذين لا يزالوا في مرحلة الدراسة، ويصعب عليهم حضور عروض المهرجان والمشاركة في الندوات التي تخص أفلامهم، وأفلام أصدقائهم في مثل هذا الموعد، ويمتد تهميش دور الفيلم القصير من قلب صناعه أنفسهم مما سنحت لهم الفرصة حضور الندوات ومناقشة الجمهور والنقاد.

فمعظمهم أجمع أن تجاربهم القصيرة هذه ما هي إلا محاولات أولية ومحطة تسبق دائمًا الإقدام على إخراج الفيلم الروائي الطويل، وبعضهم أدار ظهره لمناقشات الجمهور وآراء النقاد واعتبرها وجهات نظر فردية في تلقي العمل الفني لا قيمة لمناقشتها طالما المخرج على اقتناع تام بفيلمه، وليحتفظ الجمهور والنقاد برأيهم لأنفسهم.

هذه كانت السمة الغالبة على معظم الندوات التي أُقيمت بعد عروض الأفلام القصيرة في المهرجان القومي للسينما هذا العام، والملفت للنظر صغر سن المخرجين، فمنهم من يقدم تجربته الأولى أو مشاريع تخرجه أو أعمال ناتجة عن ورشة عمل سينمائية، أي أنها عادة تحمل أخطاء التجربة الأولى، وتظل أعمالا خاضعة للمناقشة وطرح الرأي والرأي الآخر.

أما الجمهور فقد أخذ جرعة لا بأس بها من الصدمات المتتالية للمستوى الفني المتواضع جدًا الذي بدت عليه معظم المشاركات في فئة الأفلام القصيرة والتسجيلية باستثناء بعض التجارب التي غسلت عين المشاهد بجودة اللغة السينمائية العالية، وثبات الأداء التمثيلي، وبراعة المخرجين في التعبير مباشرة عن أفكارهم، وابتكار أشكال متجددة ومختلفة للفيلم القصير، كانت قلة من هذه الأنماط عزاء للبعض.

لكن بما أن المهرجان قومي وليست به لجنة مشاهدة، فهل يحق لإدارته إفساد الذوق العام وتشويه قيمة الفيلم القصير بالعشوائية في اختيار بعض المشاركات التي أقل ما يقال عنها إنها «تهريج» وليست أفلامًا.

وأصبحت العشوائية في الاختيار أحد أهم العناصر المدمرة لترويج ثقافة الفيلم القصير عند المشاهد العادي غير المتخصص أو غير النخبوي وهو العنصر الأول الذي يزعم بعض مخرجي الأفلام القصيرة أنه همهم الشاغل عند صناعة الفيلم القصير بطرح همومه ومشاكله التي يعرض عن مناقشتها أحيانا الأفلام التجارية.

رؤية فنية

«ربيع 89» ومرحلة الانتقال بين الخيال والواقع والصدام الأول بقسوة الحياة.

هناك عدة تجارب حملت رؤية فنية مبتكرة وحسًا فنيًا راقيًا جدًا وموضوعات إنسانية شديدة الخصوصية، منها فيلم «ربيع 89» للمخرجة الشابة أيتن أمين، وهو العمل الثاني لها بعد فيلمها الأول «راجلها»، وتلقي قصة الفيلم الضوء على براءة ومشاغبة فترة المراهقة بين الأصدقاء ومشاعر من الزمن الجميل أطلت علينا من نافذة أحلام كل من سارة وكاميليا فتاتين بعمر المراهقة يعودا بنا عشرين عامًا للوراء أواخر فترة الثمانينات.

حيث برعت المخرجة في رسم الجو العام لهذه الفترة من خلال كل أدوات الفيلم من ملابس وديكور وتفاصيل شديدة الدقة جعلتنا نسترجع عبق هذه الأيام، بل وتنقلنا إليها من خلال ذكريات الفتاتين، وهما زميلتان دراسة تتسابق كل منهما لتعيش واحدة من قصص الحب التي تتصفحها كل يوم في الروايات الرومانسية وتشاهدها مجسدة في الأفلام السينمائية؛ فتحاول سارة إثارة مشاعر كاميليا وتجد متعة كبيرة في رسم ملامح الحزن على وجه صديقتها.

وهي تسرد لها تفاصيل علاقتها مع حبيبها التي نكتشف لاحقًا أنه مجرد أمل مازالت تسعى للحصول عليه، لكن تسبقها إليه كاميليا وهي الأكثر جرأة من صديقتها؛ فتنتزع الحبيب من خيال سارة وتهبط به على أرض الواقع كي تكتشف جمال الإحساس الأول الذي طالما رسمته في خيالها، وظلت تبحث عنه متجسدًا في فارس الأحلام الذي يخذل إحساسها عندما تهبط به على أرض الواقع، وتكتشف أن مشاعرها تسير نحوه في اتجاه أخر.

لوحة فنية هادئة ومشاعر فطرية لفتاتين تكتشفان مسار مشاعرهما، فضول التجربة الأولى والخجل الطفولي ومرحلة الانتقال بين الخيال والواقع والصدام الأول بقسوة الحياة جميعها مراحل متدرجة في حياة الإنسان سواء كان رجلاً أم امرأة، ورغم قسوة الاكتشاف الأول نظل نحتفظ به في مكان ما بالذاكرة.

«ظل راجل» مناظرة حقيقية بين الرجل والمرأة يصعب فيها تغليب أحدهما عن الآخر، أما الفيلم القصير «ظل راجل» للمخرج تامر مهدي، فهو تجربة مبتكرة خلاف ما شاهدناه في عروض الأفلام القصيرة داخل المهرجان هذا العام، الفيلم يميل إلى التجريد، ويقدم لنا موقفًا موضوعيًا في مناظرة بين المرأه والرجل؛ ففي هذا الفيلم يصعب التحيز لعنصر على حساب الآخر؛ فالصورة وحدها كفيلة بنقل مضمون الفيلم حيث استخدم فيها الظلال واللونين الأبيض والأسود للتعبير عن تكامل دور المرأة والرجل، فالاثنان مختلفان ولا يمكن إغفال دور كل منهما في حياة الآخر.

ويستحيل المقارنة بين أفضلية كل منهما؛ لأن الاثنين يمثلان جانبًا واحدًا وهو تكامل الإنسان، عرض المخرج «سيمفونية» مرئية في خلال ثماني دقائق هي مدة عرض الفلم ، جمع فيها بين أشكال الفنون المختلفة، والحركة الأوبرالية، والأداء الجسدي التعبيري للممثلين، وانسيابية الأحداث، والجدية في الأداء الصامت للجميع، طبع على الفيلم روح الأداء التعبيري الأوبرالي.

أما تكوين الكادرات واستخدام الظلال واللعب بالإضاءة جعلت كل مشهد لوحة تشكيلية عميقة الإحساس يمكن أن تنفصل عن السياق العام؛ لتكون وحدها في جانب ما من الذاكرة، كم جمع الفيلم بين انتقالات كادرات السينما داخل وخارج المكان والزمان، ولكن باستخدام أسلوب وخفة الحركة ،يستعرض الفيلم بإسلوب الحكي «الراوي» وبحركات الممثلين الجسدية ألا وجود للرجل دون المرأة والعكس.

ضغط اجتماعي

الأفلام القصيرة تستنكر الضغط الاجتماعي على الأبناء ونتائج التربية القاسية للبنت

جاءت بعض الأفلام في فئة الأفلام القصيرة بموضوعات تجتمع فكرتها على قضية مشتركة باختلاف تناولها، من هذه الأفلام التي عرضت موضوع الضغط الاجتماعي على الأبناء ونتائج التربية القاسية للبنت والمتسيبة للولد، فيلم «قرار إزالة» للمخرج محسن عبدالغني، وفيلم «أحمر باهت» للمخرج محمد حماد، وهما من الأفلام الروائية القصيرة.

ويجسدان الرهبة الاجتماعية التي تترسب في تصرفات بعض البنات نتيجة التربية المغلقة التي تدعي المحافظة من قبل الأهل، ومحاولة سرقة تلك الفتيات لحقهن المشروع في ممارسة طقوس أنوثتهن البسيطة، لكنها رغم بساطتها تعطيهم إحساسًا مختلفًا ،لكن الخوف المختزل لديهن من تربية الأهل العمياء يسيطر على قدرتهن.

ويقهر رغباتهن المشروعة،ظ على عكس ذلك جاء الفيلم التسجيلي «مش عارف»، ليعكس التربية المتسيبة وغياب دور الأهل في حياة بعض الشباب الذكور داخل المجتمع المصري، خصوصًا من الطبقة الفوق متوسطة، فالأفلام الثلاثة ذات مغزى مشابه وهو نتاج مفهوم التربية المتعارف عليه.

عرض أيضًا ضمن هذه الفئة بعض التجارب القصيرة التي حملت طابعًا مختلفًا للفيلم الروائي، والتي مزجت ما بين الروائي وأفلام التحريك، من هذه الأفلام فيلم «عاطف» للمخرج عماد ماهر، وفيلم «تراهن» للمخرج مارك لطفي، وفيلم «زياد سعيد فوزي» للمخرج عصام إسماعيل، وهو أسلوب ميز هذه الأعمال عن غيرها وأضفى عليها حسًا فكاهيًا وخيالياً.

ومن ضمن الأفلام ذات المعنى المشترك فيلمي «فرشة وألوان» للمخرج الزمخشري عبد الله، «8 صباحًا» للمخرج يحيى خليدي، يقدم الفيلمان رحلة الإنسان في البحث عن مشاعر الحب المطلق، وحب الحياة بشكل عام، ومحاولة تجميل الواقع ومعايشته بكل ما فيه من مآسٍ.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات