أجمل ما في الأماكن الذكريات.. عندما نعود لتلك الأماكن، يمر بنا شريط الذكريات ونعيش في أجوائها، وتتفاعل مع ذلك حواسنا الخمس، حتى إننا نبدأ بشم روائح العطور التي كانت ضمن تلك الأيام الخوالي، نتذكر الضحكات، والغضب الطفولي والمشاكسات، نتذكر جميع الأحداث وأدق التفاصيل، فنحمل الكثير من الحب لهذه الأماكن.
ليس لذاتها، وإنما لما تحمله من ذكريات جميلة. «الحواس الخمس» ينبش ذاكرة بعض المشاركين الذين أبحروا بسفينة ذكرياتهم مجدداً نحو هاتيك الأماكن.. فينيسيا الشارقة: نوال عبدالكريم آل علي، تقول: على الرغم من إقامتي في مدينة العين، إلا أني أعشق إمارة الشارقة كثيراً، وخصوصاً قناة القصباء، لأن لي فيها الكثير من الذكريات التي جمعتني مع صديقاتي وزميلاتي أيام وجودي في السكن، إثر دراستي في جامعة الشارقة. مضيفة: نعم أحببت القصباء كثيراً، فهي أحد أهم المعالم السياحية والحضارية في الشارقة الباسمة، كما تشكل تحفة معمارية تقدم إضافة نوعية لبانوراما المباني التراثية الإسلامية التي تتميز بها مدينة الشارقة، مضيفة أن القصباء تعتبر فينيسيا الشارقة.حيث تطل على مناظر طبيعية خلابة تربط بحيرة خالد بقرية الخان. وتردف نوال: كثيرة هي المواقف التي حدثت مع صديقاتي أثناء وجودنا في مطاعم القصباء، لنتفاجأ أحياناً بأننا مفلسات، وغير ذلك من جلساتنا في مقاهي القصباء لنشرب قهوتنا مبكراً جداً، ونحن نهمس ونحاول ألا ننام على الطاولة.
أسعد الناس أما لمياء محمد، فتبدي رأيها في الموضوع قائلة: كنت دائماً أقول إن أسعد الناس هم هؤلاء الذين يملكون رصيداً كبيراً من الذكريات، فحينما تغرب الأشياء وتتوقف أنفاس الزمن حولنا، ونشعر بغربة بين الناس وتتراجع الأضواء والمشاعر حولنا.نشعر بأن ذكرياتنا هي الشيء الوحيد الذي يؤنس وحدتنا، وفي أحيان كثيرة يصبح الإنسان كالسفينة يبدد أيامه ورصيد عمره في كل مكان ويحرق كل السفن ولا يصل إلى الشاطئ. باقة ذكريات وتوضح فاطمة المازم أن أجمل ذكرياتها كانت في ولادتها ونشأتها لسنوات في دولة الكويت الشقيقة، موضوحة في قولها: نعم إنها ذكريات «الماضي»..الماضي الجميل بمبانيه واسواره، وشوارع الكويت القديمة، وساحاتها الرائعة ومقاهيها، ومستشفياتها، كلها لاتزال في خيال الذكرى وتخيل الذكريات.ومن جانب آخر كانت بعض النسوة يجلسن في زوايا الأحياء (الفرجان) وأمامهن قدر كبيرة ملفوفة بقطعة من الخيش للمحافظة على حرارتها، يجلس بعض المارة ليشتري حلة «باجلا» تضعه في وعاء يسمى البادية، ويعتبر أيضاً إفطاراً يومياً لأهل الحي.
أماكن في الأعماق
أما علياء الطنيجي فتقول: ما أجمل أن نختار نحن المكان، وما أقسى أن نجبر ونرغم عليه، عندها تصبح الدقائق بلا طعمٍ أو رائحة، ولا نجد أمامنا سوى الانتظار رفيقاً والصبر صديقاً والدموع ملاذاً من قسوة الأقدار، مضيفة: كثيرة هي الأماكن الباقية في أعماق ذاكرة لا تنسى، ولكن قبل هذا علينا اختيار الشخص الذي يشاطرنا المكان، فالإنسان والمكان لا ينفصلان وكلاهما يعطي من صفاته للآخر.
مذاقات الحياة تتنوع باختلاف الأمكنة
تقول الكاتبة الروائية، أحلام مستغانمي، في كتابها الأخير «نسيان.Com»: الذكريات هي هويتنا الأخرى التي نخفي حقيقتها عن الآخرين، حتى إنّ الكاتب يطلق شعاراً جديداً «قل لي ماذا تتذكّر..
أقل لك من أنت» وهو أصدق شعار نفسيّ قرأته. جرّبوا هذه اللعبة تعرّفوا إلى أنفسكم من خلال سؤالكم: ماذا تتذكّرون بالضبط، أيّة ذكريات نجت من النسيان خلال عبوركم متاهات العمر. أيّ ذكريات لا تفارقكم.
ويقول أحد التعليقات حول الأماكن في كتابها «فوضى الحواس»: أحياناً يجب على الأماكن أن تُغير أسماءها كي تطابق ما أصبحنا عليه بعدها ولا تستفزنا بالذاكرة المضادة.
كثيرة هي الأماكن التي تقبع ذكراها الجميلة أو الأليمة في مخزوننا العقلي، وعندما يسترجع شريطه بين حين وآخر، لاسيما إن مررنا على تلك الأماكن، نمر بحالات مختلفة؛ ربما نتألم، نضحك، ونبكي.
وكلما تنوعت مذاقات المكان تنوعت أيضاً صفاته، وسماته؛ فنجد مكاناً حزيناً ومكاناً سعيداً، ومكاناً مشرقاً، وآخر كئيباً، وهناك ما هو أليف وما هو موحش، وما هو جميل، وما يفزعنا ببشاعته.
نعم..هي أماكن كثيرة ومتنوعة، يستعيد الإنسان معها عمراَ كاملاً بكل الأحلام فيه والآلام، بكل انتصاراته وهزائمه وانكساراته.. كأن الزمان توقف بنا عند هذه اللحظة التي أودعناها سرنا وعمرنا الجميل..
ولا نبالغ إن أوضحنا بأن ذاكرتنا تتحول لألبوم يحتوي مشاعر شتى، شكلتها الروح والأعماق.. واحتضنتها تكتلات من التنويعات التي كانت تصنع من وجودنا نتاجاً رائعاً، وسحرياً، وفريداً.
يقول البعض ممن لهم مخزون كبير من الذكرى إزاء مكان من الأماكن: «إن المكان الذي تحتفظ به ذاكرتنا لابد أن يكون له لون أو طعم أو رائحه أو صفة، أما الأماكن التي نمر عليها خلال حياتنا وتفتقد اللون والرائحة والطعم والصفة، لا تستحق أن نبقيها في حنايا الذاكرة، لأنها بلا حياة ولم نشعر فيها بالحياة..
وحينما يترك الأحبة آثارهم في المكان توقظ جروح الشوق للعابر من حولها أو لمن يبحث عن رائحة الراحلين وذكرياتهم، عندها يقبل المكان ويسلي المُحب نفسه بما تبقى».
آخر الهمس: «ما هو شعورك عند مرورك بأماكن شهدت تلك اللحظات السعيدة، وبعضها أليمة، وأخرى فقدت الطعم، فغدت لا تسمن ولا تغني من جوع؟!».
دبي - جميلة إسماعيل


