ظلت بنطلونات الجينز المصنوعة من قماش «الدنيم» القطني المتين، لفترة طويلة، مرتبطة بالحرفيين والعمال أو الأشخاص الذين لا يكترثون بالأناقة أو من المتمردين عليها، لكن شتان بين الأمس واليوم، فهو الآن قطعة أساسية في خزانة كل إمرأة عصرية ترتديها في كل الأوقات والمناسبات، بما فيها مناسبات المساء والسهرة.
وأكبر دليل أنها أصبحت رمزاً للأناقة المترفة بأسعارها التي تتباين بين ال100 وال200 درهم، وتصل أحياناً إلى 500 درهم، حسب القماش والتطريزات.والطريف أن المرأة الشابة، في خضم هذا الإقبال المحموم على هذه القطعة، لا تعرف أنها محظوظة جداً مقارنة بجدتها، إذ انه لم يكن يليق بأية أنيقة، أو بالأحرى بنت أصول، في بداية القرن الماضي، وبالتالي كانت جدتها محرومة منه على الرغم مما عرفته تلك الحقبة من انفراجات تحرر وانفتاح فيما يخص الأزياء.البداية كانت عندما اشترى جاكوب ديفيز، وهو خياط أميركي في العام 1872، شحنة من قماش الجينز الأزرق ووضع تصميماً جديداً للبنطلونات بوضع مسامير معدنية صغيرة في أماكن محددة في زوايا الجيوب، ولأنه لم يكن يملك المال الكافي لتسجيل براءة اختراع هذا التصميم لجأ الى خياط آخر يدعى «استراوس» وطلب منه مشاركته ودعمه بالمال الكافي مقابل وضع اسمه معه، وهو ما حدث.وكانت المفاجأة أن المجموعة المطروحة لاقت إقبالاً واسعاً من قبل عمال المناجم لأن خامته الخشنة كانت مناسبة جداً لعملهم، وبالتالي ظل مرتبطاً بهم لفترة طويلة، وكان من المستحيل أن تتجرأ أي امرأة، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها.
أن ترتديه حتى العام 1935 حين نشرت مجلة «فوج» الأميركية تصميمات نسائية صنعت من قماش الجينز، ليبدأ إقبال النساء على هذه النوعية من البنطلونات، وزادت شعبيتها بعد ان لبسته الراحلة مارلين مونرو في أحد أفلامها، ليتحول من العملية إلى الأنوثة.
وحالياً أصبح من الممكن ارتداؤه في كل أوقات النهار حتى في مناسبات المساء والسهرة بعد ان كان قاصراً على أوقات الصباح وبعد الظهيرة، لكنه شهد قمة الإقبال عليه في العقد الأخير، إذ أصبح شبه قطعة كلاسيكية لا تستغني عنها المرأة، لا سيما بعد أن أصبحت مقبولة رسمياً في أماكن العمل والسهرات على حد سواء، ولا شك ان إقبال النجمات الشابات عليه وظهورهن فيه في مناسبات افتتاح الأفلام والحفلات مع قميص مبتكر أدخله مناسبات المساء من أوسع الأبواب.
جمالياته تكمن في أن تنسيقه سهل، إضافة إلى انه يمنح حرية حركة، واختياره ليس بتعقيد اختيار فستان سهرة. بيد أن القاعدة الذهبية فيه عدم التسرع في شرائه أو الجري وراء ماركة أو تصميم معين فقط لأنه طرح جديداً، بل يجب اختياره على أساس انه استثمار طويل المدى، وبالتالي يحتاج إلى وقت طويل إلى حين الحصول على التصميم المناسب لشكل الجسم.
فكما تعرف كل امرأة ليست كل التصميمات تناسبها. فلكل ماركة وشركة مزايا فيما يتعلق بمقاسات ومقاييس معينة، ومساوئ في ما يتعلق بأخرى، وبالتالي ما يناسب صديقتك ذات الشكل الكمثري لا يناسب جسمك ذا شكل التفاحة وهكذا.
النقطة الأخرى التي يجب أخذها في عين الاعتبار، خصوصاً إذا كانت النية استعماله في الحفلات تخصيص ميزانية محترمة له حتى يكون بالمستوى اللائق، وتذكري أنك مهما صرفت عليه، فإن ثمنه فيه لأن واحداً يكفي للقيام بعدة وظائف والتألق في عدة مناسبات، ويبقى عليك فقط تغيير «التوب» أو القميصول أو القميص أو الكنزة، وطبعاً الاكسسوارات للحصول على إطلالة متجددة وجديدة كل مرة.
يقول سكوت موريسون، مصمم جينز في محل «آت أن إيرنست كات أند سو»، بأنه «ليست هناك قطعة أجمل ولا أكثر إثارة من بنطلون جينز عندما يلبس بطريقة فيها أنوثة من قبل امرأة مرتاحة مع نفسها بغض النظر عن التصميم أو الماركة».
وربما هذا يجعل نساء مثل كايت موس وسيينا ميللر أو هيلينا كريستنسن، يبدون رائعات في أي شيء يلبسنه ويسوقنه لنا، سواء كان مناسباً أم لا، لأن الصورة التي نراها هي صورة امرأة جذابة شكلاً وواثقة بشكل يمكن ان يقنعنا ويبيعنا أي شيء.
مصمم الأزياء التونسي الشهير «سوشا»، الذي وصل به عشقه لهذا القماش إلى تصميمه فستان زفاف منه، أكد أن الجينز بتصميماته المختلفة يناسب كل الأوقات وكل امرأة حتى لو كانت سمينة أو ممتلئة بشرط ان تختار ما يناسبها منه من حيث القصات.
ومن تاريخ الجينز وانتشاره الواسع وأنواعه المتعددة؛ فإن اللون الأزرق منه لايزال هو الغالب والأكثر استخداماً، وعلى الرغم من كل ميزاته التي ذكرناها، والتي فرضته عالميا، فإن صناعة الجينز تعد من أسوأ صناعات الأزياء التي تؤثر في الجانب البيئي، لأنها تمر بعدة مراحل تدخل فيها مواد كيميائية مختلفة، خصوصاً في مرحلة الدباغة.
وفى السياق اعترف الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه رجل لا يساير الموضة في ملابسه وخصوصاً البنطلونات الجينز التي يفضلها من النوع الواسع الفضفاض وهو نوع ينظر إليه المجتمع الأميركي الآن باعتباره طرازاً قديماً وعتيقاً من الملابس. وكان أوباما قد تعرض لانتقادات واسعة بسبب ظهوره في الكثير من المناسبات الرياضية وهو يرتدي الجينز الواسع.
وجاء اعتراف أوباما هذا في برنامج (The Today Show) وهو واحد من برامج التوك شو والبرامج الأخبارية الأميركية الصباحية، وكان الصحافي الأميركي الشهير ميريديث فييرا قد وجه إليه خلال البرنامج انتقاداً لاذعاً عندما قال له: أنت متزوج من واحدة من أكثر نساء العالم شياكة ومسايرة للموضة، فيكف لك أن ترتدي مثل هذا النوع من الملابس.
وكانت إجابة أوباما أنه يعلم أنه رث الهيئة من حيث الملبس على عكس زوجته التي تبدو في غاية في الشياكة. لكنه أشار إلى أنه وحتى وقت قريب لم يكن يملك سوى أربع بدلات.
وقال الرئيس الأميركي إن مشكلته تكمن في أنه يكره التسوق، كما أنه يرى في هذا النوع من البنطلونات الجينز الراحة الكافية، وأنه يعتذر للشباب لأنه ليس بالرجل الذي يرتدي البنطلونات الضيقة، من جانب آخر أظهر استطلاع حديث حول عادات ارتداء الألبسة في العالم أن الجينز، يعد من أهم قطع الملابس في العالم في يومنا هذا، كما أصبح إحدى القطع الأساسية في خزائن الملابس، متفوقاً على جميع خطوط الموضة خلال السنوات ال60 الماضية.
وأوضح الاستطلاع الذي أجرته محلات نيولوك في بريطانيا، أن الجينز الضيق المطابق تماماً لقياس الجسم والمعروف باسم سكيني جينز لايزال يتصدر خطوط الموضة.
وبين الاستطلاع الذي أجري على 2000 زبون في كل أنحاء الشرق الأوسط أن 50 في المائة من المشاركين اختاروا الجينز الذي تم اختراعه وتصميمه في العام 1873 للعمال، كالصيحة الحالية.
وحول انتشار الجينز في دول الخليج العربي قال الاستطلاع إن الجينز لايزال يحافظ على أولوية متقدمة في بيئة يلقى فيها اللباس التقليدي المتمثل بالجلابية البيضاء رواجاً كبيراً.
وأظهر الاستطلاع، أن ثلث المولعين بالموضة في دول الخليج يمتلكون على الأقل 15 جينزاً، في حين قال 84 في المائة منهم إنه يجد صعوبة في إيجاد جينز جيد.
دبي ـ رشا عبدالمنعم

