تشهد السينما المصرية حضوراً قوياً للفنانات غير المصريات على اختلاف جنسياتهن، بعضهن يمتلكن الموهبة، وأخريات يهدفن إلى الشهرة والانتشار فقط، وفي كلتا الحالتين يتم الربط بين هذا التواجد والحضور القوي لهؤلاء الفنانات، وقبولهن الأدوار الجريئة التي ترفضها الممثلات المصريات، إلا أن تسربهن خلال الفترة الفائتة رويداً رويداً إلى الأدوار المختلفة بعيداً عن الإغراء والمشاهد الساخنة.

وأدائهن الجيد المتفوق على كثير من المصريات أحيانًا، قلَّل من أهمية المبرر السابق، بل أعاد طرح السؤال من جديد حول أسباب تزايد انتشار الفنانات غير المصريات على مستوى السينما؛ حيث لم يعد يخلو فيلم من إحداهن، كما لم يقتصر الأمر على اللبنانيات، والسوريات، بل دخلت جنسيات أخرى ملاعب النجمات المصريات، مثل فنانات من الجزائر، المغرب، تونس، والأردن..فهل هناك غِيرة من قبل المصريات من نجمات العرب؟ وهل لبطالتهن دور في هذا الجدل؟ أم أنها أسباب سياسية ترتدي ثوب الفن؟.. أسباب نتعرف إليها من خلال رؤية حقيقية لمشاركة الممثلات العرب في الفن المصري.كانت نقابة المهن التمثيلية في مصر قد أصدرت قبل عامين قراراً بعدم اشتراك أي فنان غير مصري في أي عمل من دون تصريح من النقابة، وكان يتم التصديق لهم بشروط صعبة، وهو القرار الذي أدى أيضًا إلى غضب الفنانين والفنانات العرب؛ حيث جاءت الآراء بين تأييد مصري ومعارضة عربية، لكن صار هذا القرار حاليًا، كأن لم يكن.وفُتحت السينما والدراما التلفزيونية على آخرها أمام الجميع دون النظر إلى مصري أو غيره، وهذا ما يؤكده وجود هذا الكم من النجمات العرب في القاهرة بالغناء والتمثيل، مثل «مريام فارس، مادلين طبر، هيفاء وهبي، مايا نصري، سُلاف فواخرجي، دوللي شاهين، نور، نيكول سابا، سيرين عبدالنور، رولا سعد، جومانا مراد، كارول سماحة، ميس حمدان، ساندي التونسية.

سارة بسام الجزائرية، سناء موزيان المغربية، درة التونسية، هند صبري، ديانا كرازون، سوزان نجم الدين، مادلين مطر، ريم صابوني، نسرين طافش الجزائرية»، وغيرهن في الطريق إلى التمثيل.

تعامل جواز السفر

بعض النقاد المصريين من جانبهم انتقدوا الهجوم الذي تتعرض له الفنانات العرب من حين لآخر، واعتبروا وجودهن ظاهرة إيجابية، وطالبوا التعامل مع الفنان ليس كجواز سفر، بل كفنان؛ لأنه ليس للفن وطن، بالإضافة إلى أن الجهات المنتجة أدركت أن الأسواق العربية تُشكل أهمية كبيرة في ظل الإنتاج المكثف الذي لا تستطيع أن تستوعبه السوق المحلية وحدها.

من هنا انعكس الأمر إيجابيًا على توزيع الفيلم أو المسلسل على الفضائيات، ودور العرض السينمائية العربية، وأكد النقاد استمرار استخدام فنانات الدول العربية في الأدوار الجريئة، لكن الكثير منهن يرفضن حاليًا المشاهد الساخنة، بعد أن ثبتن أقدامهن؛ لإدراكهن أنه لا احتياج إلى الجسد بعد أن فرضن أسماءهن على الساحة الفنية المصرية.

وحدة عربية

الناقد مصطفى علي، أكد أن عمل فنانات غير مصريات في السينما المصرية ليس أزمة، فقد يفتعل بعض الحاقدين المشكلة تجاه هذه النجاحات التي قدَّمها العرب لدينا عبر عقود طويلة.. مشيراً إلى أن هؤلاء الفنانات جئن إلى مصر بفنهن الراقي، وموهبتهن الفطرية، وبالتدريج استطعن الاندماج في المجتمع، بل تزوجوا بمصريين، وحصلن على الجنسية مثل «هند صبري»..

وأضاف أن نجاحهن حمَّس بعض المصريين للعمل في الدراما، والسينمات العربية سواء في سوريا، لبنان، الكويت، أم الإمارات، وهذا تبادل مشروع بين أطراف شعب واحد، فنحن العرب نمتلك من المقومات ما لا تمتلكه كل شعوب العالم، فاللغة واحدة، والطبائع والتقاليد واحدة، فلا بد إذًا من استثمار هذه المقومات للخروج بفنٍ رائعٍ، وتعجب الناقد قائلاً: «طوال حياتنا ونحن ندعو إلى الوحدة العربية، وعندما يبدو منها جانب مضيء نحاول محوه!».

أضاف: «إن بعض الدول العربية أخرجت نماذج ممتازة لا يوجد مثلها، ومن الصعب إيجادها في مصر، مثل ظاهرة «الرحبانية» في الموسيقى والغناء، إضافة إلى «أسمهان، فريد الأطرش، وديع الصافي، صباح، فايزة أحمد، نازك»، كما أن علينا أن ندرك أن السينما المصرية تُعاني نقصًا حادًا في عدد نجماتها.

وأننا نحتاج إلى وجوهٍ جديدة، فهذا النقص الحاد في صاحبات «الكاريزما» من أبرز العوامل التي أسهمت في وجود العرب بكثرة، فالاستغناء عن الفنانة العربية لن يحل أزمة البطالة لدى نجماتنا، لكن علينا توسيع قاعدة الإنتاج، ودراسة تجارب الآخرين، والاستفادة من نقاط القوة لدينا كعرب».

اتساع رقعة الاختيار

وهناك إشارة إلى صحوة فنية في السينما، يشير إليها الناقد د. عبد المنعم تلّيمة، وهذا ما يُعزز وجود الفنانات غير المصريات بشكلٍ كبيرٍ، فقد أصبحت السينما في حاجة إلى مزيد من الوجوه، وبلد عربي واحد لا يكفي لضخ دماءٍ جديدة، فلا بد من اتساع رقعة الاختيار، كما أنه على مدار التاريخ السينمائي ما يعزز فكرة التفوق النسائي من غير المصريات، بعكس تفوق الرجال المصريين على العرب في مجال السينما..

مشيرًا إلى أن السينما المصرية لا تستطيع أن تمنع مشاركة العرب سواء فنانات أم فنانين، فنحن نُكمِّل بعضنا البعض، ففي أربعينات القرن الفائت لم نكن نعرف التفريق بين ممثل مصري وآخر عربي، ولا نضع في أذهاننا ذلك؛ نظرًا لأننا كنا نشعر أننا واحد.

وهناك عامل آخر مهم هو قدرة الفنانة غير المصرية على التأقلم مع المجتمع المصري بسرعة، والاندماج في تكوينه بسهولة، فهن أكثر ترحالاً منا نحن المصريات، خاصة اللبنانيات.

وقد نفى تلّيمة أن يكون ارتفاع أسعار الأجور لبعض الفنانات سببًا في هذه الموجة، قائلاً: «قلائل فقط هم أصحاب الأجور الكبيرة أمثال «عادل إمام»، أو «نجوم شباك» الجدد أمثال «محمد سعد، محمد هنيدي، أحمد السقا»، وقديمًا عندما تقاضت «ليلى مراد» 12 ألف جنيه عن فيلم «شاطئ الغرام» انقلبت الدنيا، فقد كانت السينما مصدر الدخل الثاني لمصر بعد القطن».

مفتوح للتعدد

من جانبه، رفض الناقد طارق الشناوي إطلاق مسمى «احتلال» على زيادة عدد الفنانات العربيات في السينما المصرية في الفترة الأخيرة، وقال: «إن هذا المصطلح حربي في المقام الأول؛ لذا لا بد أن نتعقَّل فيما نقول، فلو استعانت السينما في أي دولة أوروبية بفنان مصري لن يقولوا في أوروبا إن هناك غزوًا مصريًا للسينما الغربية، فالعمل الفني مفتوح للتعدد، أما سؤال من أين جاء هذا الفنان؟ أو ما جنسيته؟ أمر غير مطروح في الفن على الإطلاق».

وأضاف: «لقد استطاع بعض الفنانين العرب القيام بأدوار مصرية لم يستطع إتقانها مصري الأصل، فحينما يقوم «جمال سليمان» بعمل دور صعيدي في مسلسل «حدائق الشيطان»، وينال كل الإعجاب من قِبل النقاد، كذلك عند قيام «سلاف فواخرجي» بدور «أسمهان» بهذه البراعة، فهذا يعني أن الدول العربية لديها مواهب تتفوق أحيانًا على مواهب مصر، وهذا ليس عيبًا، لكن ما يعيب فقط هو التدني في الأداء الفني»..

مشيرًا إلى ضرورة العمل على تدعيم نجاحات العرب؛ لأن ذلك يصبُّ في مصلحة المصريين من الجمهور، كما يدعم روح المنافسة، وإثراء فن السينما العريق، ولنترك كل هذه الأقاويل الفارغة جانبًا، فلا فائدة من ورائها لأحد.

أجور المصريات تدفع المنتجين للاستعانة بالعربيات

يرى الناقد عصام زكريا أن الأسباب في ذلك ترجع إلى ارتفاع أسعار النجمات المصريات بصورة مبالغ فيها، ما يدفع المنتج إلى التفكير في الاستعانة بوجوه مصرية جديدة تتقبَّل أجرًا متوسطًا، إلا أن ذلك يُعد مغامرة؛ لذا يُقدِم المنتجون على الاستعانة بفنانات عربيات يقبلن أي دور بأسعار متوسطة أيضًا، إضافة إلى امتلاكهن «الكاريزما» المطلوبة للنجاح.

مضيفًا أن الاستعانة بفنانة غير مصرية ليس جديداً على السينما المصرية، فمنذ نشأتها كان للعرب دور كبير في صناعة السينما، إضافة إلى الغناء، الموسيقى، والصحافة؛ لذا لا بد من إعطائهن المكانة الحقيقية، ويجب الابتعاد عن نظرة التعصب التي لا مبرر لها..

مشيرًا إلى أن نجاح الفيلم لن يتوقف على بطلته، مصرية كانت أو غير مصرية، لكن بمدى التمكُّن من الأداء، فمثلاً الفنانة اللبنانية «نور» هي صاحبة أكبر كمٍّ من الجوائز والإشادات، على الرغم من انتقاد الكثيرين لها بمجرد قدومها إلى مصر.

إضافة إلى «هند صبري» التي تتمتع بإجماع مصري كبير على موهبتها، وهناك مَن يأتي قريبًا في بؤرة الاهتمام مثل «جومانا مراد»، و«نيكول سابا»، خاصة بعد عدم اشتراطها الغناء في الأفلام.

من جانبه، قال السيناريست محفوظ عبدالرحمن: «إن الموهبة ليس لها علاقة بجنسية»، وأضاف أن هناك عددًا كبيرًا من نجوم التمثيل في الوطن العربي أقل ما يمكن أن يوصفوا به هو الروعة، فمثلاً دولة الكويت تضم «حياة الفهد»، و«سعاد عبدالله».

كذلك في الإمارات الفنان «أحمد الجاسمي»؛ لذلك فالسينما المصرية ليست - ولن تكون - مُحرَّمة على العرب، فالتواصل يتم رغم «أنف» الحاقدين، والموهبة تمر سواء من مصر إلى العرب، أم من العرب إلى مصر..

مشيرًا إلى أن أي مخرج أو منتج يحتاج إلى ممثل يحاول الحصول عليه سواء جاء من العرب أم من أوروبا، إذا لم يجد مطلبه في مصر، فالمهم أن يكون الاختيار صحيحًا، ومبنيًا على أسس فنية.