لا يمكن الشعور بالوقت من دون ساعة، ولأن هذا الشعور ضبابي جدا؛ فلقد استخدمت جميع أنواع الأدوات منذ العصور السحيقة لحساب الوقت، كالمزولة مثلاً والتي تقسم المناطق المشمسة للنهار إلى أجزاء فتعطيها فكرة واضحة عن وقت حلول المساء، أو الساعة الرملية التي يستخدمونها ليلاً.
حيث يبقى أحدهم مستيقظا لوقت طويل ليقلبها، في الأوقات العصيبة والأزمات نحتاج إلى ما يغني حياتنا ويضفي عليها بعض البريق والأمل، وليس هناك بالطبع ما هو أفضل لرفع المعنويات من المجوهرات والساعات التي أصبحت مصممة على شكل قطع مجوهرات، لكي تقوم بهذه المهمة على أحسن وجه، لاسيما أن فكرة الاستثمار فيها تخفف من عقدة الذنب عند شرائها.الرأي نفسه كرره العديد من رؤساء دور الماركات المرموقة في مجال الساعات، الذين شدّدوا أيضاً على أنهم يحتمون من شظايا الأزمة بإرثهم العريق، واحترامهم للزمن، مثل ستيفين فورسي المؤسس المشارك لشركة غروبل فورسي للساعات الذي قال «إنه رغم الأزمة، لم تتأثر غروبل فورسي كثيراً.لأن منتجاتها موجهة إلى نخبة كلاسيكية الذوق ومقتدرة مالياً من الزبائن من جهة، ولأنهاـ كدار صانعة ـ تحترم القيم القديمة، ولا تجري لاهثة وراء آخر صيحات الموضة؛ مما يجعلها إلى حد ما، بمنأى عن الأزمة.ويضيف فورسي: المقصود هنا أن الموضة قد تتأثر، لكن سوق الساعات الفاخرة، التي يقدّر سعرها بآلاف الدولارات، وأحياناً بالملايين، لها سوقها الخاصة، وهواتها وزبائنها الذين قد تجعلهم الأزمة الراهنة يفكّرون قبل شراء أي قطعة، لكنهم حتماً لن يحجموا عن ذلك، لاسيما أن هذه الساعات تعتبر بالنسبة لهم تحفاً واستثمارات على المدى البعيد. ومع هذا، يبدو أن للأرقام رأياً مغايراً، حيث جاءت لتعكس تفاؤل صناع الساعات.
ومما لا شك فيه أن نسبة المبيعات تراجعت في بداية العام الجديد بشكل ملحوظ، وهذا يعني أن الوقت عصيب، حتى بالنسبة للمنتجات المترفة، وإنْ كان الأمل يبقى قوياً في أنها ستستعيد عافيتها بسرعة كبيرة بالمقارنة مع غيرها من السلع، أن عالم الساعات الميكانيكية الفخمة، كغيره، غابة لا يستمر فيها الضعيف طويلا، وتحتاج إلى باع طويل وقدرات استثنائية للتطوير. وهذا ما يفسر ذلك الزخم من الإبداعات المدهشة، والمثيرة في تقنياتها وتنوعها.
وفى معرض حديثه عن الساعات الساعات الميكانيكية يقول فورسي: لا يزال الوقت هو الهاجس الذي لازم الإنسان منذ نشأته الأولى، ورافقه في شتى العصور والمراحل التي مر بها، واستمر معه حتى وقتنا الحاضر، فكل حركة له ارتبطت بالوقت، الأكل، الشرب، النوم، العمل.
وحتى اللعب واللهو والمرح والرياضة، ومع تطور الحياة وتقدمها وتشابكها، تزداد الحاجة إلى ضبط الوقت ومعرفته، ليس بالساعات فقط، بل بالدقائق والثواني، منذ البدايات الأولى كان لزاماً على الإنسان اتباع وسيلة لتحديد أوقاته وتنظيم شؤون حياته. مضيفاً أن الساعات الميكانيكية تزين سواعد الأثرياء وتثير فضول الخبراء دائماً.
ومن جانب آخر ظهرت لأول مرة في أوروبا منذ نحو 700 سنة وكانت تلك الساعات تستخدم أوزانا هابطة وصاعدة لتحديد الوقت المنقضي وذلك بإدارة أحد التروس الذي يستمر في الحركة حتى يطلق رنين الجرس وعندما كان رجال الدين أو الرهبان يسمعون رنين الجرس كانوا يدركون انه حان وقت التجمع لأداء الصلاة.
والساعات الميكانيكية أو الآلية شأنها في ذلك شأن الساعات المائية أو الرملية تقيس الساعات التي تمضي إلا أن أقدم الساعات الميكانيكية لم تكن تذكر الوقت كما هو الحال الآن، فلم يكن بها عقارب أو قرص وإنما كانت تطلق إشارة ما عندما تمر ساعة كاملة وحتى هذا لم تكن تلك الساعات تفعله بدقة، إذ كان إصدار تلك الإشارات كثيراً ما يتخلف نحو خمس عشرة دقيقة كل يوم.
وحول سر تعلقه بصناعة وتطوير تقنيات الساعات الميكانيكية يؤكد فورسي انه كان دائم الشغف بالعالم الهندسة والتقنيات ولكنه يميل ايضا للفنون والثقافة، خاصة انه كان يساعد في الماضي جده وأباه في إصلاح السيارات الفارهة التي تمتلكها العائلة وتعود إلى العشرينات والثلاثينات من هذا القرن.
ولكن زيارة واحدة إلى محل صديق أبيه الخاص بالساعات القديمة (الأنتيك) جعله يدرك انه يعيش في عالم مفعم بالحياة والفن، ومنه بدأت رحلته التي بدأها بدراسة صناعة الساعات الميكانيكية في بريطانيا، وفي العام 1992، انتقل ستيفن إلى سويسرا للانضمام إلى فريق روبرت غروبل لدى دار تصميم الساعات السويسرية المرموقة أوديمار بياجيه.
حيث عمل على تطوير عدد من الحركات التقنية المعقدة المستخدمة في الساعات الحديثة، ومن ثم قرر قرر ستيفن عام 1999متابعة مسيرته المهنية في مجال تطوير وابتكار الساعات بشكل مستقبل، وأدرك حينها هو وروبرت غروبل تشاركهما بالرؤية ذاتها والإمكانيات الهائلة غير المستغلة لابتكار والآليات والحركات الجديدة في مجال تصميم وتطوير الساعات الفخمة والعريقة، وفي العام 2004.
وتحديداً خلال فعاليات معرض بيزورلد، أطلقا شركتهما الجديدة تحت اسم غروبل فورسي، وأعلنا عن أول اختراعاتهما التي تمثلت في آلية التوربيلون المضاعفة التي حازت براءة اختراع خاصة بساعات اليد.
ويتفق فورسي مع صناع الساعات الميكانيكية على أن جنيف هي حاضرةُ صناعة الساعات الفخمة في العالم، وهي الوجهة العالمية الأولى للاستثمار في الساعات الفخمة. إذ انطلقت صناعة الساعات المعصميّة والجدارية السويسرية في جنيف في القرن السادس عشر.
عندما أدَّت الإصلاحات الكلفينية إلى حظر ارتداء المجوهرات، الأمر الذي حدا بالصَّاغة وصُنَّاع المجوهرات إلى تطوير حرفة أو صَنْعَة جديدة ومستقلة. ومع نهاية القرن السادس عشر، ذاع صيتُ الساعات المُصنَّعة في جنيف لما تنفرد به من حرفيَّة استثنائية، ثمَّ تأسَّست في عام 1601 جمعية صُنّاع الساعات في جنيف كأول جمعيّة مهنية من نوعها.
وبعد مرور قرن، وبسبب تزاحم صُنّاع الساعات في جنيف، قرَّر كثيرون منهم الانتقال إلى جبال جورا، حيث مازالت الأجيال التي توارثت هذه الحرفة من بعدهم تعملُ وتقيم في مدينة لا شو دو فون جف وفٍِّّ-لم-ئَُلَّ وعدد من مواقع صناعة الساعات السويسرية الفخمة حتى يومنا هذا.
وعلى مدى أربعة قرون، ظلّت أسماءٌ سويسريةٌ عريقةٌ مثل أبراهام لوي بيريليه، أدريان فيليب وفريدريك إنجولد وجورج ليشو تقترن بالتقنية الفائقة والحرفيَّة المُبدعة التي تتطوَّر عاماً تلو الآخر، وبمسيرة من الابتكار والتطوير.
لذا، تفتخر سويسرا بأنَّها كانت السبَّاقة بين دول العالم على صُعُد مختلفة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أوّل ساعة معصميَّة، وأول ساعة كوارتز، وأول ساعة معصميَّة مقاومة للماء، وأصغر الساعات المعصميَّة وأقلُّها سماكة.
كما يقترن اسم سويسرا حتماً بأثمن الساعات في العالم التي يتسابق الشغوفون بالساعات الفخمة على اقتنائها وضمِّها إلى مجموعاتهم. وقد كان لهذه المسيرة الفذة أعظم الأثر في جعل سويسرا تتبوأ، عن استحقاق، مكانة الريادة العالمية في صناعة الساعات الفخمة.
وفى السياق يقول فورسي: ما علينا الانتباه إليه أنه قلّما يشتري المرء ساعة فاخرة بهدف معرفة الوقت ولا شيء غير معرفة الوقت، لأن هذه المهمة باتت تتحقق عبر الهاتف الجوّال، وساعات اليد الرخيصة الثمن، والساعات الجدارية الموجودة في معظم المكاتب وأماكن العمل.
وأيضاً على صفحات النصوص الإخبارية (التليتيكست) في العديد من القنوات التلفزيونية في الدول الغربية، ناهيك من شبكة الإنترنت، وبالتالي، لا غرابة أن تتحول الساعة اليدوية، إلى قطعة مجوهرات نفيسة تقتنى للتباهي.
وأيضاً للاستثمار، في حين صارت دور صناعة الساعات الرجالية تتسابق في إصباغ الوظائف الرياضية على ما تنتجه، وبذا غدت هذا السلعة تعبيراً ناطقاً عن شخصية مقتنيها واهتماماته ورجولته وهواياته جنباً إلى جنب مع إمكاناته المالية، ولا تعتبر الرقة الفائقة من الناحية التقليدية تعقيداً في حقل صناعة الساعات، باعتبارها لا تساهم بحدّ ذاتها في إضافة وظيفة ألاجديدة الى الساعة مثل وظيفة تحديد التاريخ او الكرونوغراف.
ومع ذلك يجوز شرعاً وصفها على هذا النحو، ويُعزى ذلك الى طبيعتها المعقدة جداً التي غالباً ما تدفع بحدود الميكانيكية المجهرية الى الحدّ الاقصى. وعلى الرغم من المحاولات الكثيرة في هذا الحقل، قليلون همألاالصنّاع الذين ينجحون في ذلك.
دبي - رشا عبد المنعم

