يعتبر الإعلام مجالا واسعا، بما يحتضنه من وسائل شتى؛ مقروءة ومسموعة ومرئية، والمتأمل للمشهد الإعلامي يرى إعلاميين يبذلون جهدا كبيرا في تأدية الرسالة الإعلامية التي من شأنها أن تحقق فائدة للجمهور وترقى بذائقتهم، ولكن يبقى السؤال: لماذا اختفت نخبة إعلامية تعودنا على مشاهدتها، أو سماعها، أو حتى القراءة لها بعد فترة من ظهورها؟

في مقابل ذلك يعوض اختفاء هؤلاء ظهور مجموعة ربما تفوقهم أداء، أو أقل عنهم بكثير، ووسط كل هذا يقف المشاهد والمستمع والقارئ مُترقبا ومُنتظرا معرفة حقيقة ما يجري!وتُخلق بيئة يجتمع فيها أهل لا هم لهم سوى تبادل الاتهامات ليل نهار، ورشفة قهوة في القيل والقال؛ فلمن البقاء في الإعلام، للأفضل والأجدر والأكفأ، أم للذي «وراءه ظهر»، كما صرح البعض، ولديه «فيتامين واو» أو بات أحد الزبائن المهمين لعيادات التجميل والبوتيكس؟ المشاركون في استطلاع الحواس الخمس يجيبون عن ذلك في منتهى الصراحة التي يشهدها كل منهم في الواقع:***«إللي اتعادوا رحلوا» !***انطلق المذيع الكبير راشد الخرجي في المجال الإعلامي منذ العام 87 إلى الآن، ولدى سؤاله: ما الدافع لبقائك إلى الآن؟ أجاب بمنتهى العفوية: إن المجال الإعلامي باختلافه سواء كان صحفيا، أو إذاعيا، أو فضائيا هو لمن مقتنع بمهنة الإعلام، مُصفٍ نفسه من كل نوازع ودوافع المصلحة، وعلى سبيل المثال.

هناك من يخصص عمر بقائه الإعلامي فترة ثلاث سنوات، بل يضع أيضا أهدافا لهذه المدة، وهي الحصول على منزل أو سيارة! وبمجرد الحصول على مراده يترك المجال الإعلامي بلا أسف.ويضيف «بوعمر»: وإذا فصلنا أكثر في نقطة الاقتناع بمهنة الإعلام فلابد أن نشير إلى أنها ضرورية في أداء الرسالة الإعلامية بصدق وإخلاص وخدمة المجتمع بما يحمله من هموم، والسرعة في معالجة قضاياه من أطر صحيحة ومنظور واقعي.ويتطرق «بو عمر» إلى نقطة أُخرى، وهي أن تأخذ إدارات المؤسسات الإعلامية باختلافها في الدولة على عاتقها مهمة المحافظة على كوادرها الوطنية التي تتميز بالكفاءة والإبداع.ويذكر الخرجي أنه كثيرا ما تعرض في مسيرته الإعلامية لمضايقات ، إلا أنه كان صلبا وقويا، ولم يجعل أي شيء يؤثر في عطائه الإعلامي، أو يُزعزع مكانه، لأنه كما يقول: «لدي رسالة وهدف، وإللي إتعادوا رحلوا».*** البقاء للجميع***أما الإعلامية ياسمين ملاح فتوضح في قولها إن البقاء في المجال الإعلامي هو «للجميع»، ولا تعتبر ما تقوله نوعا من الدبلوماسية، لأن جميع الإعلاميين العاملين في شتى المؤسسات الإعلامية يُكملون بعضهم بعضا.

بل يُشكلون حلقة وصل فيما بينهم، ويستفيدون فيها من خبراتهم، ويقدمون كل ما من شأنه أن يرقى بالرسالة الإعلامية، ويرقى أيضا من أدائهم الإعلامي لتقديم النافع والمفيد دوما.***الغرور مقبرة الإعلاميين***«الإعلام لغة مختلفة تحتاج إلى عقل وفكر»؛ هذا ما أشار إليه الإعلامي سعيد المعمري، مضيفا وبثقة كبيرة: البقاء لمن يحترم عقول المشاهدين، ويقدم لهم رسالة إعلامية تثري فكرهم، وتحقق فائدتهم واستمتاعهم في الوقت نفسه. والبقاء لمن يبادله الجمهور هذا الاحترام والتقدير بمثل، ويتساءل المعمري: لم غرور بعض الإعلاميين؟ فهذا الغرور مقبرة لهم، ولن يُطيل مدة بقائهم في الإعلام.***أثر طيب***الشاعر والإعلامي محمد الملا يجيب عن سؤال البقاء لمن في الإعلام؟ بقوله: سيكون البقاء حتما لمن يسعى إلى تقديم إعلام مختلف؛ إعلام بمعناه الحقيقي، القائم على المصلحة العامة وليس المصلحة الشخصية؛ إعلام يخدم اسم الدولة محليا وعربياً وعالمياً.مُضيفا: هناك الكثير من الإعلاميين الذين يتميزون بإمكانيات إعلامية كبيرة، ويحترمون أنفسهم، والآخرون يجتهدون لتقديم رسائل إعلامية مختلفة، ولكن يبقى في النهاية الحكم للجمهور الذين سيحسمون الأمر.

ويردف الملا: حتى لو ترك الإعلامي هذا المجال الرحب، بما قدمه من أمور تحترم المشاهدين فسيكون باقيا حتما في فكر الجمهور وقلوبهم، بمعنى أثره الطيب سيستمر باقيا حتى بغيابه عن الشاشة الفضية.

لا أمان في الإعلام

ويرى الإعلامي طارق الأسمر أن مهنة الإعلام لا بقاء لها، بل هي مهنة لا أمان فيها، وقد يستمر الشخص فيها مدة طويلة ثم لظروف خارجة عن إرادته يغادر سرب الإعلاميين ليعمل مع سرب آخر.

ويضيف الأسمر: لا ننكر أن هناك أمورا تبرز الإعلامي في بعض الأحيان وأحيانا تأخذه إلى الهاوية، لاسيما إن بدرت منه أخطاء على الشاشة، وبهذا تقف عقارب بقائه في الإعلام، عله يعمل في قناة أخرى، أو غير ذلك، ويتطرق الأسمر إلى نقطة أخرى، وهي أن شهرة الإعلامي لدى الجمهور تلعب أيضا دورا في استمرارية بقائه، فهناك إعلاميون يعملون بجد، ولا يعرفهم الجمهور إلا بعد فترة طويلة.

البقاء للسيليكون

ترك الإعلامي محمود يوسف الشاشة الفضية منذ مدة، فعلى حسب قوله: «الإعلام بالنسبة لي كان مجرد هواية، وأنا عملت في المجال الإعلامي لمدة عشرة أعوام، وأعتقد أني أعطيت بما فيه الكفاية».

ويؤكد محمود أن البقاء في الفترة الحالية للسيليكون وعمليات التجميل! ففي السابق كان الإعلامي يُقيم من جوانب كثيرة أبرزها لغته، وثقافته، ومستوى فكره، وحضوره. أما في الوضع الراهن؛ فالشكل هو المطلوب، وهو الذي يُقدم قبل كل شيء.

وفي النهاية يبقى الجمهور هو الحكم في ملعب الإعلام الذي ينافس فيه الجميع على تحقيق حلاوة الفوز بالشهرة الأكبر والرصيد المادي الأكثر. ومن جانب آخر يوضح محمود يوسف خجله من أن يطلق على نفسه اسم إعلامي، ولا يعتبر هذا تواضعا منه، بل تقييم لشخصه وأدائه في المهنة.

ومع هذا يؤكد أنه عمله السابق في الإعلام أضاف له الكثير، ولكن ليس بالطموح، الذي كان يرنو إليه، ويعتقد أننا لم نصل بعد إلى مستوى ثقافة نجومية الإعلامي! موضحا أن الإعلامي عندنا مهنة من لا مهنة له!

أصحاب الكفاءة

الأديبة والإعلامية نجيبة الرفاعي توضح أن البقاء للإنسان الإعلامي المؤثر بشكل إيجابي في المجتمع، والذي يحرص على إبراز الهوية الوطنية، ويحمل هموم الوطن والمواطنين، ويناقش شتى القضايا الوطنية مع السعي الدؤوب لمعالجتها.

وتضيف الرفاعي: إن كنت على كرسي مسؤول، وكان القرار بيدي لأبقيت على أصحاب الكفاءة من الصحافيين ومذيعي الإذاعة والتلفزيون، ومن لهم دور قوي وبارز يعملون كإعلاميين خلف الكواليس، والذين يحملون هما إعلاميا يسعون إلى إزالته من خلال تحقيق فائدة وراحة الناس، حيث لا يكون همهم هو تحصيل الربح المادي فقط،بل إحداث تغيير جذري إيجابي في جميع مناحي المجتمع.

الإعلامي الراقي

الإعلامية غادة الخميس توضح أن البقاء للإعلامي الذي قدم مادة إعلامية يُخاطب فيها العقول بموضوعية شديدة، وبأسلوب راق عميق بعيداً عن السطحية ومحاولات جذب الأنظار أو الفرقعة الاعلامية.

وليس هذا فحسب بل إن الالتزام باختيار موضوعات إعلامية وإعدادها بمصداقية تامة هو ما يطيل من عمر بقاء هذا الإعلامي الذي سيتقبله الجمهور حتما ويرحب بما يقدمه لاسيما إن بدر من هذا الإعلامي اجتهاد في خدمة الجمهور من خلال طرح قضاياه ومعالجتها بمنطقية بعيدا عن التهكم واللامبالاة.

البقاء للمحترمين

أما الإعلامية غزلان فتقول إن البقاء للمحترمين، أي من يحترم نفسه، ويحترم عمله، الأمر الذي يكسبه احترام الجمهور، فكثير من الإعلاميين الذين كان يشار إليهم بالبنان ظهروا بقوة على الشاشة، وعملوا «شو» وسرعان ما اختفوا! وتؤكد غزلان أن مقاومة الإغراءات، وعدم التسلق على أكتاف الغير بهدف الوصول، هو ما يطيل من فترة بقاء الإعلامي في هذا المجال.

دبي- جميلة إسماعيل