قبل 52 عاما، تبنَّى موسيقار قديم- يتخفَّى تحت اسم «جاد الله» بسبب تورطه في إحدى الجرائم- موسيقيا مغمورا يُدعى «عبدالمنعم صبري»، وتعهَّده بتعليم أصول الموسيقى حتى نبغ فيها، والتحق كمدرس بأحد النوادي الموسيقية.

وبعد استغناء النادي عن خدماته يعود ثانية إلى مكتشفه ومعلمه «جاد الله»، الذي يسانده ويدعمه حتى يوصله إلى الغناء في دار الأوبرا، معلنا شهادة ميلاده الفني، والجماهيري بفضل مكتشفه وراعيه «جاد الله». بالطبع تعلمون أن هذه التفاصيل جسَّدها الفنانين «عبدالحليم حافظ»، و«حسين رياض» في فيلمهما الشهير «شارع الحب» الذي أُنتج العام 1958م، وهي التجربة نفسها التي مرَّ بها الكثير من نجوم الطرب، كالتجربة الحقيقية التي مرَّ بها المطرب «محمد فؤاد» على يدي مكتشفه الفنان «عزت أبو عوف».

والتي رصدها في فيلم «إسماعيلية رايح جاي» إنتاج 1997م. تعالوا نتعرف إلى عدد من تجارب نجوم الطرب مع مكتشفيهم، من أين بدأت، وإلى أين انتهت؟

«يا عجب لمن ربيت طفلاً.. القمة بأطراف البنان.. اعلمه الرماية كل يوم.. فلما اشتد ساعده رماني.. وكم علمته نظم القوافي.. فلما قال قافيه هجاني»..

بالطبع كلنا يعلم سبب نظم هذه الأبيات التي قالها رجل من العرب ربَّي ابن أخته حتى كبر وقوي واكتمل، ثم علَّمه الرياضة، الرماية، ركوب الخيل، وقرض الشعر، فلما شعر الولد القدرة والقوة تنكَّر لخاله، وأخذ يرد جميله نكرانا؛ فهل المصير نفسه هو ما يجنيه الملحِّنون من موهبة شملوها بالرعاية بعد إزاحة الستار عنها، وتلميعها بكل أنواع البرق الإعلامي؟..

فهذا الموسيقار عمار الشريعي بدأت رحلته في تبنِّي المواهب مع فرقة غنائية أطلق عليها «الأصدقاء»، كانت مكوَّنة من المغنين «علاء عبدالخالق»، «منى عبدالغني»، الفنانة المعتزلة «حنان»، ومن ثم «هدى عمَّار»، و«آمال ماهر» التي اعتبرها كثيرون خليفة أم كلثوم، كما قدَّم للغناء المصري والعربي كلاًّ من المطربين «حسن فؤاد، ريهام عبدالحكيم، مي فاروق، أحمد علي الحجار، وسماح الملاح».

كما كان الفنان حميد الشاعري ماهرا في اكتشاف المواهب الغنائية الشابة، بتسليط الضوء عليها، وتقديمها إلى شركات الإنتاج، ومن ثم إلى الجماهير العربية، ومن بينهم «عمرو دياب، مصطفى قمر، الشاب جيلاني، إيهاب توفيق، حكيم، أميرة، هشام عباس، علي حميدة، حمادة هلال، فارس، ومحمد حماقي».

ولم تقتصر فكرة التبنِّي على ملحنين كبار تجاه مواهب جديدة، بل إن مطربا مثل عمرو دياب، الذي لاقى مساندة ودعما قويا من المنتج محسن جابر قبل الانفصال عنه، قد أعلن عن إنشاء أكاديمية؛ لتبني المواهب الغنائية الجديدة بالتعاون مع الموسيقار عمار الشريعي، كذلك المطرب رامي عيَّاش أعلن هو الآخر عن تبنِّي مواهب شابة.

وجبات فاسدة

الموسيقار حلمي بكر أكد ثقته في قدرة ملحني الزمن الفائت على اختيار الصوت المتميز الذي يقدمه، فلم يكن يشك الجمهور لحظة، حسب قوله، في موهبة هذا المغني الجديد؛ نظرا إلى الثقة في الملحن الذي اكتشفه ودعمه.

مضيفا أن التبنِّي بين الملحن والمغني، حاليا، ما هو إلا «سبُّوبة»، أي تجارة، عكس ما كان يحدث فيما مضى، عندما كان الغناء فنا حقيقيا، والكلمات تتميز بشيء نفتقده حاليا يسمى «الإبداع»، أما ما يُقدَّم من «وجبات فاسدة» إلى الجمهور، ويطلق عليها خطأ لقب «مواهب»، ما هو إلا «عملية نصب» على وجدان الجمهور العربي».

وحول رأيه في تبنِّي مغنين جدد لأصوات غنائية شابة، أكد بكر أن هذا المغني يجد نفسه «مخنوقا في عنق الزجاجة»، فيُعلن عن إنشائه أكاديمية تتبنى المواهب، وهذه قلة حيلة، أو ترويج لاسمه أنه صاحب تاريخ، وفي حقيقة الأمر؛ فإن هذا الدور ليس دوره، وإنما دوره ينحصر في أن يُغنِّي غناءً حقيقيا، ويصنع نفسه أولاً بهدف إمتاع الجمهور، وليس تضليله بفن مزيف.

وحدَّد صفات الشخص المنوط به تبني مواهب غنائية من الملحنين؛ حيث قال: «إن صانع الموهبة لابد أن يكون قائدا، وصاحب ذوقٍ فني عالٍ، وجرأة في التجريب، واختيار الموهبة التي يمكن أن تتحمل المسؤولية وحدها فيما بعد، لا أن يظل كالكسيح يحتاج إلى «عكاز الملحن»؛ لذا لا يجب بأي حال أن يُعلن مطرب صغير تبنيه مواهب جديدة، فالمواهب ليست سلعة تباع، وتشترى».

حرب حلمي وأصالة

جدير بالذكر أن الموسيقار حلمي بكر هو من قدم المطربة «أصالة» في مصر، وساندها بكل قوة، واحترم موهبتها؛ حتى إنه دافع عنها في بلدها سوريا حين سخر أحد الإعلاميين منها في البداية، إلا أن أصالة، على حسب قوله، لم تحفظ هذا الجميل، وأساءت إلى بكر، إلى أن وصل الأمر لديه أن أعلن الحرب على أصالة بشكلٍ علني.

واعتبر اتهامها له على ظهوره ك«موديل» في كليب لمطربة صاعدة تُدعى «أمنية سليمان» في أغنية لها بعنوان «مش هو»، عدم احترام منها، وتطاول على أستاذها الذي منحها شرعية الوجود الفني في مصر والعالم العربي، ووصل الأمر بين الملحن والموهبة إلى ساحة الحرب، وربما المحاكم.

مبتدئون

بينما أعلن الموسيقار محمد سلطان عن عدم رضاه بما يحدث في ساحة الغناء، واصفا إياها ب«الأمواج المتلاطمة» التي تبتلع الجميع، وأضاف: «لن أتبنى أي صوت مرة أخرى، فمن أين تكون مصروفاته، ومن ينتج له أغانيه، وكيف يستمر؟!».

وأشار إلى أنه لم يعد هناك ما يُسمى بالتبني في الوقت الحالي؛ لعدم وجود أصوات تستحق ذلك، مذكِّرا بالأصوات التي اكتشفها وقدمها مثل «سميرة سعيد، نادية مصطفى، محمد ثروت، وهاني شاكر»؛ حيث كانت علاقته بمواهبه التي اكتشفها تسير في حدود الذوق، أما مَن يُعلنون عن تبنيهم أصوات جديدة، هم في الأساس مطربون مبتدئون يحتاجون مَن يوجههم، ويدربهم على الغناء الصحيح.

ووسط هذه الغابة الغنائية، يؤكد سلطان أن العلاقة بين الملحن - إن وُجدت- والمغني الشاب، تنتهي قبل أن تبدأ؛ لأنها لم يكن لها أن تبدأ من الأساس؛ لأنها بُنيت على خطأ، وأحيانا يدخل «البيزنس» فيها، وبالتالي، فإن «بيزنس التبنِّي» في الغناء يُعجِّل بنهاية المطرب..

موضحا أن من يتجرأ على تجربة تبني مطرب جديد يخسر كثيرا؛ لأن الجمهور لم يعد يُفرِّق بين صالح، وطالح، فبعد أغاني «الحناطير»، و«المساطيل»، هل يصلح أن نتبنى أحدا في المستقبل؟!

التبنِّي بمشروع فني

وعلَّق المنتج هاني جرجس فوزي أن الملحن يتبنى المطرب صاحب «الكاريزما»، حتى يستطيع تقديمه للجمهور بسهولة، ففيما مضى كان التبني ناجحا؛ لذا ظهرت أصوات مميزة أمثال «أصالة، سميرة سعيد، مدحت صالح، هاني شاكر»، مضيفا أن ما يُحدد تبني موهبة من قِبل ملحن، هو وجود مشروع مشترك يجمعهما معا.

والمثال الناجح على ذلك الفنانة «عفاف راضي» التي قدمها، وتبناها الموسيقار «بليغ حمدي»؛ أما مشاريع التبني الكلامية فقط لا تُنتج شيئا، فالهدف من ورائها غائب، أما حاليا فقد حدث تحوُّل في الأهداف من المشروع الفني إلى المشروع التجاري، ما أفسد على الملحن، والموهبة الجديدة، والجمهور طلاوة الأدوار الحقيقية التي كان منوطا بهم أداؤها، فكيف نتاجر في صوت؟!.

وعلى أي حال فإن التجارة التي تجمع بين ملحن ومطرب تنتهي بسرعة، لأسباب أولها: عدم رضا الملحن بأداء المطرب الشاب في جمع المال إليه، وثانيا: عدم تقبُّل الجمهور للمطرب؛ لأنه لا يستحق الغناء من الأساس، ثالثا: رفض المطرب نفسه أن يبقى تحت مظلة الملحن الذي يحتكر مجهوده.

تقرير المصير

أما المخرج ياسر سامي فيقول «إن التبني يبدأ عندما يجد الملحن أحد الأصوات الشابة الجديدة التي تحاول إيجاد نفسها وسط الساحة الغنائية، لكنها لا تستطيع ذلك، فيحاول الملحن أن يعطيه خطوة البداية، لكن هذه الخطوة تُكلِّف الملحن المتبني الكثير من المال بحثا عن منتجين للمطرب الشاب، ولكن استمرار العلاقة بينهما تتحدد وفق مدى استجابة المطرب الجديد لتعليمات الملحن.

لكن المطرب إذا شعر بأن له رغبة مخالفة لرغبة الملحن يكتمها بداخله؛ حتى يلمع ويستقل عنه، وينهي هذه العلاقة فورا لكونها أصبحت تضرُّ طموحاته»، مضيفا أن شهرة المطرب أصبحت هي السبب الأول في إنهاء العلاقة التي بدأت من الملحن الذي احترم حاجة الساحة الغنائية لهذا الصوت المميز.

لكن المغنين الجُدد قد وصلوا إلى الغناء بطرقٍ ملتويةٍ، بعيدةً عن التبني؛ لأن المطرب غالبا يشعر أن هناك سلطة عُليا تُقرر مصيره، وبالتالي ليس بإمكانه اتخاذ قرار إلا باستئذان الملحن، وتبقى العلاقة بين شدٍّ وجذبٍ حتى تأتي فرصة التحليق بعيدا عن قيود الملحن.

دم واحد

كذلك لم تشفع قرابة الدم بين الملحن محمد علي سليمان، وابنته المطربة أنغام في تجنُّب الصدام بين الملحن وموهبته التي تبناها، وعلَّمها الغناء، فالفضل كل الفضل لهذا الملحن الذي أهدى الغناء المصري مطربة مُدرَّبة وواعية، باعتراف أنغام نفسها، إلا أنها لم تتأخر في التمرد عليه، بل محاولة تشويه صورته في بعض الأحيان، حسبما نشرت الصحف.

وقد وصلت المشاكل بين الأب، الملحن الكبير، وابنته، الموهبة المشمولة بكل أنواع الرعاية الفنية، إلى ساحات المحاكم، فعلى الرغم من الدم الواحد الذي يجري بينهما، إلا أن الخلاف صار أبديا.

قديما وحديثا

تجدر الإشارة لما فعله الموسيقار سيد مكاوي مع المطربة فايزة أحمد في بدايتها لنتعرف إلى الفارق بين التبني قديما وحديثا، فالموسيقار «سيد مكاوي» تبنى موهبة المطربة فايزة أحمد في مطلع خمسينات القرن الفائت، فكان أول من لحَّن لها في الإذاعة المصرية، بعد أن عانت كثيرا في الوصول إلى الجمهور المصري.

فكان سبب شهرتها، وانطلاقها إلى عالم النجومية حتى وُضعت في مكانها الطبيعي بين عمالقة الغناء غير المكررين، ما يحزننا إلى ما وصلنا إليه هذه الأيام من نوع مغرض من التبني الحداثي، حين نستمع إلى أن مطربين جددا يعلنون تبنيهم مواهب غنائية شابة، مثلما فعل أخيرا المطرب رامي عيَّاش، وحوَل هذا النوع الجديد، قال هاني جرجس:

«إن هؤلاء المطربين يعتمدون على شهرتهم في ذلك الأمر، لكنه أكد أن الشهرة ليست كافية لإقناع الجمهور بصوت المطرب الجديد؛ فالمطرب الذي لم يؤسس قاعدة جماهيرية، وتاريخا طويلاً، ليس بإمكانه أن يعطي «صك» الاكتشاف والنجومية لغيره».

القاهرة: دار الإعلام العربية