في المساء يبدأ ماراثون فضائي، تتسابق فيه الحناجر بالأصوات الأوبرالية الزاعقة، من خلال برامج «التوك شو» في جولات متتابعة على حلبات الكلام، تناطُح بالرأي والرأي المضاد، مدَّعين أن الجمهور يتمناها مباراة ساخنة، في حين أن المشاهد لا يريد سوى أن يناقش مشاكله، وحبذا لو تم حلها بالنقاش!
تشابهت البرامج والنتائج واحدة، ما دعا «الحواس الخمس» الى طرح تساؤل حول هذه البرامج، ومدى إسهامها في خلق حالة من الحراك السياسي، أم أنها فقط نشرت فوضى إعلامية عن طريق الصوت العالي، والجرأة غير المبررة؟مع بدء برامج التوك شو على الفضائيات العربية، وجدت هذه النوعية من البرامج استحسان الجمهور بسبب طبيعتها غير المألوفة له، إلا أنه بتعدد هذه البرامج وكثرتها اكتشف المشاهد أن معظم هذه البرامج خالية من المضمون؛ بسبب تشابهها حينًا، وخلوها من الفائدة أحيانًا، خاصة أن ضيوفها يتكررون ويغيرون فقط ملابسهم في الكواليس؛ ليظهروا في برامج متعددة بأقنعة مختلفة، وقد تكون بآراء متناقضة في دنيا الآراء حسب الطلب، والنتيجة ملل المشاهد المِسكين.
هذه البرامج تدفع أيضا لضيوفها مقابلاً ماديًا كبيرًا نظير عدم التحدث في القضية نفسها في برنامج منافس، كأن الضيوف - أصحاب الرأي - تحوَّلوا إلى سلعة، ما أثار الشكوك حول هوية بعض البرامج التي كان يعشقها المشاهد منذ بدايتها.
ويراهن على أسماء مذيعيها أمثال «منى الشاذلي، محمود سعد، تامر أمين، عمرو أديب، ومعتز الدمرداش» في برامجهم «العاشرة مساءً، مصر النهاردة، 90 دقيقة، القاهرة اليوم، والحياة اليوم»؛ وتضاف إلى القائمة برامج التوك شو الصباحية «يسعد صباحك» على الفضائية المصرية، «صباح الخير يا مصر» على القناة الأولى.
تنويم مغناطيسي
د. ليلى عبدالمجيد عميد كلية الإعلام جامعة القاهرة، تؤكد أنه على الرغم من تعدد برامج «التوك شو»، إلا أن المأساة واحدة، وهي غياب الحقيقة، وعدم تقديمها مُجرَّدة للرأي العام، والأدهى من ذلك عدم تقديمها حلولاً جادة للمشاكل، فجميعها يتلاعب بالمشاهد، ويركز على وتر «الفرقعات»؛ لجذب مزيد من الإعلانات.
وتضيف : إن وجود برنامج حكومي، و4 برامج غير حكومية لا يعني التنوع والاختلاف؛ لأن النتيجة دائمًا ما تكون واحدة، فلا يستطيع أحد أن يؤكد أن برنامج «مصر النهاردة» لا يروِّج للنظام، فهناك اتهام للبرنامج أنه يقدم إعلامًا في الظاهر، لكن باطنه يمرر للجمهور دفاعًا عن الحكومة بشكل «التنويم المغناطيسي» .
مشيرة إلى اعتراضها على المادة الإعلامية التي يتعامل بها مقدمو ومعدو هذه البرامج، فهم يعتبرون الإعلام عبارة عن بلاغات تُقدم في أقسام الشرطة؛ حيث يقومون بطرح القضايا التي قد تخالف الواقع؛ للتحايل على الحقائق من أجل كسب تعاطف الجماهير، كما حدث مع سيدة محافظة البحيرة بمصر التي تم استضافتها «منتقبة» في برنامج «90 دقيقة» هي وزوجها، بعد ادعائها بقيام 11 شخصًا باغتصابها.
وظل الزوج يقدم نصائح، وظهر كأنه راهب، وتعاطف الجميع مع قضيته، إلا أنه اتضح فيما بعد أنه تاجر مخدرات حُكم عليه بالحبس 15 عامًا، ما يؤكد أن هذه البرامج تهدف إلى الانتشار بأي وسيلة، حتى لو قامت باستضافة قتلة، أو تجار مخدرات.
استطلاعات الرأي التي قام بها طلبة كلية الإعلام جامعة القاهرة أكدت أن هذه البرامج فرضت نفسها كأسرع وسيلة إعلامية تواصلاً مع الجمهور بالصوت والصورة، ونجحت في اجتذاب نسبة مشاهدة عالية، وهذا ما لم تنكره د. ليلى التي أكدت أيضًا أن هذه البرامج نجحت في خلق وعي سياسي، ثقافي، وحقوقي لدى المواطن العادي.
تحطيم جمود
في حين تساند د. إقبال الأمير عميد المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة، برامج «التوك شو» باعتبارها من أهم الظواهر الإيجابية المُلفتة في عالم الإعلام المرئي خلال الأعوام العشرة الفائتة.
فقد نجحت - حسب قولها - في سحب نسبة كبيرة من مشاهدي قناة الجزيرة الفضائية، واستطاعت تحطيم الجمود، والفرقة التي كانت سائدة بين المشاهد والإعلام، كما أتاحت فرصة التواصل والمشاركة في صناعة الخبر، إضافة إلى تخصيصها مساحات زمنية للصحف الورقية التي تُحقق نجاحًا؛ حيث تقوم بعرض أخبارها، خاصة السبق الصحفي، وهذا ينبع من أن بعض مقدمي البرامج كانوا من الصحفيين المجتهدين.
كعكة واحدة
إلا أن الناقدة خيرية البشلاوي واصلت الهجوم على هذه البرامج؛ نظرًا لتشابهها، وقالت: «إن الملل يصيب المشاهد من تكرار الموضوعات بالطريقة نفسها، فما يراه في برنامج «الحياة اليوم» يتابعه بأزياء مختلفة وديكورات متغيرة في «90 دقيقة، العاشرة مساءً، مصر النهاردة، والقاهرة اليوم».
فالجميع يتهافت على كعكة واحدة، هي الجمهور، الذي يملُّ من هذه البرامج، ويهرب منها إلى البرامج الرياضية، والتحليلات المستمرة على مدار اليوم»..
مؤكدة أن القائمين على إعداد هذه البرامج مازالوا بحاجة إلى جهد أكبر في انتقاء الموضوعات، وتطوير طريقة تناولهم لها، كما يجب عليهم أن يطوِّروا مهاراتهم؛ لأن المشاهد ينتظر منهم العطاء المتجدد، وأن يكون هذا العطاء حقيقيًا؛ فالمشاهد أذكى مما يتخيله الإعلامي، وبالتالي المنافسة أصبحت شرسة عليه، وهو يدرك ذلك تمامًا.
أجور خيالية
الناقد سمير فريد أكد أن برنامج «القاهرة اليوم» الذي يُذاع على قناة «أوربت»، هو الذي فتح الطريق لبرامج «التوك شو»، لكونه أقدمها، وقد نجح فريق العمل - حسب قوله - في لفت الأنظار بتناولهم قضايا ساخنة وشائكة برؤية مختلفة تحمل بصمة مميزة للإعلامي عمرو أديب صاحب الكاريزما الخاصة، ومعه كتيبة عمل قوية.
وقد أصبح هذا البرنامج بمرور الوقت أحد الدعامات القوية التي تستند عليها شبكة «أوربت»، على الرغم من وجود برامج أخرى.
وأوضح أنه نظرًا لنجاح هذه البرامج، فقد شهدت مصر عودة المذيع النجم، واكتسب شهرة أهل الفن والرياضة، كما تهافتت عليه القنوات الفضائية والأرضية لاستضافته؛ ليتحدث في مختلف القضايا.
بالإضافة إلى تقاضيهم أجورًا خيالية؛ حيث يصل أجر محمود سعد ل200 ألف جنيه شهريًا، منى الشاذلي، ومعتز الدمرداش 120 ألف جنيه، في حين يتقاضى عمرو أديب 30 ألف دولار شهريًا، وحتى إذا كانت هذه الأرقام غير حقيقية، إلا أنهم الأعلى أجرًا على أي حال.
منحنيات عطش
أما معتز الدمرداش مقدم برنامج «90 دقيقة» على قناة المحور، فأكد أن برامج «التوك شو» امتداد لتاريخ إعلامي لم يشهد من قبل مساحة من الحرية، أو التقنيات الحديثة، لكنه أصبح بفضل الديمقراطية تجربة مستقلة بذاتها تمر بمراحل شد وجذب، ومنحنيات عطش الجماهير تصعد وتهبط أحيانًا، وليس من أهدافنا تجميل وجه الحكومة؛ لذلك فقد أحدثت هذه البرامج صدمة في المجتمعات العربية..
ورفض الدمرداش وصف هذه البرامج ب«السوداوية»، وبرر أن الجمهور عاش لفترات طويلة لا يعلم إلا ما تقوله وسائل الإعلام المحلية؛ لذا بات متعطشًا لمعرفة الأسرار والخبايا، وهذا ما فعلته هذه الموجة الإعلامية الجديدة من حالة حراك سياسي، اجتماعي، وفني، لكنه اعترف أن هذه الموجة لم تنضج حتى هذه اللحظة.
مضيفًا أن البرامج تتداخل؛ نظرًا للزخم الهائل في عددها، وعرضها في توقيت واحد، لكنه يؤمن بمقولة «لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع»، فلو شعر أنه الوحيد في الملعب الإعلامي لقلَّت حماسته على المنافسة..
مشيرًا إلى أنه تعلَّم في مدرسة «التلقائية»، ودلل على ذلك أنه لم يتخل عن جملتين منذ بداية برنامجه، وهما «اوعوا تروحوا بعيد»، و«إنتي فين يا حكومة» حتى يكون على طبيعته مع الجمهور.
دفاع بالاستطلاع
ويدافع الإعلامي تامر أمين عن برنامجه الجديد «مصر النهاردة» أنه ناضج بكل المقاييس، وقال: إن استطلاعات الرأي هي التي أكدت ذلك خلال أيام من عُمر البرنامج؛ حيث أكد أن البرنامج يختار القضايا التي تهم الناس بالتعايش مع مشاكلهم.
ويضيف: إن قدرة المذيع على التعبير عن مشاكل الناس هي النقطة الفاصلة في خلق جماهيرية البرنامج والإعلامي، فلا بد أن تصبح البرامج الحوارية لسان حال الجمهور حتى تؤدي وظيفتها، لكن ينقصها التنسيق فيما بينها، فمعدو هذه البرامج يعملون في أكثر من برنامج، ما يجعلها متشابهة، لكن أعتقد أن المُعدَّ معذور، فالأحداث هي التي تتشابه.
وتفرض نفسها بقوة، وهذا ما يؤكده طارق يونس، كبير معدي برنامج «القاهرة اليوم» من أن القضايا مهما تشابهت فهي تصب في النهاية في مصلحة المواطن، فالمهم كيفية معالجة الموضوعات، وطرحها.. مشيرًا إلى أن تحضير كل حلقة تكلفهم مشقة كبيرة حتى تصل إلى المتلقي بهذه الصورة.
القاهرة - دار الإعلام العربية

