بودرة، كحل، سيشوار، مسكرة؛ مفردات أساسية في مهنة صانعات الحُسن، أو خبيرات التجميل.

وبعيدا عن كونها موهبة وفن وإبداع في رسم الجمال، وإقصاء كل ما يتناقض معه عن الملامح، فإنها أيضا باتت مصدر رزق لكثير من حملة المؤهلات العليا الذين أو اللائي لم يحالفهن التوفيق في مهنهن الأساسية. فبدلاً من حمل شهادات الآداب، الاجتماع، العلوم، والتجارة، التي لم تعد «تسمن ولا تغني من جوع» في ظل ظروف اقتصادية غنية عن التعريف، اخترق هذه المهنة حاملات المؤهلات العليا، وحصلوا على لقب «خبيرات تجميل» بحثا عن «لقمة العيش»، خصوصا بعد أن اكتشفن أن عناء أعوام طويلة من الدراسة راح في مهب الريح، وأن العاملات في هذه المهنة لا يتطلب عملهن شهادات جامعية، بل يحتجن إلى مهارة يدوية، ومعرفة بأذواق النساء في فنون «المانيكير»، و«الباديكير»، ولمسة إبداعية تميز كل واحدة عن الأخرى؛ فهل يتقبل المجتمع صانعات الجمال أم أدار لهن ظهره؟.. السطور المقبلة تحمل التفاصيل.

هناء حسن، 25 عاما، خريجة تجارة إنجليزي جامعة حلوان، أكدت بابتسامة عريضة أنها لا تشعر بأي خجل من العمل في هذه المهنة التي تحصل من خلالها على دخل مادي متميز، لا تستطيع خريجة أي جامعة الحصول عليه، موضحة أنها بعد أن ظلت أعواما عدة تبحث عن وظيفة بمؤهلها التعليمي العالي، أصبحت خلالها عبئا على والدها وأشقائها الخمسة، لم يكن أمامها خيار آخر بعد أن عرضت عليها إحدى صديقاتها التي تعمل مصففة شعر العمل معها، وتؤكد أنها رفضت في بداية الأمر، وقررت زيارة صديقتها في الـ «سنتر» الذي تعمل فيه، فوجدتها في خير حال، تُزيِّن أناملها مجوهرات برَّاقة. وفي طريقها لشراء سيارة حديثة، فقررت عرض الأمر على والدها الذي عارض في البداية، لكنها أقنعته بأنها مهنة حريمي، والعمل في هذا المجال ليس عيبا، وبدأت تدريبا بإحدى بيوت الجمال، وتعلمت أصول المهنة، واحترفت كل ما تحتاجه المرأة، واستغرق ذلك 6 أشهر حتى وجدت أكثر من «سنتر» يطلبها للعمل معه، فاستقرت مع صديقتها، وكان أول مرتب تحصل عليه 1500 جنيه، علاوة على ما يمنحه لها الزبائن، والذي يزيد على هذا المبلغ، وندمت على الأيام التي ضاعت في الجري وراء سراب الوظيفة الحكومية بمؤهل جامعي، لكن مع كل ما حققته من مكاسب، تتعرض لمضايقات عدة من أشخاص يتهمون مَن تعمل في هذه المهنة أنها «سيئة السمعة»!

همسات لعينة... وعلى مدى 5 أعوام قضتها منى حسن، خريجة كلية الآداب، في مشاكل كثيرة خصوصا من أقاربها الذين قاطعوها بعد أن علموا أنها تعمل «كوافيرة»، مبررين غضبهم أنهم لا يطيقون أن تعمل إحدى بنات العائلة في مهنة كهذه، لكنها وجدت أنها المهنة الوحيدة التي تحقق أحلام أشقائها الخمسة الطلاب بمراحل التعليم المختلفة، خصوصا بعد وفاة والدها في حادث تصادم قبل أن تنتهي من الدراسة. حيث اضطرتها ظروفها للالتحاق بمركز لتصفيف الشعر في فترة الإجازة الصيفية كعاملة نظافة! لكنها سريعا تعلمت أصول المهنة، وانتقلت للعمل في قسم «المانيكير» و«الباديكير»، ثم انطلقت بعدها لتتعلم بقية أصول المهنة حتى وصلت إلى درجة احتراف عالية، استطاعت بعدها الوفاء بالتزاماتها المادية كافة، لكن الصعوبات التي تواجهها هي انتهاء العمل يوميا في الحادية عشرة مساءً، ما يعرضها للشائعات أحيانا، والتحرُّش اللفظي، وربما الجنسي أحيانا أخرى، خصوصا أنها تعيش في منطقة شعبية، وذيوع همسات «لعينة» أنها من فتيات الليل.

نأخذ الفتات

نسرين طلعت، والحاصلة على بكالوريوس علوم قسم طبيعة وكيمياء، فتعمل خبيرة تجميل، و«ربطات» حجاب، وتشكو من قيام أصحاب مراكز التجميل الذين عملت معهم سابقا بأخذ «عرقها وتعبها»، على حد قولها، سواء من خلال الراتب الضئيل نظير عدد الساعات التي تقضيها يوميا، أم الاستيلاء على ما يمنحه لها الزبائن.

حيث يتم جمعه في صندوق، ويتم تقسيمه آخر كل شهر، فيحصل صاحب المحل على 50%، ويقوم بتقسيم المبلغ المتبقي على العاملين بالمحل، إضافة إلى عاملة «البوفيه»، وبواب العمارة اللذين يحصلان على رواتبهما من ذلك الصندوق.

مضيفة أنها تقوم بعملها لأكثر من 15 سيدة وفتاة يوميا، وتسدد كل منهن مبالغ كبيرة، تحقق لصاحب المركز ربحا هائلاً، تمكنه من شراء سيارة أحدث موديل، أو شاليه في أفضل المناطق السياحية بمصر، والسفر لمعظم دول العالم، بينما لا تحصل العاملة إلا على الفُتات.

خريجة دار العلوم

ولم تتوقع نادين حمزة الحاصلة على ليسانس دار العلوم، والتي درست قواعد اللغة العربية والعلوم الإسلامية أن تعمل «كوافيرة»، لكنها بعد أن استاءت من الجلوس في المنزل 3 أعوام بعد التخرج، وحينما عرضت عليها صاحبة الكوافير القريب من منزلها مساعدتها في إدارته، وتدوين بعض الحسابات الخاصة بالضرائب، وافقت بعد تردد..

مشيرة إلى أنها لم تكن تعلم أن المهنة ستجذبها إلى هذا الحد؛ لتصبح من أشهر الكوافيرات في مدينة الجيزة، وأصبحت عضوا بعد ذلك في «جمعية مصففي الشعر»، ويتم دعوتها بصفة مستمرة لحضور ندواتهم ومؤتمراتهم، وأوشكت حاليا - على شراء مركز خاص بها.

تغيير مسار

وبعد أن تنقلت عفاف سعودي بين وظائف عدة، لم تستطع الاستمرار في أي منها، فهي حاصلة على بكالوريوس تجارة، لكن هذه الوظائف لم تُرض طموحها، لكن الجلوس في المنزل جعل حالتها النفسية تسوء، فقررت الالتحاق بدورة تدريبية خاصة بقصَّات الشعر والتجميل.

ووجدت أن جميع الملتحقات بالدورة يعملن كوافيرات، ويتقاضين مبالغ مالية كبيرة، فقررت التخلي عن مؤهلها الدراسي، وتغيير مسار الطموح، والعمل كوافيرة في مركز بمدينة «شرم الشيخ»، واستطاعت تحقيق دخل هائل لم تتوقعه، وعرضت عليها صاحبة المحل - الهولندية الأصل - أن تشاركها فيه.

وأصبحت بعدها من أشهر الكوافيرات في شرم الشيخ، وقامت بعدها بفتح مركز آخر في مدينة «دهب» السياحية، وبالنسبة لحوادث التحرش، تؤكد أنها لم تتعرض لمثل هذه النوعية من المضايقات، خصوصا أن عملها في مدينة سياحية مثل شرم الشيخ، جعلها تتعامل مع طبقة متميزة تتفهَّم طبيعة عملها.

أما هاله سالم؛ فقد حاولت إقناع أسرتها بالعمل كمصففة شعر؛ حيث أكدت لوالديها أنها ستعمل في قسم المحجبات، خصوصا أنها تجيد عمل تسريحات مختلفة للشعر، ولن يستغرق منها معرفة مستلزمات العمل الأخرى سوى أسابيع قليلة حتى تتقن العمل تماما، إلا أن أسرتها رفضت تماما؛ لأنها حاصلة على ليسانس حقوق، فامتثلت لأوامر الأسرة، وتزوجت من مهندس طلقها بعد شهرين.

وأنجبت توأمين، ورفض زوجها منحها نفقة، فاضطرت إلى الاتجاه إلى الحلم القديم باعتباره طوق النجاة الأخير، ولم تُعارض أسرتها هذه المرة، وبالفعل حققت طموح أبنائها من راتبها الذي يصل إلى ألفي جنيه، ولا تستطيع أي فتاة - حسب قولها - الحصول على عمل يدر دخلاً كهذا.

ورفضت لصق السمعة السيئة بهذه المهنة، مؤكدة أن المهن كافة فيها السلوك الطيب والسلوك السيئ، والعامل الأساسي في تأكيد هذا الاتهام، أو نفيه هو السلوك الشخصي للكوافيرة، فيمكنها بشخصيتها القوية أن تردع أي مُتغوِّل، أو مُتحرِّش.

لكن ما يؤرق الكوافيرات «سميرة عباس، حنين معاذ، سامية عبده» قيام أصحاب المحال بتسريحهن عند الاعتراض على الأجور، أو حدوث شكوى - ولو بسيطة - من إحدى الزبائن؛ لذلك يطالبن بإنشاء نقابة خاصة تحميهن من غدر أصحاب المحال، وتحفظ حقوقهن في رحلة الكفاح من أجل «اللقمة الحلال»، ولاتزال شكاوى عدد من الكوافيرات من أصحاب وصاحبات المحال مستمرة، لكن كيف يرد هؤلاء على اتهامات الكوافيرات؟

بدورها، ترد عبلة السويفي، صاحبة مركز لتصفيف الشعر بحي «بولاق الدكرور» بالقاهرة، أنها تعمل في هذه المهنة منذ 10 أعوام، واستطاعت بعناء شديد أن تشتري مركزا دفعت فيه كل ما تملك على أمل أن يتسع رزقها.

وأصبحت مطالبة بأقساط، تجهيزات، وتجديدات بصفة مستمرة، إضافة إلى تكلفة الاستعانة بمحترفين؛ حتى تجذب الزبائن وسط منافسة المحال المجاورة التي تعتمد على تاريخها الطويل، لكنها كانت تعاني على الرغم من صداقتها مع العاملات بالكوافير من السرقات المتكررة للكريمات والشامبوهات، وأحيانا المقصَّات، على الرغم من أن الرواتب عندها تبدأ من 1500 حتى 3000 جنيه؛ لذلك كانت تضطر للاستغناء عن العاملات قبل أن تصل أيديهن إلى حقائب الزبائن.