لم تقتصر اللمسة الإيطالية الساحرة على الجماليات، المباني، والأزياء ولم تحتكرها ريشة الأدباء والرسامين، فلقد امتدّ سحرها لما هو أبعد وأشهى وأقرب.. وبكل تفاصيل الحياة اليومية بعفويتها وجمالها خاصّة فيما يتعلق بالمطبخ الإيطالي والفاتنة (الباستا فريسكا) وشقيقتها (البيتزا)، نطرق أبواب مطعم ومقهى (كارلوتشيو) الغارق في «الموزوريلا» و«الأوريغانو» وعلى رائحة فنجان «الاسبرسو» أو الكابوتشينو تجاذبنا الحديث النابض بالمرح والعفوية مع جوليو برنيولا الضليع في اختصاصه والمتواضع في سلوكه رغم شهرته كشيف مطعم كارلوتشيو الإيطالي في دبي بفروعه الثلاثة، فالود واللطف صفة أساسية تلازمه، فهو يؤمن أن الطاهي اللامع من يبدأ بغسل الأطباق أولاً من دون ترفع أو استعلاء.

«الحواس الخمس» أخذ بنصيحته لتعلم أبجديات فن الطهي الايطالي من أول السطر، فإلى التفاصيل.. الدخول إلى مطبخ جاليو ليست بالمهمة الصعبة التي قد تذكرك بالرعب الذي يعيشه الطهاة المبتدئين مع الشيف البريطاني جوردن رمزى في مسابقة (هيلز كتشين)، فهو دائم المرح مع الجميع، فالوصول إلى مرتبة كبير الطهاة تحتاج إلى موهبة فذة ومسؤولية تنبع من الذات التي تتوق للكمال والرضا عن الذات التي يتم تحقيقهما بروح الفريق الواضح فلا صياح أو إزعاج ولا صوت يعلو على صوت الأيادي الماهرة والطناجر، فالحركة والنشاط والإثارة تلف أرجاء المكان بكثير من الحكمة تصنع هنا المعجزات من أطايب الطعام وأشهى الحلويات وبمعنى أدق الروائح الشهية والشديدة الجاذبية التي لا يصمد أمامها أحد من دون أن يتذوق حبة من هنا وقطعة من هناك.

يقول جاليو: يعرف الكثير من غير الإيطاليين الطعام الايطالي بأنواع معينة من الأكلات الشهيرة مثل البيتزا والإسباغيتي، وغالباً ما يعبرون عن آرائهم في الطعام الإيطالي بأنه متشابه مع بعضه البعض، على الرغم من هذا، يلاحظ أولئك الذين يسافرون إلى إيطاليا اختلاف عادات الطعام بين المدن حتى بين تلك التي تبعد عن بعضها البعض أميالاً قليلة، فلا تملك كل منطقة طابعها الخاص فحسب، بل لكل مجتمع طريقته المختلفة بالطهي، تختلف كل مدينة عن الأخرى في طريقة طهي النقانق والأنواع الخاصة بالجبن والأنواع المحلية للخبز. إذا سألت الناس، حتى في منطقة واحدة عن كيفية إعداد صلصة الباستا، ستأتيك إجابات مختلفة!

حيث يعتبر تنوع الباستا واختلافها مثالاً آخر على التعددية، فهناك النودلز بالبيض الطري في الشمال والاسباغيتي المغلي في الجنوب، ولكل منها مذاقات مختلفة. ربما لا تحتوي أي دولة أخرى في العالم على هذا الطابع في الطهي الجيد وهذا التنوع. لماذا يعد «الريزوتو» خاصاً بميلان مثلا، «والتورتيليني» في بولونيا، والبيتزا في نابولي؟ يُرجع جوليو ذلك الى التنوع الذي تتميز به ايطاليا وتنوع الطعام ما هو إلا مظهر آخر من تنوع الثقافة الايطالية، ومن تراث العمال والفلاحين ومن الاختلافات الجغرافية، فإيطاليا شبه جزيرة يفصلها عن بقية القارة سلسلة من الجبال في أوروبا.

إضافة إلى ذلك، تنحدر سلسلة طويلة من الجبال من الشمال إلى الجنوب عبر هذا البلد الضيق، تخلق هذه السمات الجغرافية بيئات متنوعة تحوي اختلافات ملحوظة، الأودية الخصبة والجبال المكسوة بالغابات والتلال الباردة والصخور الضحلة القاسية والسواحل المطلة على البحر الأبيض المتوسط والسهول الجافة. أوجد هذا أيضاً تنوعاً كبيراً في المناخ مع العديد من المناطق الجغرافية والتاريخية الفريدة من نوعها.

ويؤكد جولي ان الانكسار الجغرافي لن يفسر وحده كيف تنتج دولة كل هذه الأطعمة الغنية المليئة بالدهون المزخرفة في بولونيا المصنوعة من الزبد وجبن الباراميغيانو واللحوم، وتلك الأكلات الخفيفة الشهية اللذيذة المتبلة في نابولي المعدة أساساً من زيت الزيتون وجبن الموزاريلا. والأكلات البحرية والمطبخ في روما الغني بالمنتجات من المناطق الريفية المجاورة، وطعام صقلية المليء بالتأثيرات في شمال افريقيا.

لقد سيطر الرومانيون على الأراضي منذ ألفي سنة تقريباً ودمجوها بالحضارة الإغريقية وأسسوا إمبراطورية أرست أسس الحضارة الغربية، لقد صدروا جميع أنواع وأشكال الطعام إلى جميع أنحاء العالم، إذ كانت السفن الايطالية تحمل الأغذية الرئيسية مثل القمح والنبيذ ومجموعة من التوابل من مناطق بعيدة مثل الصين لإشباع شهية الرومانيين وحبهم للمكونات، أذهلت عادات الطعام الايطالية وأثرت في الأجيال على مر القرون.

وكان سبب سقوط الإمبراطورية الرومانية الرحلات التي لا تتوقف من الغزاة والبربر الذين جاؤوا من مناطق مثل التيبت، فقد دمروا وحطموا الحضارة وأخذوا معهم أيضاً عادات غذائية جديدة. وقد استمر هذا الأمر قروناً حتى عاد الترتيب والنظام إلى الناس، وتمكنوا في العصور الوسطى من بناء شيء يطلقون عليه اسم المطبخ الايطالي.

وتابع جاوليو بأسلوبه الهادئ وكأنه ناقد فني: «بدأت حركة المطبخ الحديث منذ الستينات وكأنها ثورة على المطبخ التقليدي الثقيل المغموس بالدهن والزبدة، لكنها تطرفت في منحاها واقتصر الصحن على جزرتين مسلوقتين مثلما تحول الرسم من تصوير الطبيعة والوجوه إلى خطوط وبقع لونية في المدارس الحديثة، لذا أنصح الطهاة الجدد بأن يبدأ عملهم بإتقان الأطباق التقليدية المعروفة ثم الانتقال إلى الابتكار والحداثة.

وعن إمكانية التجديد في مهنته يقول: «لا يعنيني أن أكون مختلفاً بقدر ما أهتم بالنجاح في تقديم أي صنف أحضره حتى لو لم تكن فكرته جديدة». والأهمية برأيه تكمن في الطعم وطريقة التقديم وليس في اسم المنتج أو الصنف.

ويرجع ذلك إلى أن تحضير المأكولات والحلويات بأنواعها يرتكز على سرعة الأداء والدقة في المكونات، ولا مجال هنا للخطأ أو التردد بسبب الفوضى، «يعجبني أن أمزج بين المواد من دون أن يؤثر طعم إحداها على الأخرى، وهذه مهمة صعبة تحتاج إلى الكثير من التأني».

ويضيف الشيف جوليو: تعرف الأطباق الإيطالية بتوابلها الفاتحة للشهية، ووصفاتها المتوارثة أباً عن جد، وتتكون مائدة طعام الغذاء الايطالية المسماة ب«برانزو» من ثلاثة أطباق.

هي فاتح الشهية أو «إلبريمو» وهو عبارة عن طبق من الشوربة أو المكرونة. ثم «إلسوكوندو» أو الطبق الرئيسي ويتكون من اللحم أو السمك، وأخيراً الحلو أو «دولتشي» ويكون عادة من الفواكه أو الآيس كريم أو الكعك، بعد ذلك يمكن تقديم فنجان من القهوة الإسبريسو الشهيرة بنكهتها الإيطالية الفريدة.

وينفي الشيف جوليو ما يتردد عن زيادة استخدام الدهون والنشا في المطبخ الإيطالي قائلاً: «المطبخ الإيطالي صحي للغاية بفضل توفر واستعمال زيت الزيتون في معظم الأطباق، فبالإضافة إلى فوائده الصحية العديدة، فهو أيضاً يكسب الأطعمة مذاقاً مميزاً. فضلاً عن كل هذا فإن المطبخ الإيطالي قليلاً ما يستخدم اللحم الأحمر، فنحن نفضل اللحم الأبيض سواء كان الدجاج أو الأسماك».

دبي - رشا عبدالمنعم