»يمكن أن يرى الناس في السفر متعة تغير نمط الحياة وتكسر روتين العمل، لكن عملي يتطلب مني أن اكون مسافرة طوال الوقت، لذا صار السفر هو الحالة الدائمة والاستراحة في الجلوس مع أسرتي وعدم الخروج من البيت« .

هكذا عبرت سامية جميل مضيفة طيران عن علاقتها بالسفر الذي تمارسه بشكل مستمر بحكم عملها ، مشيرة إلى أنه أبعدها كثيرا عن أسرتها وجعلها في حالة شوق دائم للأجواء العائلية.والسفر المتكرر يفقد خصوصيته الممتعة ودهشته التي تعارف الناس عليها ، وأسفار العمل خاصة تجعل أصحابها في حالة تأهب دائمة، يفتقدون الشعور بالاستقرار.وفي ذلك يشير أشرف الحردان صاحب شركة للحراسات الأمنية إلى أن طبيعة عمله تضطره إلى السفر مرتين أو ثلاث خلال الشهر الواحد ما جعل علاقته بأسرته بعيدة جدا ، مضيفا : صارت كلمة الاشتياق صغيرة جدا أمام هذا الشعور بالافتقاد الدائم الى حياة الأسرة، والسفر المتكرر صعب جدا لكن الأهل بدأوا يتفهمون الأمر لاسيما مع وجود مردود مادي مناسب لهذا الغياب عنهم، لذا أصبح سفري معتادا لوالدتي بالذات.فهي أكثر الأشخاص الذين يعنيني رضاهم ويهمني ألا يؤثر سفري المتكرر سلبا عليها، فمن المواقف الصعبة التي مررت بها هي حين جاءت الى زيارتي في بيتي لمدة اسبوعين واضطررت للسفر وتركها وحدها في البيت ومع أنها أظهرت تفهما كبيرا لحالتي لكنني أشعر أن هذا الأمر يصعب تجاوزه، وأنا لم أتزوج بعد فمن الصعب أن أجد المرأة التي تتفهم فكرة سفري الدائمة.

وبصراحة لو كانت لي أخت لا استطيع الموافقة على ارتباطها برجل دائم السفر، لأن هذا الأمر لن يشعرها بالاستقرار، وهو أمر أعرف صعوبته على كل شخص يفكر في الارتباط الأسري، لأنني أعيشه خلال عملي، ولو فكرت بالزواج فربما عليّ التخلي عن بعض مزايا عملي التي تتطلب مني السفر لصالح أسرتي.ولأحمد مفتاح قبطان بحري تجربة أخرى مع السفر إذ يقول : منذ أن بدأت حياتي العملية عام 2002 بالسفر المتكرر وأنا أشعر أنني قد تحولت إلى ضيف على أسرتي ، فالأوقات التي أكون موجودا معهم بها أقل بكثير من الأوقات التي أكون فيها في حالة سفر، وفي البداية كانت الأمور صعبة جدا معي لكنني تأقلمت معها بمرور الوقت وصرت أشعر أن حالة السفر هي الحالة الطبيعية .فقد اخترت نوع عملي وأعرف أن السفر سيكون ملازما لي في كل الأوقات، وحتى الآن أجد متعتي في الأسفار المختلفة التي أحاول أن أعيش تجربتها وكأنني في حالة سفر للمتعة وليس العمل.وواجبات العمل تجعل السفر أمرا لابد منه، فكثير من الاعلاميين يتابعون الأحداث المختلفة في العالم ما يجعلهم دائمي السفر، ومنهم مذيع قناة العربية محمد أبو عبيد، الذي يقول : كثيرا ما أسافر بحكم عملي إلى أماكن مختلفة من العالم لكنني أجد في السفر متعة كبيرة أنسجم معها، ولا أعتقد أن له أثر سلبي على حياتي .

فقد بدأت السفر منذ كنت في الثامنة عشرة من عمري وتعودت والدتي على غيابي وحبي للمغامرة، وحتى في الحياة الزوجية في المستقبل أعتقد أن الزواج الذي يقوم على أسس صحيحة وسليمة لا يتأثر بموضوع السفر خاصة إذا توفرت للزوجة فرص السفر مع زوجها خلال عمله، وهذا الأمر إذا كان متاحا يشكل متعة كبيرة لكلا الزوجين.

وأنا أتعامل مع موضوع السفر الخاص بالعمل بشكل ايجابي جدا ما يجعلني في حالة انسجام مع أي عمل أكلف به ويتطلب مني حزم حقائبي.

ومع كل المتعة التي يجدها المسافرون فإن السفر يشكل حالة انتقالية وتغيير في الأوضاع يؤثر سلبا على الوضع النفسي والاجتماعي، حيث يناقش الاختصاصي النفسي الدكتور خليل الكرخي الأمر قائلا : للسفر تأثير على الناس على مستويات متعددة هي مستوى الاشخاص أنفسهم ومستوى الأسرة ومستوى المجتمع، فتأثير السفر على المستوى الشخصي يكون حين يعيش المرء حالة نفسية تسمى القلق بعد الاسترخاء، فالأشخاص المقبلون على السفر يسيطر عليهم قلق السفر وتوتره إضافة الى الارهاق الجسدي والمادي، واضطراب التكيف التي تفرضها حالة الانتقال من مكان إلى آخرمختلف.

فالتغيرات النفسية التي تنتاب المرء بتغير محيطه تحتاج من ثلاثة أشهر إلى ستة ، وهذه الحالة تعتمد كذلك على طبيعة الشخصية وانسجامها مع السفر والمغامرة، فضلا عن أن الجسد يحاول التكيف مع التغيرات المناخية والمكانية التي يتعرض لها جراء السفر المتكرر وربما تحصل إضطرابات جسدية لبعض الأشخاص نتيجة لتغيرات الظروف المحيطة بهم.

وللسفر تأثير نفسي كبير على الأسرة خاصة الزوجة والأبناء إذ يؤدي غياب الأب أو الأم المتكرر إلى تكريس شعور الفقدان والشعور بعدم الاستقرار الأسري، كذلك يتكرس الشعور بالحرمان العاطفي الذي يمثل العدو الأول للأسرة.

نافذة

السفر المرتبط بالعمل يمثل حالة يعيشها كثير من الناس العاملين في مجالات مختلفة، حيث تنعكس تجارب السفر على شخصية الانسان بشكل واضح.

كما يشير الدكتور خليل الكرخي الذي يؤكد أن طبيعة الشخصية تتأثر كثيرا بموضوع السفر إذ نجد أن الأشخاص الذي يتكرر غيابهم عن البيت تنفصم عرى علاقتهم بالأسرة ويصبح حضورهم مؤقتا وطارئا ويكون تفاعلهم محدودا جدا مع الأسرة فهم يعيشون حالة الضيف ضمن إطار عوائلهم، وفي الغالب يتعود الأهل على غيابهم بعد مدة من الزمن ولا تكون لهم أدوار مؤثرة في حياة الأبناء أو الأخوة أو حتى محيطهم الاجتماعي.

دبي - دلال جويد