مثلما نجوم العصر الكلاسيكي للسينما المصرية، ظلت هناك اشتراطات غير مدونة تحدد من يعتلون المنابر الإعلامية، لاسيما الحكومية منها.. الطلة، الثقافة، الجاذبية، أناقة الملبس، والوسامة طبعا.. لكن يبدو ومثلما تراجعت وسامة شكري سرحان وجاذبية رشدي أباظة ورومانسية عماد حمدي في السينما، وحل بدلا منها رومانسية محمد سعد وجاذبية خالد صالح ووسامة محمد هنيدي..

تراجعت أيضا بين الإعلاميين، حتى صار المشاهد ككرة تتقاذفها بدانة عماد أديب تارة، وقلة فطنة شقيقه عمرو تارة أخرى وسخريات مفيد فوزي ومعتز الدمرداش تارة ثالثة.. ما يعني أن كل المعايير باتت مطاطة، وغير محكومة بإطارات دقيقة.. تعالوا نتعرف إلى ما حل بقوانين انتقاء الإعلاميين بعد حقبة الانفلات الفضائي.لعل ما أثار قضية المذيع هذه الأيام وجود تشريع قانوني في التلفزيون السوري مُطبَّق منذ 4 أعوام؛ يحدد شكل المذيع ووزنه وطوله ، لكن بالنظر إلى ميثاق الشرف الإعلامي المصري، نجد أنه لا يتضمن شكل المذيع ومظهره الخارجي، على الرغم من أن قوانين العمل الإعلامي تناولت مختلف جوانب الممارسة الإعلامية وأخلاقيات العمل الإعلامي العربي.

وهذا الكلام على مسؤولية د.عبدالعزيز السيد أستاذ مادة التشريعات الإعلامية، الذي أكد أن القوانين الإعلامية تتعدد فيها البنود والأحكام وفقًا للعديد من التصنيفات، منها ما هو وفقًا لطبيعة الأحكام، وتضم القواعد العامة والاستثنائية والجدلية، وما يضم أحكامًا متعلقة بنشر الثقافة، وما هو خاص بالأخبار والوسيلة نفسها، وما يحدد ويصنف الممارسين والإعلاميين.

وما يحدد اتجاه مستخدمي الوسيلة نفسها، ومنها ما يحدد طبيعة المعلومات وأسلوب التقديم، لكن لا يوجد قانون بنص ظاهر يحدد المظهر الخارجي لمقدم البرامج، على الرغم من وجود المعايير التي - في مجملها العام - تحكم الضوابط الأخلاقية والقانونية، وتحكم ممارسة العمل الإعلامي في إطار من المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية بما يفرض على الإعلامي أن يقوم بواجبه نحو المجتمع.

ويتمثل قانون الإعلام في الضوابط الأخلاقية، والإعلامية للموضوعات، والأنشطة، والقضايا المختلفة في إطار من الموضوعية والتوازن في عرض الحقائق والمعلومات والأفكار والآراء، التي من شأنها أن تدعم الديمقراطية، وتضمن مشاركة الرأي العام في الأحداث الجارية.

مضيفًا أنه منذ العام 1970 صدر القانون رقم 62 للعام 1973 بإنشاء اتحاد الإذاعة والتلفزيون في مصر، ولم يصدر قانون ينظم شكل المذيع، ولكن قيل إن التلفزيون المصري سيصدر قرارًا يحدد شكل وعمر المذيعين، وتساءل مستبعدًا:

هل يستطيع التلفزيون المصري أن يصدر هذا القرار؟ مشيرًا إلى أن القانون الذي طبقه التلفزيون السوري على شكل المذيع من وزن وعمر وطول، فقال: (كان نص القانون السوري كالآتي: حرصًا على حسن ظهور المذيعة بالشكل الأنسب نرغب بالتقيد بما يأتي: يجب على المذيعة أن يكون وزنها مقبولاً، وعند تجاوز هذا الوزن تقدم طلب إجازة.

وقد حدد القانون السوري أيضًا طول المذيعين بين 150 و160 سم، وألا يزيد الوزن على 60 أو 65 كيلوجرامًا، وطبق هذا النظام في سوريا منذ 4 أعوام، وأكد أن مثل هذه القوانين لم تشرع في مصر حتى بظاهر الدستور الذي يؤكد حرية الأفراد في ممارسة أي مهنة، فلا يمكن أن يكون شكله عائقًا أمامه مادام يمتلك الإمكانيات التي تؤهله.

المهنية أولا

الإعلاميون بدورهم أعلنوا مواقفهم المناهضة لقانون يمنع أحدهم من ممارسة العمل الإعلامي على أساس الشكل، وفي هذا الصدد ذكر رئيس قطاع الأخبار بالتلفزيون المصري عبداللطيف المناوي، أنه لا توجد في العالم قوانين تحدد الشكل العام لمقدمي البرامج سوى بعض القواعد العامة التي تهتم بالتفاصيل المتعلقة بالتقديم، مثل ثقافة التخصص، فهم البروتوكول الإعلامي جيدًا.

كما أضاف: «لم أصادف داخل المؤسسات الإعلامية أي قانون يحدد الشكل العام للمذيع أو المذيعة، فلا يوجد داخل المؤسسات الإعلامية سوى قوانين وأعراف تحكم العمل الإعلامي نفسه، وتحدد أسلوب القائمين بالاتصال، بل- أحيانًا- تحدد هذه الأعراف تفاصيل دقيقة تخص القائمين على وسائل الإعلام من دون أن تحدد شكل، وزن، أو عمر المذيع أو المذيعة، وهذه التفاصيل تحدد أولويات العمل الإعلامي، من سلوك الإعلامي، وطريقة نشر الأخبار، والرؤية، وهكذا.. لكن في النهاية تبقى المهنية والكفاءة هي الأساس في عمل المذيع.

الرأي نفسه يؤكده الإعلامي وائل الإبراشى الذي قال إنه لا يستطيع أحد إغفال المظهر الخارجي لمقدم البرامج، ولكن أيضًا لا نستطيع أن نضعه على رأس قائمة شروط الإعلاميين خاصة المذيعين، فلا يجب أن نعتبر الشكل الخارجي أساسًا يمكننا أن نبني عليه نجاح مذيع وفشل آخر، فهو ليس مقياسًا مهنيًا لأن نجاح المذيع يحتاج إلى صفات أخرى مثل الحضور أو القبول العام وأيضا الموهبة، ويحتاج أيضًا إلى ثقافة عامة ومتنوعة، فيجب أن يكون المذيع قارئا ناجحا في كل المجالات.

ولا يختار جانبا ثقافيا ويترك الآخر، ويجب أيضًا أن يتمتع بصوت قوي، ولغة عربية سليمة أي «قدرات لغوية»، وأن يتمتع بأسلوب قوي، خاصة أن المنافسة اليوم في القنوات الفضائية أهم بنودها ليس المظهر الخارجي.

ولكن الموضوعات المقدمة وفكرة البرنامج نفسه، والدليل أن في وسط هذا الكم الهائل من القنوات استطاع مقدمو البرامج أن يحققوا شعبية كبيرة ونسبة مشاهدة عالية، على الرغم من أنهم ليسوا فائقي الوسامة والجمال ولكنهم يمتلكون حضورًا إعلاميًا ولديهم أدواتهم الخاصة التي كانت السبب في تحقيق المجد لهم، أما المظهر الخارجي فلم يكن يومًا أهم معايير النجاح والتألق.

ضد القوانين

بدورها تؤكد الإعلامية بثينة كامل أنه لا يوجد أي بند قانوني أو دستوري يحدد الشكل الخارجي للمذيع أو مقدمي البرامج بشكل عام، وأضافت أن صدور أي تشريع أو بند قانوني يحدد شكل المذيع أمر يعتبر ضد حقوق الإنسان، فمن حق المشاهد أن ينتقي ما يريد وأن يشاهد ما يريد بعيدا عن مسألة الشكل الخارجي، وذكرت أنه من الممكن أن تحدد بعض المؤسسات الإعلامية القواعد العامة التي ينبغي أن يتبعها المذيع.

فمثلا تحدد جلسة المذيع وطريقته وأسلوبه، بل تحدد أحيانا ارتداء ملابس معينة مثل ارتداء الزي الرسمي والألوان القاتمة وغير المنقوشة (السادة) في حالة تقديم نشرات الأخبار وارتداء الملابس الخفيفة والملونة في تقديم البرامج ال (لايت) أي البرامج الخفيفة، ولكن ليس من حق أي قانون على مستوى العالم أن يحدد بنودا تحصر شكل المذيع وتضع الإعلاميين في قوالب، فهذا أمر مرفوض.

في السياق ذاته قال الإعلامي د. عمرو عبدالسميع إن هناك بعض القنوات التي تحدد لمذيعيها شكلاً محددًا، فمثلا هناك قنوات تحدد شكل المذيع بأن يكون مذيعًا رسميًا في شكله، طريقته، ملابسه، وأسلوبه، وغالبًا ما تكون هذه القنوات إخبارية، وقنوات أخرى تختار مذيعين يتمتعون بوسامة، وقنوات لا تحدد شكلاً لكنها تطلب القواعد العامة.

وهي حسن المظهر والثقافة، وأذكر أنني لم أصادف مطلقًا في أي قناة خاصة أو حكومية بندًا واحدًا يحدد الهيئة العامة والخارجية لمذيعيها سوى قرار التليفزيون المصري بعدم عمل المذيعات المحجبات، وهذا الموقف لم أفهمه حتى اللحظة، ولا أعرف أسبابه، فأنا ضد وضع قانون يقيد المذيع بشكل ما؛ لأن الشكل الخارجي ليس مهمًا، ولكن ما يقدمه المذيع هو الغاية، إضافة إلى أن هذا تدخل في حرية المذيع كمواطن عادي من حقه أن يلبس ما يشاء.

الرأي العام

وقال د. سامي عبدالعزيز الخبير الإعلامي الأستاذ بإعلام القاهرة «ليس هناك أدنى قواعد مهنية يتم من خلالها اختيار المذيعين، لكنها تخضع لسياسات شركات القطاع الخاص، التي استحوذت في الفترة الأخيرة على الفضائيات، وهذه القواعد ليست بالضرورة أن تكون قواعد مهنية».. مشيرًا إلى أنه من المشكوك فيه القول بأن هذه القواعد تخضع لرؤية فيها أداة للانتقاء، ومعايير محددة للاختيار.

وأضاف: «لا توجد قوانين تضعها أي دولة لاختيار شكل أو مواصفات المذيعين، وحتى لو وضعت بعض الدول، فإنها قيد التنفيذ أي أنها ليست إجبارية التنفيذ، فالمذيع يخضع لقانون الرأي العام في مدى قبوله من عدمه.

ومن ثم فهذا هو المقياس الذي لا بد أن نقيس عليه، أما فيما يتعلق بالاختيار بناءً على الخلفية العلمية، المؤهل، أو المظهر، فهذا لم يتم في قنواتنا، فاختيار المذيع لدينا ليس له علاقة بقواعد مهنية ملزمة».. مؤكدًا أن الاختيار يأتي - في كثير من الأحيان - من «باب المجاملة» أكثر من «باب المؤهلات».

وجوه كسيحة

وقد حدد د. سامي 3 فئات تبنَّتها الفضائيات والقطاع الخاص للظهور على شاشاتها، الفئة الأولى اعتمدت على النجوم، أما الفئة الثانية الاعتماد على الوجوه الجديدة، وهذه هي الفئة التي ينطبق عليها مبدأ المجاملة أكثر من المهنية أو المؤهل، مشيرًا إلى أن الفئة الثالثة تكمن في الوجوه «الكسيحة» التي ليست لها معنى في القنوات الأخرى، ومن ثم يأتون بهم لخبرتهم في العمل الإعلامي، وأجورهم المنخفضة.

وأضاف أن هناك ميثاق شرف إعلامي لا بد أن يلتزم به الإعلاميون في القطاعين، الخاص والعام، وإذا تعداه الإعلامي فلابد أن يقدم للتحقيق استنادًا إلى ميثاق الشرف، منوها بأنه لولا هذه المواثيق لما استطعنا التحكم في الأجهزة الإعلامية، وما تقدمه من مضمون، فالبعض يسلك اتجاهًا معارضًا للحكومة بأسلوب غير لائق.

والبعض يتجه إلى الجنس، وتبني الألفاظ الخادشة للحياء، فإذا كان لا بد من قوانين تحدد العمل الإعلامي والقائمين عليه، فيجب أن تتعلق هذه القوانين بمضمون العمل الإعلامي لا بشكله الخارجي.

القاهرة - دار الإعلام العربية