هل لا تزال الأغنية الوطنية صالحة لعصر ينتمي إلى المادة ، وهل تكوين مطربين أمثال عبدالحليم حافظ وأم كلثوم في بيئة مصرية خالصة يتساوى مع تكوين أجيال نشأت على عولمة الفن؟
.. تساؤلات لا نهاية لها حول قيمة ما يُقدم حاليًا - تحت عنوان «الأغنية الوطنية»، بعد انتشارها بشكل مبالغ فيه، ما دعا أغلب المطربين إلى تقديم أغنية تسجل في تاريخه باعتباره مناضلاً أو باعتباره قد غنَّى ألوان الغناء كافة.ليس التساؤل هنا للتشكيك في وطنية المطربين؛ وإنما للوقوف على حقيقة هذه الأغنيات، والهدف من ورائها، ومدى وعيها بمفهوم الأغنية الوطنية.. «الحواس الخمس» ناقش القضية عبر السطور التالية..شهد الوسط الغنائي المصري عددًا هائلاً من الأغنيات الوطنية، خاصة قبل وبعد أحداث مباراتي مصر والجزائر في القاهرة والسودان، كذلك بعد حصول المنتخب المصري على كأس إفريقيا للمرة الثالثة على التوالي، والملاحظ في هذه الأغنيات أنها كانت- سريعة التجهيز مثل مأكولات «التيك أواي».
حيث لم تستغرق صناعتها أيامًا، بين كتابة وتلحين وتوزيع وتصوير، فمطربون أمثال محمد حماقي، هشام عباس، حمادة هلال، راندا حافظ، إيهاب توفيق، شيرين، هاني شاكر، شعبان عبدالرحيم ، جهَّزوا أغنيات في لمح البصر، بمناسبة الكرة أو عودة الرئيس مبارك سالمًا من رحلة علاجه في ألمانيا.
الناقد عصام زكريا يصف الكم الهائل من الأغاني الوطنية بأنها مجرد «هوجة»، وشبهها بما حدث عندما ظهر المطرب سامي يوسف، وقدَّم مجموعة من الأغاني الدينية التي لاقت نجاحًا مدويًا، بعدها ركب المطربون جميعهم قطار الأغنية الدينية ك«موضة».
وهذا ما حدث مع الأغاني الوطنية، وتساءل: أين كان نجوم الطرب منذ أغنية شادية «يا حبيبتي يا مصر»، أو أغنية المطربة نجاح سلام« يا أحلى اسم في الوجود»، أو أغنيات عبدالحليم وأم كلثوم التي لا تعد ولا تحصى؟!
لوجه الشهرة
تمنت الناقدة رانيا يوسف أن تكون الأغاني الوطنية خالصة لوجه الوطن، لا لوجه الشهرة، وتضيف: «حب الوطن لا بد أن يكون نابعًا من داخل الفنان كما كان يفعل عبدالحليم وأم كلثوم، عندما قدما أغنيات وطنية لم يقصدا بها شيئًا إلا التعبير عن حب الوطن، وإثارة الجماهير لتحقيق منجز وطني؛ لذا فالجمهور العربي كافة لايزال يخلد هذه الأعمال في ذاكرته.
حماس وبرودة
الناقد محمد سعيد صاحب موسوعة «أشهر مئة في الغناء العربي»، فيرى أن الأغنية الوطنية بدأت منذ الموسيقار سيد درويش الذي شدا بأجمل الوطنيات، على رأسها النشيد الوطني المصري، «بلادي بلادي»، كذلك أغنية «قوم يا مصري»، وجاءت أم كلثوم لتشدو بأفضل الوطنيات التي كانت تعطي الجنود دفعات قوية في ساحة المعركة..
حيث كانت تمزج بين العاطفة واستثارة المشاعر الوطنية ومسؤولية الشعب، أما حاليًا - فقد أصبحت الأغنية أكثر نعومة ورقة، بل وبرودًا، ولا يوجد لها أي هدف؛ لذا لا تعيش في ذاكرة المستمع سوى أيام، وتزول مثل نوبة البرد، عكس الأغاني الوطنية القديمة التي لم يوقفها الزمن عن الاستمرار في خطف إعجاب المستمع في أي مناسبة وطنية.
صراخ مصطنع
بينما كان الموسيقار عمَّار الشريعي قاسيًا في حكمه على من يتصدى للأغنية الوطنية حاليًا، فقد وصف مطربي الأغنية الوطنية ب«كدابين الزفة»؛ لأنهم يعلنون عن حبهم لمصر في الانتخابات أو مباريات الكرة.
بينما لا يسألون عنها وقت الشدائد، فقد تحوَّلوا - حسب عمَّار- إلى شخصية الحبيب الذي يملي شروطه على محبوبته، فمصر تميل إلى من يحبها بشكل حقيقي وهو صامت، بدلاً ممن يعبر عن حبه بصراخ مصطنع يفتقد الكلمات المتزنة، التي لا تصارح بالعيوب، فهذا التعبير المثالي لا يمثل حبًا بل نفاقًا لا طائل من ورائه.
وتساءل عمَّار عن معنى كلمات أغنية «لو كنا بنحبها»، التي يغنيها مجموعة المطربين «تامر حسني، حسام حبيب، سومة، مدحت صالح، بشرى»، في حين غنى محمد عبدالوهاب «حب الوطن فرض عليَّا»، بمعنى أن حب الوطن من الدين، وأشار إلى أن أغنية «يبقى أنت أكيد في مصر»، التي يغنيها كل من مي سليم، محمود العسيلي، محمد كيلاني»، ما هي إلا صياغة أخرى أقل جودة لأغنية «يا حبيبتي يا مصر».
أما إسلام خليل مؤلف أغنية «مبروك شفاك يا ريِّس» لشعبان عبدالرحيم، فيقول إنه قرر تأليف الأغنية بعد الجراحة الناجحة للرئيس مبارك؛ لأنه مثَّل أي مواطن كان يشعر بخطر غياب الرئيس، وقبل أن يبدأ في كتابتها استطلع آراء طبقات شعبية، فوجد تأييدًا لعمل أغنية تليق بهذه المناسبة، فالأغنية - حسب خليل - ترجمة وتوثيق لمشاعر العائلة المصرية تجاه عودة الرئيس.
وأضاف: تعرضت لانتقاد شديد، ليس في هذه المرة فقط، لكن في المرات السابقة، خاصة بعدما كتبت أغنية تعبر عن نبض الشارع المصري تجاه الحزب الوطني، وهي «من أجلك أنت»؛ حيث فتحت علي نيران المعارضة، واتهموني بتملق الحزب الحاكم، على الرغم من أنهم لو استمعوا إليها جيدًا لأدركوا أنها مطالب من الشارع للحزب الوطني.
وقد نفى المطرب الشعبي شعبان عبدالرحيم أيَضًا كون أغنيته محاولة للتقرب إلى الرئيس من أجل مصلحة شخصية، إلا أنه قال ببساطته المعهودة: «حينما علمت بمرض الرئيس شعرت أن الشعب المصري كله مريض»، وحين علم شعبان بشفاء الرئيس قرر إهداءه الأغنية بعيدًا عن النفاق أو غيره حسب قوله.
وطنية بالتكليف
شيرين عبدالوهاب، مطربة الوطنيات الأولى في مصر، كانت قد أكدت في تصريحات للصحف المصرية أنها تلقت تكليفًا من الإعلام المصري بتنفيذ أغنية «ريِّسنا».
ونفت أن يكون لها مصالح شخصية دفعتها الى ذلك، وبررت موافقتها على أداء الأغنية بتكليف الوزير الذي أكد لها أنها «صوت مصر»، وأن الرئيس مبارك يحب صوتها، وهو ما أنهى ترددها بشأن الأغنية؛ لأنها كانت خائفة من تكرار أغنيات وطنية بعد تجاربها كثيرة في هذا اللون، مثل «ماشربتش من نيلها»، إلا أنها اعتبرت أن غناءها للرئيس حبًا حقيقيًا تجاه شخصية تعتبرها أبًا لكل المصريين.
ولم يختلف رأي المطرب هاني شاكر؛ حيث قرر فور نجاح الجراحة للرئيس أن يقدم أغنية يخاطب فيها الشعب المصري، ويهنئه بعودة الرئيس، وبالفعل كثف جهوده حتى انتهى منها قبل ساعات من إعلان حضور الرئيس للقاهرة، وأسماها «نوَّرت مصر».
القاهرة - دار الإعلام العربي

