هو الانسحاب، مؤقتاً كان أو دائماً، شعار من لم يستطيعوا التعامل مع الموجة المسيطرة على الساحة الغنائية، فمنهم من غاص في الأعماق ولم يسعفه الوقت لكي يظهر على السطح ثانية، ومنهم من اختفى في ظروف غامضة، ومنهم من يعتبر غيابه فترة نقاهة لتقييم أحلام العودة من جديد.

علامات استفهام كثيرة حول نجوم الغناء الذين لمعوا بعض الوقت ثم انطفأ حضورهم فجأة من دون أسباب، فما الأسباب المقنعة لاختفاء صوت نادر مثل صوت عفاف راضي الذي أقنع الموسيقار بليغ حمدي بأن يعيش حلم المشروع الأوبرالي الشرقي. ولماذا اختفت نادية مصطفى بصوتها الأصيل، ومتى تلمع غادة رجب مرة ثانية، ولماذا ابتعد خالد عجاج منذ 3 أعوام، وأين علي حميدة، صاحب صيحة «لولاكي» الشهيرة؟نجوم الابتعاد يعترفون لـ «الحواس الخمس»، وهناك من يعترف نيابة عنهم ويحلل أسباب الغياب.على الرغم من أنها كانت مشروعاً فنياً كبيراً تورط فيه الموسيقار بليغ حمدي برغبة كبيرة، فإن عفاف راضي ابتعدت عن الغناء.

واكتفت بالتعامل معه من بابه الأكاديمي، فهي حاصلة على دكتوراه من أكاديمية الفنون، كما اقتصر وجودها على حفلات دار الأوبرا فقط.ورفضت أن يكون لها دور في موضة الأغاني الهابطة بعد تقديم آخر ألبوماتها «آخر قرار»، ويبدو أنه كان قرار البعد، منذ عدة أعوام، على الرغم من مشوارها الفني الممتد منذ نهاية ستينات القرن الفائت، بعدما قدمت حوالي 500 أغنية. كما نالت عدة أوسمة رفيعة من ملوك ورؤساء الأردن والجزائر واليمن بجانب عشرات شهادات التقدير في المحافل الدولية، علاوة على أنها المطربة المصرية الوحيدة التي حصلت على الجائزة الكبرى في مسابقة فرنسا الدولية كأحسن صوت في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية من خلال أغنية «القمر سهران» لرضا أمين وصلاح الشرنوبي.

إضافة إلى تعاملها مع كبار ملحني مصر أمثال محمد الموجي، كمال الطويل، منير مراد، محمود الشريف، حلمي بكر، محمد سلطان، جمال سلامة، عمار الشريعي، الأخوين رحباني، سيد مكاوي، وبليغ حمدي الذي أقنعها بالغناء الشرقي وترك الغناء الأوبرالي الغربي؛ لينفذ بها مشروعاً يجمع بين الغناء الشرقي والأوبرالي.

ابتعاد غادة

كذلك كان ابتعاد غادة رجب على الرغم من صوتها الأخاذ وطبقاتها المتمكنة- بحسب خبراء- وقد جاء غيابها بعد أن لحن لها المطرب كاظم الساهر آخر أغنياتها «ابعد عني يا ابن الناس»، وكأنها كانت تقدم وثيقة ابتعاد عن الجمهور، واستمر حضورها مقصوراً على الحفلات الغنائية؛ حيث تؤدي أغنيات خالدة لكبار المطربين.

غادة، بحسب المقربين منها، لن تعود إلى الغناء إلا لتقديم أعمال مقنعة، فقد رفضت كل العروض باستثناء «دويتو» مع كاظم الساهر، كما اكتفت بالمشاركة في مهرجانات مثل مهرجان الدوحة، ومهرجان الموسيقى العربية بدار الأوبرا المصرية.

عجاج والقرصنة وروتانا

بين رفض الإدلاء بأي تصريحات صحافية حول أسباب اختفائه وقبوله التحدث، كانت الحيرة على وجه المطرب خالد عجاج وهو يتحدث عن أسباب ابتعاده، فيقول:

لديَّ أكثر من سبب، أولها مشكلة القرصنة الالكترونية التي تسمح لمستخدمي «الإنترنت» بتحميل أغاني الألبومات مجاناً بدلاً من شرائها، ما أثر على سوق الغناء، كذلك لم تعد شركات الإنتاج تعطي المطربين حقوقهم المادية بسبب تدني مبيعات الألبومات، الأمر الذي دفعني إلى إعادة حساباتي من أجل الوصول إلى الطريقة الملائمة للتعامل مع الواقع الجديد، فقررت الابتعاد عن الساحة الغنائية، خاصة أن حالتي النفسية كانت سيئة، بسبب وفاة والدتي بعد صراع طويل مع المرض.

عجاج رفض أيضاً الموجة السائدة في الغناء، وأراد- على حد قوله- ألا يغير نمطه الغنائي، مشيراً إلى أن المطربين المسيطرين على الساحة لا يمتون إلى الفن بصلة على الرغم من كونهم يحققون نجاحات كبيرة ولهم جماهير تعشقهم..

أضاف عجاج ان سبباً آخر من أسباب ابتعاده هو رفض شركة روتانا التجديد له، معتبراً القائمين على هذه الشركة مزاجيين في التعامل مع الفنانين، إضافة إلى التمييز بينهم في التعاملات المادية والدعاية، متعجباً من حصول 3 فنانين فقط على حقوقهم داخل الشركة، والباقون على كف عفريت.

عجاج لم ينس في النهاية أن يلوّح، ولو من بعيد، بحق العودة القريب جداً، والملائم لرجل تخطى عمر الأربعين.

صاحب «لولاكي»

ورغم ظهور علي حميدة في أوائل ثمانينات القرن الفائت، وتحقيق ألبومه الشهير «لولاكي» نجاحاً كبيراً، فإنه اختفى تدريجياً، وكان غيابه لأسباب قوية خارجة عن إرادته، فقد تعرض للسجن، وتخلى جميع زملاء الوسط الفني عنه، إلا أنه يرجع الأمر ظاهرياً إلى أسباب أخرى.

حيث أعلن أن غيابه يعود إلى قيامه بتسجيل رسالة دكتوراه، بعد انهيار أسهمه لدى الجمهور مع إصداره ألبومه الثاني «قربي»، الذي لم تتعد توزيعاته حاجز ال10 آلاف نسخة، وأصبح يشكل ظاهرة خاصة في السقوط السريع، وتوالت عملية انهياره حتى تفاقمت أزمته مع الضرائب؛ حيث فوجئ بأنه مطالب بسداد 13 مليون جنيه، ما دفعه إلى دخول كثير من النزاعات، واضطر إلى بيع شقته بمحافظة الجيزة.

جدير بالذكر أنه بعد 21 عاماً يقرر علي حميدة العودة مرة أخرى للساحة الغنائية بتسجيل أغنية جديدة بعنوان «لو بس ليلة»، من ألحانه وتوزيع يحيى منير، ومن إنتاج محسن جابر، لكن هذه الأغنية تم تأجيل طرحها أكثر من 5 مرات منذ العام 2008.

الحلو.. الحجار.. مدحت

ثلاثي النغم الأصيل، الذين حمّلهم كثيرون راية الغناء بعد عبدالحليم حافظ، لم يستطيعوا التماسك أمام الموجة العاتية، وعلى الرغم من أصواتهم غير المحدودة، التي تصلح لأن تعيش في عصر الغناء الحقيقي وتدخل في دوائر المنافسة، فإنهم تشتتوا بين تجارب التمثيل تارة، وظروف الحياة تارة أخرى، ولم يتماسكوا كموجة مضادة لما هو سائد في بحر الغناء.

فمنذ عدة أعوام كان المطرب محمد الحلو قد أعلن قرار اعتزاله الغناء، وبرر ذلك بأن «كل من هبَّ ودبَّ يغني بهز الوسط»، لكنه عاد وتراجع عن القرار، وصرح بأنها لم تكن فرقعة إعلامية ولكن نتيجة غضبه من تردي حال الغناء في العالم العربي.

عودة الحلو كانت بناءً على رغبة كثيرين ممن طالبوه بالعدول عن قراره، حتى لا يعطي الفرصة لسيطرة الأصوات الشاذة على الساحة، فعاد ليستكمل مشوار الغناء الذي بدأ منذ 30 عاماً مضت.

وللأسباب ذاتها قرر زميل رحلة كفاح محمد الحلو، المطرب علي الحجار، ترك الساحة الغنائية، خاصة منطقة إصدار الألبومات، بعد أن وجد أن عدداً كبيراً من الشباب يفضلون الأغاني السريعة التي تظهر فجأة وتختفي فجأة ولا تترك أي أثر في نفوسهم، وأصبح الحجار يكتفي بغناء بعض تترات المسلسلات، وإحياء بعض حفلات الأوبرا.

وقد رفض مؤخراً الحفل الذي أقيم بمناسبة «عيد الحب»، على الرغم من مشاركة عدد كبير من المطربين الذين ابتعدوا عن الساحة الغنائية مثل مدحت صالح وغادة رجب، لكن أشيع أن الأزهر أعطى موافقته على تسجيل القرآن بصوته، وأوشك على تسجيل المصحف الشريف ترتيلا وتجويداً بأحكامه الأصلية، ما دفعه إلى عدم الظهور كثيراً؛ خوفاً من القيل والقال.

ويكمل الثلاثية المطرب مدحت صالح الذي شغلته زيجاته عن مشوار الغناء، موهبته الحقيقية، ولم يستطع الترويج لصوته المتمكن الذي يؤدي أصعب الألحان لكبار المطربين القدامى بطريقته الخاصة التي تميزه، فحصر مكانته وموهبته في شريط ضيق، لم يستطع الخروج منه، ما يعد نوعاً مختلفاً من الغياب، قد يسمى غياباً إكلينيكياً.

خارج الطابور

تنضم المطربة نادية مصطفى، زوجة المطرب المبتعد أيضاً أركان فؤاد، لقائمة الفنانين الذين رفعوا الراية البيضاء، وتبرر ذلك بأنها رفضت الوقوف في طابور شركات الإنتاج، وأن غيابها خارج عن إرادتها بعد أن قررت السوق الغنائية أن تضعها خارج حساباتها، خاصة أن منتجي الكاسيت قليلون ولديهم مشكلات كثيرة..

أضافت نادية أن الأغنيات التافهة حالياً هي التي تحظى بنجاح، وتسيطر على قنوات العرض؛ لذا أصبح المنتجون يخشون الأغاني الجادة والمطربين الحقيقيين؛ لأننا في زمن أرباع المواهب.

ورغم انزعاجها من الكثير من الأصوات التي ظهرت أخيراً، فإنها عادت لتؤكد أنها ليست ضد أصوات كثيرة مطروحة على الساحة، لكن يجب أن تكون هناك عدالة في التوزيع، فالأصوات الجديدة- حسب قولها- تعتمد على مقومات أخرى ليست لها علاقة بالموهبة أو الصوت أو الكلمة أو اللحن، لكنها تعبئة مساحات من الوقت، في حين تم حرمان الأصوات المميزة من المتنفس الوحيد أمامها للظهور وهو حفلات ليالي التلفزيون، وأضواء المدينة، أو حفلات الإذاعة، بعد أن احتلت مطربات الموضة كل هذه الحفلات.

حفيد خالد الذكر

أما إيمان البحر درويش، حفيد مجدد الموسيقى العربية سيد درويش، فقد أكد أن ابتعاده عن الوسط الغنائي جاء بعد تعرضه لحملة شرسة لإسقاطه بشائعات اعتزاله الغناء لأسباب دينية، ما جعل المنتجين يحجمون عن التعامل معه، علاوة على عدم وجود تقييم جيد لما يقدمه من أعمال، ولم يجد في الوقت نفسه من يذكره بالخير.

ولم يكن ذلك هو السبب الوحيد لابتعاد إيمان عن الساحة الفنية 20 عاماً، لكنه وجد- على حد قوله- أن الحالة الغنائية وصلت إلى حد كبير من التفاهة، والمعاني المستفزة التي تمررها الرقابة بسهولة؛ ليفاجأ الجمهور بإيحاءات غير لائقة.

العودة قريبة لإيمان البحر- حسب تصريحه - بألبوم جديد بعنوان «غصب عنك» ويشمل 8 أغنيات من إنتاجه، والتوزيع لإحدى شركات الإنتاج.

أمام الطوفان

الموسيقار حلمي بكر أرجع ظاهرة ابتعاد نجوم الطرب إلى عدة عوامل، أولها انحسار الأضواء عنهم أو ظهور موجات أخرى من الرقص لا تناسب إمكانياتهم، أو سرقة الأغنيات وتحميلها في غضون ساعات بعد طرحها مباشرة من خلال الإنترنت، إلا أن هناك أسباباً أخرى، مثل قيام بعض المطربين بترك الساحة الغنائية فترة وأحياناً الإعلان عن الاعتزال، كما حدث مع النجم محمد الحلو، الذي حاول استعادة الأضواء إليه، فعاد بعد شهور قصيرة، وأحيا، بين إعلانه الاعتزال وعودته، عدداً هائلاً من الحفلات، ما أثار لغزاً حول موقفه الحقيقي.

أضاف بكر اننا لسنا في عصر غناء وإنما صرنا في عصر «تنطيط» ومؤدين للمونولوجات، أما الأصوات فلا وقت ولا مساحة لها أمام هذا الطوفان؛ لذا يلجأ كثير من مطربينا إلى الابتعاد للحفاظ على تاريخهم، فإيمانهم الوحيد متعلق بخامة الصوت وجودته، وهذه عملة لم تعد مستعملة هذه الأيام.

القاهرة - دار الإعلام العربية