لا يعرف ذلك الشاب الباكستاني، الذي كان يقفز على ايقاع الجاز والروك، على الأرجح، ذلك المغني الأفريقي الذي يهز جسده على المسرح بحركات عصبية. جمهور مهرجان موسيقى العالم «ووماد»، الذي ملأ شاطيء أبوظبي، خلال الأسبوع الماضي، هو جمهور مهرجانات في غالبيته، وليس الجمهور المتذوق للموسيقى.

بوسعنا هنا أن نجادل كثيرا في وظيفة الموسيقى، وجمهورها وأمكنتها، نقاش طويل، قد يورطنا في أفخاخ «العقم»، اذ ينحبس في جدل النخبة والشعب التاريخي. على كل ليس هذا مجال لاستعادة هذا النقاش، رغم أن مهرجان «ووماد»، بريطاني المنشأ، قادر على إثارته، في كل مرة يطلق عروضاته في أي من المئة وستين بقعة حول العالم، بدءا من العام 1982.الباكستاني يقف الى جانب الاسترالية، وقريبا منهما عجوز ايراني، وشلة من الشباب الاماراتي في عمر المراهقة وبعض المصريين، اضافة الى ألمان وروس، وبالطبع جمهور أفريقي عريض من نيجيريا موطن المغني الافريقي فيمي كوتي، وبلدان أخرى في القارة السمراء.

هؤلاء بدوا، اضافة الى عدد من البريطانيين، أكثر الجمهور معرفة بفنون كوتي، وربما بسيرته المرتبطة بشكل وثيق بالسيرة المثيرة للجدل لوالده مغني «الأفرو بيت» الشهير فيلا كوتي، الذي عاش حياة صاخبة بين الفن والسياسة والسجن وقضايا حقوق الانسان و.. الموت بالايدز.الأفارقة والانجليز اختاروا، كما جرت العادة في سائر العروضات التي احتضنتها ثلاثة مسارح على الشاطيء المفتوح أيام الخميس والجمعة والسبت، من الأسبوع الماضي، أن يكونوا في الصف الأقرب الى الخشبة، كونهم يعرفون أكثر من غيرهم طبيعة فن كوتي.

لكن، لم يكن أحد، في تلك الليلة التي هب فيها النسيم البحري بشكل مؤثر، يحتاج فعلا الى معرفة عميقة بأصول الموسيقى النجيرية، او بالسلالة العائلية المثيرة للمغني، لكي يتفاعل مع كلمات أغانيه، التي سيطرت عليها الانجليزية بشكل واضح، وان كانت معانيها تتمحور حول تمجيد افريقيا والتحريض على قيم العدالة والمحبة والتسامح، وقبل ذلك كله.. الحرية.

يتحري كوتي على المسرح بانفعال واضح. يغني الرجل بجسده، كاملا. يهز كتفيه، وعنقه، قبل أن يقفز الى آلة «الأورغ» لكي يثبت ايقاعا معينا، ثم يحمل الغيتار تارة، وآلة النفخ تارة أخرى.

ثلاث فتيات افريقيات يرقصن بطريقة تقليدية، ومنظمة باحتراف متوائم مع الجو، تمكن من جذب انتباه الجمهور المحب للرقص، أو لنقل الذي قصد الشاطيء بدافع الترفيه، بينما اهتم متذوقو ايقاعات «الأفروبيت» بأغاني كوتي نفسها وليس بارتعاشات أجساد الراقصات، اللواتي ارتدين ملابس محتشمة تتلاءم مع البيئة المحلية.

«الأفرو بيت» هو ذلك المزيج بين ايقاعات الجاز والفانك والروك، اضافة الى جذور من النغمات الأصيلة لقبائل وشعوب غرب أفريقيا، تحديدا. حوّل والد فيمي، المؤلف والمناضل فيلا، بدءا من ستينيات القرن الماضي، عبر فرقته الشهيرة «أفريقيا 70» هذا المزيج الايقاعي الى موسيقى عالمية، يمتد جمهورها من القارة الأفريقية كاملة، الى لندن وبرلين، وصولا الى الولايات المتحدة الأميركية. في العام 1977 بيعت مئات آلاف النسخ من البوم فيلا الشهير «زومبي»، والذي فتح باب الشهرة العالمية والجحيم النيجيري في وجهه.

في تلك الفترة، لم يكن عمر فيمي أكثر من 15 سنة، وكان مع والدته يتلقفان الأخبار المرعبة عن ردة فعل الجيش النيجيري على شيوع أغاني «زومبي» التي كانت ترمز الى وحشية حكم وسيطرة العسكر في نيجيريا آنذاك. لقد تمكن فيلا، عبر كلمات مموهة، من تسجيل مواقف سياسية ونضالية قاسية جدا ضد الحكم في بلاده، وبدأ الناس يرددون كلمة زومبي على كل عسكري في البلاد.

ردة الفعل السياسية كانت قاسية أيضا: رمى بوالدة فيلا (جدة فيمي الذي يقفز على المسرح بعزيمة متمرد افريقي) من النافذة، كما رمى به في السجن، وأحرق مركز فرقته الذي أطلق عليه اسم «جمهورية كلكوتا»، معتبرا أن هذا المركز هو بمثابة جمهورية مستقلة عن بلاد نيجيريا(!).

أحرقت ايضا الآلات الموسيقية، وظن الجميع أن فيلا قد مات، ليظهر بعد هذه الحوادث بكفن أمه، الذي قدمه الى رئيس الجمهورية، مع أغنية «كفن الى سيدي الرئيس»، ثم أغنية أخرى هي «الجندي المجهول» تسخر من نتائج التحقيقات التي قيدت حوادث الاحراق ورمي العجوز من النافذة ضد «الجندي المجهول».

بعد مرور عام على تلك الحوادث، كان على فيلا أن يستعيد الذكرى بطريقة لا تنسى. أعلن على الملأ أنه عقد قرانه على 27 امرأة، من أعضاء فرقته المغنيات والراقصات والموسيقيات، ثم أبقى بعد ذلك على 12 امرأة بينهن.

في السنة ذاتها، أي 1978، بدأ اختراقه للقارة الأوروبية عن طريق مشاركة ناجحة في مهرجان برلين للجاز. قبل أن يشرع بعدها بسبع سنوات بتأسيس حزبه السياسي الخاص المسمى «حركة الشعب»، ليزج به في السجن، ويفرج عنه في العام 1984، وهو العام الذي أعلن فيه أنه طلق جميع نسوته، كون «الزواج لا يجلب الا الحقد والغيرة».

«مصر 1980» هو عنوان البوم الوالد فيلا الذي أطلقه في تلك الفترة، بنجاح كبير، ما لبث أن همد قليلا، حتى يعود النجم الأسود الى الأضواء مع انكشاف مرض الإيدز الذي قضى عليه، بعد شهور قضاها في العمل التطوعي والانساني بالتوعية بهذا المرض، وحفلة ناجحة أحياها في الولايات المتحدة الأميركية لصالح منظمة مناهضة التعذيب.

بالتأكيد، ليس في حياة فيلا، هذا القدر من الاثارة الذي ميز حياة والده الصاخبة، لكن موهبته، وربما جنسيته البريطانية، مكنتاه، بدءا من العام 2002، من الانتشار، ومحاولة خلق هوية له مستقلة عن اسم الوالد.

يترجل فيلا عن المسرح بعض مضي أكثر من 50 دقيقة على عرضه الذي اشعل الجمهور. سيدة نيجيرية، بدت في العقد السادس من عمرها، بقيت، وحدها، في زاوية بعيدة عن الصف الأول للجمهور المنتشي، كان تشهق بالبكاء. ربما استعادت سيرة والد فيلا، الذي، كرموز غيره في افريقيا، شكلوا يوما ما حلما افريقيا حزينا وصاخبا.. كما مزيج الجاز مع الروك.

أبوظبي- إبراهيم توتونجي