آلات موسيقية تتكلم بكل اللغات سكنت بعد أعوام طويلة من العزف عليها بين جدران متحف الآلات الموسيقية بمعهد الموسيقى العربية التابع لدار الأوبرا المصرية.

فالمتحف الذي يعد الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط يضم آلات موسيقية عربية وغربية قديمة، تجاوز عمر بعضها ال400 عام.. أعواد وآلات إيقاع لم تعد تستخدم الآن، آلة الطنبورة التي تشبه آلة الكمنجة، وآلة السنتور التي تشبه آلة القانون وغيرها من الآلات التي يتم عرضها وفق أحدث أساليب العرض المتحفي المتبعة في العالم. »الحواس الخمس« تجول بين أروقة المتحف ليتعرف أكثر إلى هذه الآلات التي لاتزال تحمل بصمات كبار الموسيقيين عليها.المكان: معهد الموسيقى العربية، الزمان: العام 1932، الحدث: مؤتمر الموسيقى العربية الأول. دول كثيرة أتت لتشارك، وكل دولة تحمل آلتها التي تعبر عنها، ليقرر المؤتمر آنذاك إنشاء متحف للآلات الموسيقية.

وقد تركت كل دولة من الدول آلتها المميزة لها؛ لكي يأتي اليوم وتتحول فيه هذه الآلة إلى تاريخ ينضم إلى الأرشيف الكبير للموسيقى العربية؛ وليكون المتحف متحدثًا بكل اللغات لكل الأمم في كل العصور، حتى يمكن دراسة تاريخ الموسيقى القديمة والحديثة مع تتبع التغيرات التي تطرأ عليها في كل عصر.

تم إنشاء متحف الآلات الموسيقية في إطار مشروع ثقافي بين وزارة الخارجية الفرنسية ودار الأوبرا المصرية؛ لإعادة الحياة مرة أخرى لخامات موسيقية تعرضت للتلف، وقد أعيد افتتاح المتحف في العام 2002، بعدما تم تطويره بدخول إمكانية سماع صوت كل آلة للزائر، إضافة إلى متابعة كل ما يخص الآلات في كمبيوتر بدار الأوبرا المصرية تم تزويد المتحف به.

جولة موسيقية

خطوات داخل المتحف، آلات في كل ركن، موسيقى في كل حجرة على كل لون، إضاءة خفيفة تلفنا حين نلتقي مدير المعهد الذي يحدثنا عن متحف الآلات ومكوناته وأنواعها، فيقول عماد حميد: المتحف يحتوي على مجموعة من الآلات الشرقية النادرة التي تم تصنيفها وتأريخها وترميمها وإعادتها لرونقها القديم الذي كانت عليه لعرضها بالشكل اللائق، الذي يتلاءم مع فخامة المكان وقيمته التاريخية والفنية.

من أهم الآلات التي يضمها المتحف أوركسترا الآلات الصينية متمثلة في النحاسيات والآلات الإيقاعية مثل »النقرازانات«، إضافة إلى آلات مختلفة من الفيولا، الباندير، الصاجات، المزمار البلدي، الأرغول، الناي، الإكسليفون، البزق، علاوة على نماذج من الآلات التي قام أعضاء المعهد بتصميمها مثل عود للقرارات يختلف في شكله وتركيبه عن العود العادي، كذلك هناك آلات علمية منها آلة لضبط أصوات السلم الموسيقي، و»صونومتر« لقياس الأصوات.

ينقسم المتحف إلى 3 أقسام، قسم الوتريات، قسم آلات النفخ، قسم الإيقاع، فنرى أن مجموعة العود، الذي يعتبر من أهم الآلات الوترية في الموسيقى العربية، قد أطلق عليه »سلطان الآلات«، وقد استعمله علماء الموسيقى في العصر العباسي أمثال الكندي، الفارابي، ابن سينا في شرح الموسيقى النظرية وأصولها.

ولايزال معظم المطربين في العالم العربي يستعملون العود مصاحبا لهم عند الغناء، ومن الآلات التي تدخل في فصيلة العود البزق، الطنبور، الجيتار، المندولين، والبالالايكا، فآلة العود لها تاريخ طويل؛ حيث عثر في مدافن »طيبة« على آلة تشبهها محفوظة بالمتحف المصري ببرلين.

كان العود في بداية ظهوره يحتوي على وترين أو ثلاثة، ثم انتقل العود من المماليك إلى العرب في العصور الوسطى، واحتفت به المدنيات العربية في عصورها الزاهرة وتفننوا في صناعته، حتى زاد أبو الحسن علي بن نافع المشهور باسم »زرياب« الوتر الخامس عليه في أوائل القرن التاسع الميلادي ببلاد الأندلس.

كما استخدم ريشة النسر في العزف بدلا من الخشب، ثم انتقل العود وفصيلتها من العرب إلى أوروبا عن طريق صقلية والأندلس والحروب الصليبية، ثم انتشر استعماله في أوروبا.

يشير مدير المتحف إلى أن اختلاف عدد أوتار العود عبر الزمن، قد أدى إلى ظهور مصطلحات عربية خاصة، هي »العود القديم« الذي يحتوي على أربعة أوتار. »العود الكامل« الذي يحتوي على خمسة أوتار عند صفي الدين الأرموي، 1216-1294، أو في أواخر العصر العباسي وأوائل الفترة المظلمة، ثم العود الأكمل الذي به 6 أوتار في زمن اللاذقي الذي توفي العام 1494.

ويضيف: تصنع أوتار العود من مادة حريرية مغلفة بمادة معدنية بالنسبة للوتر الأول والثاني، أما الوتر الثالث والرابع والخامس فتصنع من أمعاء الحيوان.

عالم آلات

ومن الآلات التي تفرض نفسها على قسم الوتريات بالمتحف، آلة الماندولا التي تشبه آلة الماندولين، إلا أنها أكبر حجما، ويشد عليها 4 أوتار معدنية مزدوجة، ثم آلة الطنبور، وهي آلة وترية من فصيلة العود، صندوقها الصوتي نصف كروي، ولها رقبة طويلة تتسع لعدد كبير من الدساتين لبيان مواضع عنق الأصابع على الأوتار.

وقد عرف قدماء المصريين هذه الآلة منذ حوالي العام 1600 ق.م. في كتابه الموسيقي الكبير يخص الفيلسوف الفارابي آلات الطنابير الموسيقية بأكثر من 120 صفحة، وقد فرق فيها بين صنفين من الطنابير، منهما ما يعرف ب»الطنبور البغدادي«، يستعمل في بلاد العراق، و(الطنبور الخراساني)، وهو الصنف الكبير من هذه الآلات.

وقد انتقلت هذه الآلات إلى أوروبا باسمها العربي، شأنها في ذلك شِأن بقية الآلات الكثيرة الأخرى، إلا أن أوربا لم تعن بها كثيرا، وظل تطور هذه الآلات وقفًا على الحضارات الشرقية، وهي شائعة الاستعمال في سوريا والعراق وتركيا وبعض بلاد البلقان، ويندر استعمالها في مصر.

دموع الناي

آلة الناي تعتبر من أقدم آلات النفخ ذات الثقوب على جانب القصبة، وقد عرفتها مصر قبل الأسر الفرعونية بآلاف الأعوام، بل كانت أحد العناصر الثلاثة الأساسية التي تتألف منها الفرقة الموسيقية في الدولتين القديمة والوسطى: المغني، العازف بالصنج الوتري، النافخ بالناي.

والناي قصبة جوفاء من قصب الغاب مفتوحة الطرفين، ويقع النفخ في القصبة على (حافة الفوهة) ويشترط في الناي الواحد احتواؤه على 9 عقل، يفتح على جدارها من الأمام 6 ثقوب، وثقب واحد من الخلف يخصص لإبهام اليد اليسرى، ويخص منها لليد اليمنى 3 ثقوب أمامية أسفل القصبة، كما يخص اليد اليسرى 3 ثقوب.

ونظرا إلى خلو الناي من المفاتيح؛ فإنه غير قادر على أداء مختلف الدرجات الصوتية التي تتألف منها مقامات الموسيقى العربية؛ لذا فإن العازف يستعمل نايات مختلفة الأحجام لأداء ألحان المقامات المختلفة، كما أن صوته هادئ، لين، عاطفي، شجي، يبعث على إثارة الدموع والشجن، كما أن هناك بالمتحف آلة نفخ صينية تسمى ب»الكنج«.

ويرجع تاريخها إلى حوالي العام 2700 ق.م، وهي قصبات من الغاب مختلفة الأطوال، يتراوح عددها بين 12، 24 قصبة، ولكل اثنتين منهما طول واحد، وهذه القصبات متلاصقة في شكل دائرة تنتهي في قاعدة وعاء من الخشب أو القرع، يستخدم مستودعا للهواء.

وفي نهاية كل قصبة من هذه القصبات لسان يحدث الهواء فيه صوتا إذا ما أغلق ثقب موجود على جدار القصبة من الخارج، وتركب في قاعدة الآلة أسطوانة ملتوية أو ما يماثلها؛ لينفخ فيها العازف.

إيقاعات

أما عن المجموعة الأخرى المنتشرة بين أرجاء متحف الآلات فتقابلنا الآلات الإيقاعية، التي يتفرع منهما الدف، فتختلف الدفوف من حيث الشكل والحجم، فهناك دفوف مستديرة صغيرة وأخرى كبيرة، وهناك الدف المربع، ودفوف مستديرة كبيرة تحمل في إطارها من الداخل مجموعة من الحلقات الحديدية الصغيرة، ويسمى هذا النوع »بالمزهر«، والمزهر يستعمل في الأذكار والمناسبات الدينية.

أما آلة الإكسليفون، التي أتت من بلاد الهند وشرق آسيا وجنوبها، فتمتد من الصين إلى إندونيسيا، وهي من أقدم آلات النقر، صنعها الإنسان من الأحجار، ولاتزال حتى الوقت الحاضر موجودة يضرب عليها بمضارب ثقيلة من الخشب المجفف بعد تعريضه للشمس مدة طويلة، ثم هاجرت الآلة إلى أوروبا منذ العصور الوسطى، وتستخدم في الوقت الحاضر على جميع المستويات الحضارية، فنجدها في القبائل البدائية، كما توجد في أرقى الأوركسترات العالمية.

سلحفاة المندولين

آلة الماندولين من فصيلة العود، إلا أن صندوقها أصغر حجما، كما يشد عليها 4 أوتار معدنية مزدوجة، ويعزف عليها بريشة من »الباغة«، أو من عظام السلحفاة، وتعتبر آلة المندولين في غالبية البلاد الأوروبية آلة شعبية.

وتذكرنا آلة أخري بفيلم »لعبة الست« لنجيب الريحاني؛ حيث كانت هناك شخصية »بلالايكا«، التي أداها الفنان عزيز عثمان، واسم »بلالايكا« كان لغزا لغير المتخصصين في الموسيقى، فهي آلة موسيقية من فصيلة آلة العود ذي الرقبة الطويلة، وهي آلة شعبية ذائعة الاستعمال في روسيا منذ بداية القرن ال18 ثامن عشر، صندوقها صغير وأوتارها كانت تصنع من الأمعاء، واليوم تصنع من المعدن، وينقر عليها بالأصابع أو بريشة.

وفي نهاية الرحلة داخل متحف الآلات نتعرف إلى آلة »الهورن« أو ما تسمى ب»الكورنو«، وقد ظهر اشتقاق هذه التسميات من لفظ عربي هو (قرن)؛ حيث ظهرت الآلة في المدنيات الشرقية القديمة.

وكانت تصنع من قرن الحيوان أو من العظام بعد ثقبتها، وقد عثر في مقبرة »توت عنخ آمون« على 4 آلات نفخ نحاسية، إحداها مموهة بالذهب، ومحفوظة بالمتحف المصري بالقاهرة، ثم انتقلت هذه الآلات إلى المدن العربية، ومنها إلى أوروبا في أوائل العصور الوسطى، وعنيت البلاطات الملكية بهذه الآلات؛ حيث كانت تصنع من أغنى المواد وينقشون عليها صورًا فنية للصيد والحرب.

القاهرة/ دار الإعلام العربية