في حديث صحافي سئل فيه المخرج السوري العالمي الراحل مصطفى العقاد، عن سبب دخوله إلى العالمية في مجال السينما، بينما لم يتحقق ذلك لزملائه خريجي دفعته الدراسية بأميركا المخرج المصري الراحل أشرف فهمي والنجم الفنان حسين فهمي، رد العقاد ببساطة قائلا:

كان أشرف وحسين يملكان تذكرتين للسفر إلى أميركا ذهابا وعودة، بينما أنا دخلت إلى أميركا بتذكرة ذهاب فقط، لأنني لم أكن أمتلك ثمن تذكرة العودة، ولذلك أجبرت على البقاء في غربتي، وكان علي إما أن أموت جوعا، أو أعمل بجدية خالصة لأواصل الحياة فكانت العالمية.وعندما أجاب عمر الشريف عن نتيجة مشواره كممثل عالمي، قال وعيناه دامعتان: غير نادم وسعيد بما حققته، ولكنني اعترف على الرغم من الشهرة والنجومية التي حققتها في العالم، إلا أنني كنت سأرفض مشوار العالمية لو عاد بي الزمان إلى الوراء، فقد كنت في مصر ممثلا مشهورا ومتزوجا وحياتي مستقرة ولي أصدقاء، ماذا أستفيد الآن وأنا مشهور في اليابان وأجلس هنا وحدي في باريس.

وماذا يعني أن أكون معروفا في ايطاليا وأميركا وأنا لا أعيش معهم وافتقد الإحساس والروح المصرية والمصريين الطيبين، وخصوصا الناس الغلابة الذين تجدهم على الرغم من الفقر وظروف الحياة الصعبة يبتسمون ويقولون لك في طيبة: يا عم ربنا كبير خليها على الله.انتهى كلام مصطفى العقاد وعمر الشريف، ولكن يبقى رنين كلماتهما البسيطة في معناها، القوية في مغزاها، تلح على الذاكرة خلال لقائي الممثل المصري محمد كريم، الذي خص »الحواس الخمس« خلال زيارته السريعة إلى دبي، بفتح ملف تجربته الأولى مع السينما الأميركية معيدا للأذهان أحلام النجوم العرب في الوصول إلى العالمية.

وتبقى »العالمية« على طريق عمر الشريف هي الصيغة المثلى لمحمد كريم، الذي يجتهد بأسلوب العقاد »العمل بإخلاص«، للاستفادة من فرصة سعى إليها كثيرا وجاءت إليه من خلال شركة إنتاج مستقلة ليدق مع بطولة فيلمها »العاصفة الأميركية ـ Storm USA« أبواب هوليوود.

تفاصيل جديدة

وعلى الرغم من حرص الشركة المنتجة على عدم الإفصاح بأية معلومات حول المشروع الجديد، أفرج محمد كريم إلى قراء »الحواس الخمس« عن تفاصيل عدة حول فيلمه الأميركي الذي يأتي استثمارا لرحلة طويلة مع التمثيل بدأها تلفزيونيا وتوجهها بأعمال مهمة سينمائيا، منها: (حين ميسرة) و(قبلات مسروقة) و(دكان شحاتة)، الذي حصد عنه أخيرا جائزة التمثيل من مهرجان أوسكار السينما المصرية، يقول:

»في ظل أعمال قدمتها بوليوود بوجهة نظر مغايرة لما تطرحه هوليوود عن الإسلام والمسلمين مثل فيلمي (اسمي خان) و (نيويورك)، تأتي تجربة (العاصفة الأميركية) في الإطار نفسه مع اختلاف التناول والمضمون وهو عنوان مؤقت للعمل الذي يتناول قصة حب شاب مسلم اسمه عاصم، وفتاة أميركية يتم من خلالها استعراض عواصف كثيرة مرت على أميركا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ويقوم بإخراجه بيجيه جوفاني«.

معلومات أكثر

وعندما استدرجناه إلى تنويه أكثر عن القصة، أضاف: »الموضوع يدور حول طفل يعيش في مدينه أطلقنا عليها اسم (نومستان)، لأنني أبديت تحفظي على تناول معتقدات رجعية أو سلبية تحت اسم دول عربية معروفة، ويرى مشهد مقتل والديه، ثم تقوم عمته بتهريبه إلى أميركا، ويتم تسليط الضوء على التغييرات التي تلحق بشخصية الطفل في مرحلة الكبر«.

ويقول إنه يقوم بأداء دورين في الفيلم، حيث يجسد دور الأب، وبعد قتله يلعب دور الولد الذي يسافر إلى أميركا، مؤكدا أنه يشعر باختلاف بين أجواء التصوير في هوليوود ومصر، مضيفا أن الموضوع منظم أكثر ومحدد بشكل دقيق، لافتا إلى أن ميزانية الفيلم تعتبر محدودة.

وبالتالي يتم التصوير كله داخل أميركا وتحديدا في ولايتي كاليفورنيا وأريزونا وقد تم خلال الشهرين الماضيين تصوير أسبوعين كاملين من العمل، والمتبقي سينتهي منه في شهري 6 و7 المقبلين في مدينه (سان دييغو).

صورة واقعية

وعن تجربة الفيلم، يؤكد كريم أن الفكرة أعجبته لما تتناوله من قضية مهمة قام بكتابتها ثلاثة مؤلفين (زاك وحمزة وحليم)، واستدرك قائلا: أبديت بعض التحفظات على السيناريو قبل بدء التصوير وفوجئت باستجابة صناع العمل الذين قاموا بتعديل بعض التفاصيل والحرص على تقديم صورة واقعية ومشرفة للمسلم المتسامح دون تشويه.

وهذا الأمر مهم في ظل هيمنه موجودة على الإعلام الأميركي الذي يصدر معلومات مشوهه ومشوشة عن العرب ومنطقة الشرق الأوسط، وهذا الأمر لمسته خلال دراستي في مرحلة الثانوية بلوس أنجلوس، ولذلك سأحرص على عرضه في المهرجانات الدولية وصالات السينما بأميركا لتغيير النظرة أحادية الجانب تجاهنا، هذا بخلاف عرضه في المنطقة العربية ومصر خصوصا.

أسئلة سريعة

وعندما سألناه عن كيفية اختياره هذا الفيلم ولماذا؟

أجاب: فوجئت باتصال تليفوني وأنا في فرنسا للاتفاق معي حول العرض الذي حصلت عليه من أحد شركات الإنتاج المستقلة في هوليوود للمشاركة في بطولة فيلم جديد وتقابلت مع بعض العاملين.

فيها أثناء وجودي في مهرجان »كان« حينما كنت أشارك في العرض الخاص بفيلمي »دكان شحاتة«، أما لماذا أنا بالذات فيمكن القول إنه ربما لأنني أسعى إلى هذه الخطوة منذ سنوات وأجتهد وأشتغل على نفسي كثيرا من خلال الأعمال أو حضور المهرجانات حتى ولو لم أشارك بأفلام، كل هذه الأمور وتراكمات أخرى مثل إجادتي للكنة الأميركية، ومعرفتي بالمجتمع هناك كانت وراء اختياري، هذا بخلاف مشاهدتهم لأفلامي الأخيرة.

هل التوجه إلى العالمية يعني ابتعادك عن مجال العمل محليا؟

قال بعد برهة من التفكير: »هذا الأمر يأخذ معظم وقتي لكنني كما جمعت معادلة صعبة بين عملي في الطب والفن، أركز في التواصل بين حلمي في الدخول إلى عالم هوليوود واستمرار نجاح مشواري السينمائي والتلفزيوني في مصر، كما أنني لا أريد أن أبتعد عن أهلي وأصدقائي وذكرياتي التي تمنحني مخزون طاقة للإبداع الفني في التمثيل«.

افهم من ذلك أن هناك تواصلا مستمرا مع المخرج خالد يوسف؟

هذا التواصل موجود ولا ينقطع وقد التقيت به مصادفة في دبي خلال وجودي الحالي بها.

ولماذا لا تفرج عن عملك الجديد معه؟

يشرفني أن أعمل معه في فيلم (المشير والرئيس) وهو عمل قوي يتناول بطريقة مختلفة قصة جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر؛ الصديقين اللذين أقسما على المصحف والمسدس، وكانت نهاية علاقتهما حزينة وشائكة ومثيرة لعلامات الاستفهام، وكتب السيناريو لهذا الفيلم ممدوح الليثي، بطريقة جميلة وعميقة تغوص في النفوس والمشاعر.

وفي أي دور يراك خالد يوسف المشير أم الرئيس؟

لا أعرف كيف يراني، ويكفيكم المعلومات التي انفردتم بها.

مشاركات محظوظة

أحب كل تجاربي، لأنها أضافت لي واستفدت من مخرجيها، ويسترسل كريم قائلا: في الفترة الأخيرة اعتبر نفسي محظوظا لمشاركة أفلامي في المهرجانات، فمثلا فيلم »قبلات مسروقة« شارك في مهرجان الإسكندرية.

وحصلت من خلاله على جائزة أحسن ممثل، كما شارك في مهرجان للأفلام الأفريقية في نيويورك وشاهدت مدى إقبال الأمريكان عليه، وفيلم »دكان شحاتة« تم عرضه في مهرجان (كان) بعيدا عن المسابقة الرسمية، وهو من الأعمال التي أعتز بها وأحدثت جدلا كبيرا علي المستويين النقدي و الجماهيري.

السينما العربية

وحول أسباب تعثر السينما العربية وانعزاليتها المهنية والاعتماد على الفرد بما قد يتحقق له من فرص فردية مرتبطة في النهاية بالصداقات والمصالح بخلاف (القوالب الجاهزة) التي صنعتها الأنظمة، يقول كريم: لا تريد السينما العربية أن تؤدي أي دور يتعدى كونها (فرجة ضوئية) توفر الحلم للمواطن المحروم من السكن والمال والصحة والحب.

وتملأ فراغ طبقات بعينها من الجمهور لا تتعامل مع الشاشة الكبيرة إلا على أساس أنها واحدة من وسائل الترفية، وغاصت السينما العربية بالتالي في مشاكل الحب والفقر والثراء والموضوعات غير الهادفة.

والجرائم المثيرة من دون أن تقتحم القضايا المصيرية الكبرى، يستثنى من ذلك عدة أفلام متناثرة قدمت على سنوات متباعدة، لأسباب معروفه ولظروف خاصة بها وبالمناخ السائد في وقت صنعها، ومن ثم فأنا أراها تدور في فلك نفسها دون تخطي لموضوعات يمكنها أن تغير من نظرة الآخرين تجاه أفكارنا وأحلامنا.

دبي - أسامة عسل