توارت مكتبة الإسكندرية القديمة عن الوجود لمدة 1600 عام، لكنها عادت مجددا على مقربة من المكان الذي كانت عليه، هذه المكتبة العريقة التي شهدت أول ترجمة للتوراة من العبرية إلى الإغريقية، والتي توصل فيها إقليدس إلى علم الهندسة ليشهد التاريخ وسط هذه الصراعات والحروب التي تغتال العالم بأسره إحياء هذه الواحة الآمنة للعلم في مصر..

فمن بين العديد من المدن العديدة التي أسسها الإسكندر الأكبر في أرجاء إمبراطوريته الشاسعة، أثبتت مدينة الإسكندرية المصرية أنها أعظمها شأنا، وأبقاها على مدار الزمن، ذلك أنها ملتقى لمجموعة من الحضارات والثقافات الأساسية في هذا الزمان، فضلا عن أجوائها الأرومتوسطية التي تفيض جمالا وتشع إبداعا وتتوهج ثقافة.طرحت فكرة إحياء المكتبة لأول مرة خلال العام 1974، إلا أنها ظلت حبيسة الأدراج سنوات حتى تجدد العرض مرة أخرى في أواخر ثمانينات القرن الفائت، حيث قامت مؤسسة اليونسكو بالدعوة إلى إحياء المكتبة القديمة، فقام بعدها الرئيس المصري حسني مبارك بإنشاء هيئة مستقلة خاصة بها لأول مرة، وتم إجراء مسابقة دولية لتصميم المكتبة وفازت بها شركة «سنوهيتا» النرويجية للتصميمات المعمارية.

وتم تدشين المكتبة الحديثة في 23 فبراير 2002، وتعد أكبر مكتبة في الشرق الأوسط، وصرحًا حضاريًا وثقافيًا وإنجازًا هندسيًا في الوقت نفسه؛ حيث تسع 8 ملايين كتاب، ومجهزة بأحدث تكنولوجيا الإعلام من خلال التقنية الرقمية التي ساعدت فيها الثورة التكنولوجية الحديثة.

تصميم وتقسيم

تبدو المكتبة كبناء بسيط على الرغم من اتساعها الهائل؛ إذ لا نشعر ونحن داخلون من مبناها الرئيسي أننا إزاء مبنى عملاق، لاسيما مع التدرج من المساحات الضيقة نحو الواسعة فالأكثر اتساعًا، حتى نقترب من القاعات الرئيسية المضاءة طبيعيًا فتظهر شرفة «كاليماكوس»، الشاعر الهلنستي الذي وضع أول بيان منظم عن مقتنيات المكتبة القديمة فاعتبر أبا لعلوم المكتبات، ثم نتابع من الشرفة قاعات القراءة التي تقودنا السلالم إليها..

وقد راعى التصميم النرويجي للمكتبة أن تكون عبارة عن 6 طوابق فوق الأرض و4 أسفلها من أعلى نقطة السطح الدائري شديد الانحدار؛ حيث يشبه شكل قرص الشمس الذي يرمز إلى الانفتاح وإلى عظمة المعرفة.

كما روعي في التصميم أيضًا أن يدخل إليها أقل معدل من ضوء الشمس المباشر لوجود القبة السماوية التي يصل قطرها 18 مترًا في الزاوية اليمنى من الجزء السفلي، وكما الحال في المكتبة البريطانية بلندن فإن جسم مكتبة الإسكندرية يغوص هو الآخر أسفل الأرض لحماية محتوياتها من عوامل البيئة الخارجية.

وتعتبر قاعات القراءة المتعددة والمفتوحة هي السمة البارزة، فهي تضم 2500 قسم للقراءة تؤدي إلى 7 شرفات يتم تخزين الكتب بها لتسهيل الحصول عليها، وعلاوة على المكتبة وقاعاتها الضخمة الخاصة بالقراءة التي تسع 1700 شخص، فإن المبنى الجديد يضم مركزًا للمؤتمرات يسع 35 ألف شخص.

7 مستويات

وقد قسمت قاعات القراءة إلى 7 مستويات حسب الموضوعات والمواد المعرفية بالشكل الذي يتوافق مع الأنشطة المصاحبة للمكتبة، ففي المستوى الأول تم وضع الكتب الخاصة بجذور المعرفة، وهي كتب الفلسفة والتاريخ والجغرافيا والخطوط والخرائط، أما المستوى الثاني فبه الكتب الخاصة بالأدب والشعر ومكتبة طه حسين للمكفوفين، التي أطلق عليها اسمه باعتباره مصدر إلهام للمبصرين كافة.

ويخصص المستوى الثالث للكتب الخاصة بالثقافة والفنون، بالإضافة إلى مكتبة متخصصة للمواد السمعية والبصرية، والمستوى الرابع يضم المعارض والمراجع العامة ومكتبة إيداع مطبوعات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفي المستوى الخامس يوجد أرشيف الإنترنت والكتب الخاصة بعلم الاجتماع والقانون، بينما خصص المستوى السادس للتقنيات الحديثة.

ويتميز مبنى المكتبة بتكوينه غير التقليدي، فلا تجد نظيرا له في أي مكان بمصر والعالم العربي أيضًا؛ حيث يعد تصميمه إضافة حقيقية للعمارة من حيث الشكل والمضمون على الرغم مما يحمله من بساطة وأناقة في التصميم الذي يحاكي الأنماط القديمة والأشكال التقليدية في العمارة بعد أن تفادى المصممون النقل المتحجر لأشكال الماضي التي لا تلائم الثقافة الحديثة، لكنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بنمط العمارة الإسلامية، كما الحال في أجزاء كثيرة من قاهرة المماليك.

مقتنيات

وإذا تم حصر مقتنيات المكتبة والكتب التي تحويها فالأعداد هائلة من كتب مختارة باللغات العربية والإنجليزية وكذلك مجموعة مختارة من كتب بلغات أوروبية أخرى مثل الألمانية والإيطالية والإسبانية، بالإضافة إلى لغات أخرى نادرة مثل «الكريبوليه» ولغة «هاييتي وزولو».

حيث تتضمن المجموعة الموجودة بها حاليًا مصادر من المانحين من جميع أنحاء العالم في شتى الموضوعات العلمية والثقافية، كما تضم أرشيفا للإنترنت يحتوي على أكثر من 1000 فيلم و2000 ساعة من البث التلفزيوني الأميركي والمصري و1000 «تيرا بايت» من المعلومات مخزنة على 200 جهاز كمبيوتر وأكثر من 10 بلايين صفحة مكتوبة.

كما تضم أيضا 6 مكتبات رئيسية لمجموعات من الكتب، منها مكتبة الأطفال التي تم تخصيصها للأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 6-12 عامًا، وتهدف إلى تشجيع الأطفال على القراءة والبحث.

كما تهدف لإعداد الأطفال لاستخدام المكتبة الرئيسية في المستقبل بكل ما تحتويه من خدمات وإمكانيات.. ثم نجد مكتبة أخرى مخصصة للنشء، وهم فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم من 12 إلى 18 عامًا، وتهدف هذه إلى تأهيل النشء وتدريبه على القراءة والبحث حتى يصبح قادرًا على استخدام كل الخدمات والمرافق الموجودة بالمكتبة حين يصل عمره إلى 18 عامًا.

أما مكتبة الكتب النادرة فتضم مجموعات تمت طباعتها قبل العام 1920، بالإضافة إلى عدد هائل من الكتب المهداة والنسخ النادرة والطبعات المحددة، ملحق بها قاعة للاطلاع على المخطوطات النادرة أيضًا التي تملكها مكتبة الإسكندرية باللغات التركية والعربية والفارسية.

كما تعتبر مكتبة المكفوفين الأولى من نوعها؛ حيث تمثل مكتبة طه حسين الملحقة بمكتبة الإسكندرية مفهومًا جديدًا يفتح آفاقًا جديدة للمكفوفين ويشجع على البحث والتطوير بما يمكن المكفوف من الوصول إلى المعلومات.

، وبالتالي محاولة إدخالهم إلى عصر جديد من المعرفة وتكنولوجيا المعلومات، وتهدف المكتبة إلى خلق جيل من المكفوفين قادر على مواجهة العصر الإلكتروني، ويصبح في استطاعته مجاراة تكنولوجيا المعلومات.

أيضا تضم قاعة للاطلاع على «الميكروفيلم» بما يتيح الفرصة للباحثين للاطلاع على عدد من المخطوطات والوثائق المختلفة إلى جانب الصحف المصرية منذ تاريخ إصدارها، بالإضافة إلى مجموعة الكتب الخاصة المتوفرة في صورة «ميكروفيلم».

قطع نادرة

ولا تقتصر مكتبة الإسكندرية على الكتب والمخطوطات والأفلام الأرشيفية، ولكنها تضم متحفًا للآثار يضم مجموعة من التحف توضح عصورًا مختلفة للحضارة المصرية بدءًا من العصر الفرعوني وحتى العصر الإسلامي مرورًا بالحضارة اليونانية التي جاءت إلى مصر مع غزو الإسكندر الأكبر، وتعرض به 1079 قطعة نادرة.

بالإضافة إلى متحف المخطوطات الذي يعتبر أحد المراكز الأكاديمية الملحقة بالمكتبة، وبه قسم للأوعية النادرة التي تضم نفائس المقتنيات المحفوظة بمكتبة الإسكندرية من مخطوطات أصلية وكتب نادرة وخرائط وعملات قديمة ومقتنيات شخصية للمشاهير ووثائق مهمة، علاوة على متحف تاريخ العلوم الذي يعرض تطور العلوم في مصر على مدى ثلاث فترات تاريخية متعاقبة.

القاهرة - دار الإعلام العربية