لا يزال مشروع تجديد وتطوير الفنادق التاريخية الذي أطلقته وزارة الاستثمار في مصر منذ أعوام عدة يمثل «صداعًا» في رأس الأثريين والمتخصصين في المنشآت التاريخية؛ خشية أن يلحق المشروع أضرارًا بالكيانات المعمارية الفريدة لهذه الفنادق التي شهدت محطات مهمة في تاريخ مصر..
وتتزايد المخاوف في ظل سياسة الخصخصة التي تتبعها مصر منذ العقد الفائت، الأمر الذي قد يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات بيع هذه الفنادق، ما سيكون كارثة، من وجهة نظر رجال الآثار، إذا تم بيع هذه الفنادق إلى غير المصريين.كانت الشركة القابضة للسياحة والفنادق والسينما قد أطلقت مشروعًا ضخمًا لتطوير الفنادق التاريخية بتكلفة استثمارية تقدر بـ مليار و300 مليون جنيه مصري، على أن يشمل المشروع تطوير فنادق «ماريوت»، «مينا هاوس»، «كاتاراكت»، «ونتر بالاس»، «فلسطين».وقد بدأ المشروع بتطوير فندق «ماريوت»؛ حيث تم الانتهاء من تطوير 750 غرفة، وتم استكمال تطوير باقي الغرف، وعددها 1130 غرفة، بنهاية العام الفائت، كما تم تنفيذ المرحلة الأولى من تطوير فنادق «مينا هاوس» وشملت 144 غرفة. وبالتزامن مع هذا المشروع، هناك مشروعات أخرى لتطوير عدد من الفنادق التاريخية، أبرزها «هلنان فلسطين» و«شيبرد» و«كوزمو بوليتان» بالقاهرة.. و«سيسل» بالإسكندرية.***تخوُّف***أما الأمر الذي يمثل تخوفًا كبيرًا للأثريين فهو إعداد وزارة الاستثمار خطة تتضمن طرح أصول فنادق تابعة للشركة القابضة للإسكان والسياحة والسينما للبيع، وفقًا لأجواء السوق، ومن بين الفنادق المطروحة للبيع عدد من الفنادق التاريخية التي يرجع تاريخ إنشائها إلى القرن ال19، وبدايات القرن العشرين، وتتسم بطابع معماري مميز، فقد تتغير هذه المعالم أو تضيع بعد قيام المشترين الجدد بالتصرف فيها.
من هذه الفنادق المرشحة للدخول في الغياب فندق «كوزمو بوليتان»، الذي يقع بوسط القاهرة، ويعود تاريخ إنشائه إلى العام 1902، وهو فندق يرتاده المثقفون المصريون، ويتميز بطابع معماري تاريخي، إضافة إلى فنادق «فلسطين»، «مينا هاوس»، «ماريوت».
مشروع للمنافسة
يستعرض علي عبدالعزيز رئيس الشركة القابضة للسياحة والفنادق والسينما خطة الشركة لتطوير الفنادق التاريخية، مشيرًا إلى أن مشروع التطوير الذي يضم فنادق «كاتاراكت» أسوان، «ونتر بالاس» الأقصر، «مينا هاوس أوبروي» القاهرة، «ماريوت» القاهرة.
«فلسطين» يعد من أكبر مشروعات التطوير التي تقوم بها الشركة القابضة؛ إذ يصل إجمالي تكلفة المشروع إلى نحو مليار و300 مليون جنيه بواقع 300 إلى 350 مليون جنيه لكل فندق. وقال بأن المشروع بدأ تنفيذه منذ 3 أعوام، وأنه تم إعطاء أولوية لتطوير فندق «كاتاراكت أسوان».
حيث تم تدبير المبلغ المخصص للتطوير- 300 مليون جنيه- من بيع حصة الدولة التي تمتلكها شركة «إيجوث» في فندق «سميراميس إنتركونتيننتال» القاهرة، وذلك بقيمة 50 مليون دولار تقريبًا، وتم توجيه هذا المبلغ بالكامل لتطوير فندق «كاتاراكت».
وأضاف أن فندق فلسطين شهد منذ عدة أعوام مشروعًا لتطويره، إلا أن الشركة القابضة رأت أن الفندق يحتاج إلى مشروع آخر؛ لذا تم تكليف أحد الخبراء الفرنسيين بتطوير البهو الرئيسي للفندق ومناطق الخدمات المختلفة والحدائق المحيطة.
وقد شدد عبدالعزيز على أنه لم يكن من الممكن أن تترك هذه الفنادق دون تطوير؛ لأن ذلك سيعود بعائد اقتصادي كبير يتمثل في رفع الأسعار أمام منافسة الفنادق الجديدة التابعة للقطاع الخاص، التي تقدم خدماتها بأسعار عالية مقارنة بأسعار الفنادق التاريخية.
بشروط
ويؤكد عبدالله العطَّار مستشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن جميع الفنادق المدرجة على قائمة التطوير مسجلة في عداد الآثار الإسلامية، وبالتالي تخضع إلى قانون حماية الآثار، وهي بذلك تختلف عن المباني ذات القيمة التاريخية التي شملتها قوائم الحصر التي قامت بها المحافظات خلال الأعوام الفائتة.
ولفت العطَّار الى أن اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية وافقت على خطة تطوير الفنادق التاريخية بعد قيام الشركة القابضة للسياحة والفنادق بتقديم الرسومات اللازمة، التي حددت أوجه الترميم والتطوير التي ترتبط في الأساس بالحفاظ على المعالم الأثرية والحالة الأصلية للفنادق، وكل ذلك يجري تحت إشراف التفتيش الأثري بالمنطقة الواقعة في نطاقها الفنادق المزمع تطويرها.
حجرة أوجيني
ويوضح د. أحمد الزيات عضو اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار أن الفنادق المدرجة في قائمة التطوير تتمتع بأهمية تاريخية كبيرة، فعلى سبيل المثال يحتوي فندق «ماريوت» القاهرة على الغرفة التي أقامت بها الإمبراطورة «أوجيني»، زوجة نابليون الثالث التي حضرت إلى مصر العام 1869 بدعوة الخديوي إسماعيل لحضور حفل افتتاح قناة السويس.
إضافة إلى بعض اللوحات والتحف والمقتنيات ذات الأهمية التاريخية، وهي المقتنيات التي قام المسئولون بالمجلس الأعلى للآثار بحصرها؛ تمهيدًا لتسجيلها كآثار إسلامية.
يضيف الزيات أن فندق «كاتاراكت» أسوان خاضع للتطوير مع الحفاظ على مكانته التاريخية؛ حيث أنشئ العام 1899، وظهر له أول إعلان في جريدة «إيجيبشين جازيت» في 11 ديسمبر من العام نفسه، وأُعلن فيه عن وجود غرف كبيرة وشقق فندقية ومكتبية وطاولة بلياردو ومدفأة كهربائية تعمل طوال الليل.
وفي العام 1902 حضر الخديوي عباس حلمي، حاكم مصر في ذلك الوقت، و«ديوك كونوت» الابن الثالث للملكة فيكتوريا، واللورد كرومر، والشاب وينستون تشيرشل، وجون إيرد مهندس سد أسوان، حفل افتتاح المطعم الرئيسي في هذا الفندق.
فيكتوري شرقي
ويشير الزيات إلى أنه على الرغم من أن الطابع الهندسي الخارجي للفندق «فيكتوري» فإن التصميم الداخلي للفندق ذو طابع شرقي، كما أن المطعم الرئيسي، الذي مازال موجودًا حتى اللحظة، يتمتع بالشكل الأندلسي ذي القبة المرتفعة عن الأرض بنحو 75 قدمًا، أما الأعمدة فهي مستوحاة من مدفن السلطان «قلاوون»، بينما تم استلهام الزخارف من جامع أحمد بن طولون.
ويضيف الزيات: من أشهر ضيوف الفندق «أجاثا كريستي» التي كتبت روايتها الشهيرة «جريمة على النيل» هناك.. كما صدر الفيلم أيضًا في نفس الفندق.. وقد كان الجناح الملكي هو المكان المفضل لملك مصر والسودان الملك فؤاد، وكان النحاس باشا، رئيس وزراء مصر.
يجلس على الأريكة في الجانب الأيمن من بهو الفندق. كما يشير الزيات أيضًا إلى أن فندق «مينا هاوس أوبروي» بمنطقة الأهرامات الذي أنشئ العام 1898 يضم 523 غرفة، ويعد من أعرق الفنادق المصرية؛ حيث شهد نزلاء من أشهر الساسة العالميين، خاصة في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما شهد حضور ملوك ورؤساء من قادة العالم، كذلك فندق فيلافلسطينلالا بالإسكندرية.
الذي صدر بشأنه قرار وزاري باعتباره فندقًا تاريخيًا؛ حيث شهد أول اجتماع للقادة العرب الذين حضروا أول مؤتمر قمة عربية، كما أنه الفندق الأشهر على مستوى مدينة الإسكندرية، الذي يرتاده الوزراء والضيوف الأجانب من المسؤولين الرسميين.
وأكد الزيات على أهمية مشروع تطوير الفنادق التاريخية شرط أن يكون ذلك في إطار الحفاظ على المعالم التاريخية، وهذا يتطلب عدم استحداث أي إضافات من شأنها تشويه الحالة الأصلية سواء كان ذلك في شكل حوائط أو مبانٍ أو مستويات معمارية.

