لم تستطع الدراما التليفزيونية التخلص من أعباء الحشو والمط في أحداثها، زاد الأمر تعقيدا بالإعلان عن مسلسل جديد يبلغ 90 حلقة قابلة للزيادة، يقوم ببطولته «سامح الصريطي، جومانة مراد»، ومجموعة كبيرة من النجوم المصريين والعرب، ويخرجه 3 مخرجين هم «سامر البرقاوي، سامي الحناوي، وحاتم علي»، وقصته مأخوذة عن مسلسل فنزويلي بعنوان «رجال مطلوبون».

هذه المفاجأة التي بحجم الكارثة الدرامية تضع الجمهور العربي في مأزق التلقي، فكيف يقبل على مسلسلات بهذا الطول المبالغ فيه، خصوصا أن وراء هذه الإطالات محاولة فاشلة للحاق بركب الدراما التركية.. فإلى أين يأخذنا التشبه بالآخرين دراميا؟

الناقدة ماجدة موريس تؤكد وجود مشكلات عند الإقدام على إنتاج مثل هذه المسلسلات التي تحاول حلقاتها الوصول إلى الرقم 100 أو أكثر، مثل الأعمال التركية، المكسيكية، أو «أوبرا الصابون الأميركية» التي أطلق عليها هذا الاسم؛ بسبب عرضها صباحا وقت عرض إعلانات الصابون.

تضيف: لقد أغرى المنتجون المصريون والعرب بالتجربة بعد نجاح المسلسل التركي «نور»، وهذا ما حدث بالفعل مع المسلسل المزمع تصويره، وهو «رجال مطلوبون» الذي سيشارك فيه عدد من النجوم، ويتم تصويره بين مصر ولبنان والكويت وعدد من الدول العربية، لكن يجب أن يعلم صانعو هذه الأعمال أن فترة تصويرها ستمتد إلى أعوام.

حيث يكون العمل فيها صعبا وسط ارتباطات النجوم المشاركين بأكثر من 5 أعمال دفعة واحدة، ما يجعل منتج هذا المسلسل يقع في مأزق صعب للغاية، وستكون الطامة الكبرى إذا جاءت النتيجة النهائية مخيبة للآمال، أو لم يلق المسلسل قبولاً من المشاهدين والنقاد، إضافة إلى أن العمل سيواجه صعوبات كبيرة في تسويقه.

مواسم جديدة

الناقد رفيق الصبان يؤكد نجاح الدراما التركية المطولة بعكس ما يتم ترويجه، ويقول: اقتحمت هذه الدراما كل بيت عربي من خلال الفضائيات، ولم يصب الجمهور بالملل على مدى حلقاتها على الرغم من البطء الشديد في الأحداث.

لكونها بعيدة عن الخلل الدرامي، ما أشعل غيرة المنتجين العرب لخوض غمار الدراما الطويلة بعد أن وجدوا تهافت الفضائيات على شرائها، وذلك لتحقيق النجاح والربح، وكذلك إخراج الدراما العربية من كبوتها، ومن حالة الخوف والارتعاش التي أصابتها.

ويضيف أن هناك نية لدى بعض صناع الدراما لتغيير النمطية التي هي السمة الرئيسية في ألوانها كافة منذ فترة طويلة، فقد تشابهت المسلسلات في كل شيء، وهناك سعي إلى كسر احتكار رمضان للأعمال الدرامية، فعرض هذه النوعية من المسلسلات المطولة يسهم في فتح مواسم جديدة للدراما.

مخاطرة

تعد هذه التجربة مخاطرة كبرى لا يستطيع أحد التنبؤ بمشاكلها وعواقبها سواء الحسنة أم السيئة - بحسب الكاتب مصطفى محرم - الذي اعتبر أن نجاحها مرهون بتقبل الجمهور لها..

مشيرا إلى ما تسببه هذه النوعية من مشاكل للدراما المصرية التي تفتقر إلى الكاتب المميز والفكرة الجيدة، وهو السبب الذي أدى إلى إحجام القنوات الفضائية عن شراء الدراما المصرية، والاتجاه إلى الدراما السورية أو التركية بعد أن وجدوا أن إنتاجنا صار عديم الإبداع.

في حين يعارض المؤلف محمد الغيطي هذا الرأي، ويقول: «إن الدراما التليفزيونية بشكل عام متعطشة لأي شكل من أشكال التجديد، خصوصا أن الدراما التي اعتدنا عليها يطلق عليها مصطلح «الدراما الصحافية»، التي تحاكي مشاكل المجتمع اليومية بعكس الدراما الأميركية التي عادة يكون فيها نوع من التطويل الذي قد يمل المشاهد منه بسبب بطء الأحداث، إلا أن المسلسلات التركية سيطرت على الطول بإبهار المشاهد بالمناظر الطبيعية، وسحر أماكن التصوير».

أهم شروط نجاح المسلسلات المطولة يتمثل في تميزها بعناصر جودة القصة التي يدور حولها العمل الدرامي؛ حيث يجب أن يكون لها نوعية خاصة من الكتابة والسيناريو، حتى لا تفقد قدرتها على جذب المشاهد على الرغم من تعدد الحلقات.

وهذا ما يراه السيناريست عاطف بشاي، الذي تعجب من الثقة التي حظيت بها المسلسلات التركية لدى المشاهد العربي، على الرغم من امتلائها بالتطويل، وعدم ترابط أحداثها، ووصفها بالدراما القائمة على الكلام فقط.

بدوره يحذر المؤلف أسامة أنور عكاشة من إصابة هذه النوعية من المسلسلات للدراما العربية بانتكاسة بسبب عدم القدرة على صنع هذه النوعية بشكل جيد في مصر، فالحالات التي سبقت وتم تجريبها - حسب قوله - كانت حالات استثنائية لاقت نجاحا باهرا وقتها مثل «ليالي الحلمية، بوابة الحلواني»،.

وفسر ذلك أن المشاهد وقتها كان يرتبط بمجموعة من الشخصيات يتابعها بشكل يومي، خصوصا أنها كانت دراما اجتماعية تتخللها بعض المشاكل، لكن الخوف - حاليا - من استغلال هذه الأعمال تجاريا فقط، ما يؤدي إلى إنتاج أعمال للتسلية.

فأي قضية ستطرح من خلالها ستصبح «تلفيقا» دراميا، إلا أن السيناريست محمد صفاء عامر نبه إلى أن الملل لا يرتبط بعدد حلقات العمل الدرامي، وإنما بجودة الصناعة، فعلى سبيل المثال تقوم برامج «التوك شو» بعرض يومي للأحداث؛ لذا يرى أنه من الممكن لهذه النوعية أن تنفذ في هذا الإطار بعد أن يتم صياغتها بشكل درامي جيد.

كسر النمط

لكن حاتم علي، مخرج مسلسل «رجال مطلوبون» برر إقدامه على التجربة بأن الدراما العربية بشكل عام تتساقط عاما بعد آخر؛ لذلك وجد أن التغيير سيعطيها دفعة قوية.

وسيخرجها من كبوتها سواء فيما يخص الفكرة التي تتناولها أم المناظر، أم الصورة التي تقدمها، ما يجعلها تبتعد عن النمطية التي تعاني منها الدراما العربية حاليا، والتي يشعر معها المشاهد أن جميع المسلسلات تحمل الشكل والمضمون ذاته، فالجميع يدور في فلك واحد.

المخرج الثاني لهذا المسلسل، سامي الحناوي، يؤكد أن الدراما الطويلة ناجحة منذ زمن بعيد، سواء التي قدمتها المسلسلات التركية، أم الأمريكية، أم المكسيكية، أم السورية؛ لكونها مختلفة عن الموجودة حاليا، فالمسلسلات العربية المطولة ستجمع هموم الوطن العربي ومشاكله الاجتماعية في قالب درامي واحد.

من خلال تقديم عدد هائل من القضايا الإنسانية لجنسيات مختلفة في كل عمل؛ لذلك لن يشعر المشاهد بالملل؛ لأن الموضوع ليس مرتبطا بعدد الحلقات ولكن بطريقة المعالجة الدرامية.

تفاؤل كبير يسيطر على مخرجي هذا العمل المطول، وقد اتفق معهم المخرج إسماعيل عبدالحافظ في نجاح هذه النوعية، وتمنى أن يخوض التجربة ذاتها بشرط أن يكون العمل ذا مضمون جيد على مستوى الأفكار والكتابة، خاصة أن المضمون الذي تحمله هذه المسلسلات أهم بكثير من عدد حلقاتها، فالمضمون قادر على جذب المشاهد، وإبعاده عن ملل الحلقات، وعددها.

لم تسجل حتى اللحظة حالة فشل واحدة لمسلسل طويل، ما يدفع بالمنتجين إلى خوض التجربة بثقة، لكن هذه الثقة لم تمنع اختلاف مواقف المنتجين، فالمنتج إسماعيل كتكت يرى أن الأمر مجازفة لا يمكنه الإقدام عليها من دون دراسة، خاصة بعد أن لمس أن المشاهد العربي سريع الملل.

لذلك يجب قبل تقديم هذه الوصية الدرامية الرسمية أن تتوافر شروط مؤهلة لنجاح العمل بداية من النص الجيد، والتصوير المتميز الذي يعتبر ؟ حاليا - من أهم عوامل الجذب للجمهور، خاصة بعد أن أكدت المسلسلات التركية أن الإبهار سبب نجاحها.

واتفق المنتج حسام شعبان مع كتكت في أن الحبكة الدرامية هي القادرة على جذب الجمهور؛ لأن عدد الحلقات ليس معيارا للحكم الجيد، فالأهم هو الكيف، فهذه الأعمال - حسب رأيه - لا بد أن تحتوي على شيء مميز لكي يتابعها الجمهور، إلا أنه توقع في الوقت ذاته ألا تحظى الأعمال الدرامية المطولة بنسبة مشاهدة عالية؛ لأن كبار النجوم لا يقبلون عليها؛ لوجود ارتباطات كثيرة لديهم، ما يجعل نجوم الصف الثاني هم أبطالها، لكن المشاهد يبحث دائما عن نجمه المفضل.

أما المنتج الفنان سامي العدل فيرى أن هذه النوعية من المسلسلات قد تكون نوعا من التقليد أو الموضة، إلا أنها تتميز بأنها موفرة للغاية من الناحية الإنتاجية؛ حيث تستخدم الديكورات نفسها في عدد هائل من الحلقات فتتوزع تكلفتها.

كما أن الممثلين يقبلون أجرا أقل في الحلقة الواحدة؛ لأنهم يعرفون أنهم سيقومون بتصوير أكبر عدد من الحلقات، والتالي سيحصلون على أجر كبير عن المسلسل ككل.

وأشار بطل «رجال مطلوبون»، الفنان سامح الصريطي، إلى أن تجربة المسلسلات الممتدة قد عرفناها من قبل في صورة مسلسلات متعددة الأجزاء كمسلسل «ليالي الحلمية»، الذي حظي بنجاح جماهيري هائل، بالإضافة إلى نسبة المشاهدة المرتفعة وغير المسبوقة التي حققتها المسلسل التركي «نور».

وأضاف أن المسلسل الذي سيتم تصويره يتميز بتنوع مواقع التصوير، وتعدد الجنسيات العربية المشاركة به؛ حيث تدور أحداثه في دبي في إطار اجتماعي عن أسرة مصرية تعيش هناك..

الصريطي يقوم بدور رجل أعمال متزوج من الفنانة جومانة مراد التي تمتلك محلاً لأدوات التجميل، وهو يبحث عن السعادة دائما بطريقة مشروعة أو غير مشروعة، فيتورط في سلسلة من الخيانات الزوجية.

وعلى الرغم من تحمس الصريطي لهذه النوعية من المسلسلات، إلا أن الفنان يحيى الفخراني رفض المشاركة في مثل هذه المسلسلات الطويلة، خاصة بعد تجربته التي لا يجب أن يكررها مرة ثانية في مسلسل «ليالي الحلمية».

في حين تمنت الفنانة صابرين أن تخوض تجربة المسلسلات الطويلة، حتى إن وصل عدد حلقاتها إلى 400 حلقة، خاصة إذا كانت نوعية المسلسل تدخل تحت بند المسلسلات الرومانسية؛ فهي عاشقة لهذا النوع من الدراما، ولا مانع لديها من تصوير عمل لمدة 5 أعوام متواصلة؛ لما سيتركه من أثر في نفوس المشاهدين.

القاهرة - دار الإعلام العربية