«من شابه أباه، قد يظلم آخرين»، هذا تحريف للمثل الشهير، لكن المقصود به توجيه الاتهام إلى أبناء الفنانين، الذين احتكروا التمثيل، واعتبروه ميراثا عن آبائهم النجوم، لا أحد يستطيع أن يجزم بأن «ابن الأوز دائما عوَّام»، فالفن تحكمه الموهبة أولاً وأخيرا، ولكنه، حاليا، صار خاضعا ل«الوراثة».
و«المحسوبية»، بعد أن شهدت الساحة الكثير من الوارثين الجدد، الذين اخترقوا المجال عن آبائهم، بعضهم استطاع مواصلة المشوار بنجاح، وكثيرون فشلوا، أو على الأقل تعثَّروا. ولم تسعفهم عبقرية أو سمعة آبائهم، لكنهم مستمرون في احتكار المجال، حتى أصبح التمثيل مكتظا بوجوه لا تصلح له، ولا يصلح لهم، وضاعت الفرصة على المواهب الحقيقية، «الحواس الخمس» يستعرض الظاهرة عبر السطور التالية.نجمة بالمصادفة، هذا ما يمكن إطلاقه على الفنانة دنيا سمير غانم، بعدما تم ترشيحها للقيام بدور صغير في مسلسل «للعدالة وجوه كثيرة» مع النجم يحيى الفخراني الذي اقتنع بموهبتها.
فقد كانت تعشق تقليد الفنانين منذ صغرها؛ لذلك قرر «الفخراني» أن تشاركه في أكثر من عمل فني، وآخر هذه الأعمال مسلسل «عباس الأبيض في اليوم الأسود». وبعدها انطلقت إلى السينما، وحققت نجاحا باهرا في «الفرح، اثنين في واحد، كباريه، يا أنا يا خالتي، طير أنت، وعزبة آدم»؛ حيث اختلف أداؤها عن والدها الفنان الكوميدي «سمير غانم»، ووالدتها الفنانة «دلال عبدالعزيز»، واستطاعت حفر مكان بارز في قلوب الجماهير، خصوصا عشاق الشاشة الفضية.كذلك الفنانة ريهام عبدالغفور التي نُسب نجاحها في البداية إلى والدها الفنان «أشرف عبدالغفور»، لكنها تألقت في أعمال تلفزيونية وسينمائية، أكدت فيها أنها ناجحة فنيا بكل المقاييس.
وذلك عندما ظهرت في مسلسل «أميرة في عابدين»، ودورها المتميز في «فارس بلا جواد»، ما جعلها ترفض أن ينسب نجاحها إلى والدها. ابن الزعيم بدوره، دفع الفنان عادل إمام بابنيه إلى الوسط الفني، أحدهما في الإخراج، والآخر في التمثيل، وقد أثبت «رامي إمام» جدارته، وأكد موهبته الإخراجية حين أبدع مع والده في العمل بعد أن قام بإخراج أفلام «حسن ومرقص»، و«أمير الظلام»، بعد قيامه بإخراج 6 أفلام، قبل التعامل في المجال الاحترافي، أما شقيقه محمد إمام، فلا يوجد انحياز نحو موهبته إذا ما قورن بأبناء فنانين آخرين حققوا تميزا كبيرا.
وبالطبع إذا ما قورن بوالده صاحب التاريخ الكبير، خصوصا بعد إخفاقه في فيلم «البيه رومانسي»، الذي لاقى نقدا لاذعا لتفاهة الأداء، على الرغم من استمرار تأكيده أنه لن يعيش في جلباب الزعيم حتى يثبت للجميع أنه يتخذ أسلوبا مختلفا، وقد طالبه كثير من النقاد بالحصول على «كورسات» تدريبية في التمثيل إذا أراد الاستمرار، حتى يكون بالفعل خارج عباءة الزعيم.
في حين سطع نجم الممثل الشاب أحمد صلاح السعدني في الأدوار الكوميدية؛ وشهد له الجميع بموهبته المتجددة، إضافة إلى أنه لم يشارك والده الفنان «صلاح السعدني» سوى في عمل واحد هو «رجل في زمن العولمة»، واختاره الفنان عادل إمام؛ ليعمل معه في فيلم «مرجان أحمد مرجان».
بينما اقتحمت الفنانة منة شلبي مجال التمثيل في 3 ثوانٍ من خلال فيلم «العاصفة»، إلا أن بدايتها الحقيقية جاءت في فيلم «الساحر»، عندما استعان بها الفنان «محمود عبدالعزيز» لكي تشاركه البطولة.
فأكدت موهبتها دون أن تعتمد على اسم والدتها الفنانة زيزي مصطفى، والغريب في الأمر أن الفنان محمود عبدالعزيز نفسه لم يستطع أن يخدم ابنه كريم، الذي ظهر معه خلال مسلسل «محمود المصري»، ولم يستطع الابن تقديم أوراق اعتماده كممثل لا من خلال قدراته، ولا دعم والده.
وراثة متكررة
حول نجومية أبناء الفنانين وصلاحيتهم للتمثيل انقسمت الآراء، ويستهل الناقد محمود قاسم كلامه بالتأكيد أن وجود فنان داخل إطار الأسرة يدفع أحد الأبناء، على الأقل، إلى تكرار تجربة النجاح ذاتها، أو يتفوق إن استطاع؛ حيث يُزرع فيهم حب الفن والاندماج في المجال الفني، ويشهد الواقع الكثير من الحالات الفنية التي اخترقت المجال الفني من أبناء النجوم.
وتوقع البعض فشلهم منذ بداية الطريق، إلا أن الأيام أثبتت موهبتهم الفنية، وهناك عدد قليل رفض أن يتخذ مهنة والده، لكن جاءت أيضا في إطار الفن، فقد عمل «محمد»، ابن الفنان «كمال الشناوي»، في الإخراج، مثلما فعل «رامي إمام».
يضيف قاسم: «إن وراثة مهنة الأب لم تنحصر فقط في المجال التمثيلي، بل نجدها وراثة متكررة في مجالات الغناء، الشعر، السيناريو، والإخراج وغيرها من الفنون الأخرى».
فشل
وقد يحقق أبناء الفنانين بريقا وشهرة أكبر من التي حققها الآباء، وقد يفشلون في التجارب الأولى لهم، ثم يستطيعون التماسك حسب الناقدة خيرية البشلاوي، التي ذكرت أن النجم الراحل «فريد شوقي» قدم ابنته «رانيا» في فيلم «آه وآه من شربات»؛ لتتعلم منه فنون الأداء على أرض الواقع، حتى يدفعها إلى حب السينما.
لكنها وجدت نفسها بعيدة عن هذا المجال، ولم تستطع التكيف معه، وتأكد الجمهور والنقاد من أنها دخيلة على فيلم «آه وآه من شربات»، وظنوا أنها ستترك العمل في المجال الفني، لكنها قررت التميز من خلال شاشة التلفزيون، وقدمت أعمالاً شهدت جميعها نجاحا باهرا.
واستطاعت اختيار جميع الشخصيات بدقة؛ لذلك لا يمكن القياس على حالة واحدة أو حالتين؛ لأن النجاح والفشل توفيق، ويعتمد على الموهبة وحب الفن في المقام الثاني.
ولا يستطيع النجم أو النجمة أن يجعل ابنه أو ابنته تتجرع كؤوس الفن إن لم يكن لديها موهبة، وهو ما تشير إليه الناقدة، موضحة أن الفنانة ماجدة الصباحي سخَّرت إمكاناتها الفنية للدفع بابنتها غادة نافع على سلم النجومية.
لكنها كانت تعاني غياب الموهبة، وهذا ما لم يمكِّن غادة من النجاح، على الرغم من أن أول تجربة سينمائية لها كانت مع والدتها من خلال فيلم «ونسيت أني امرأة»؛ فالموهبة لا تصنع، لكن تولد مع الإنسان، كما أنها ليست وراثة ماضٍ لإنسان آخر.
DNA تمثيلي
الشواهد تؤكد أن الفن يسري داخل أبناء الفنانين مثل «الدم» تماما كونهم نشأوا على مشاهدة آبائهم، وهم يتقمصون الشخصيات في المنزل، ويقومون بأداء بعض الأدوار أمام المرايا، ويغلقون غرفا على أنفسهم بالساعات.
هذا تفسير الفنان صلاح السعدني، والد الفنان «أحمد السعدني»، بأن هناك «DNA تمثيلي» بين الفنانين وأبنائهم، وبرهن على ذلك بعدد هائل من التجارب الناضجة لأبناء النجوم الذين تزخر بهم الساحة الفنية، بعد أن انطلقوا دون أن يعتمدوا على أسماء أو تواريخ آبائهم، ومنهم «أحمد سعيد عبدالغني، وأحمد الفيشاوي»؛ لأنهم موهوبون بالفعل، ولديهم قدرة على التواصل مع الناس.
بينما يدافع الفنان طلعت زكريا والد «أميمة زكريا»، التي تشاركه للمرة الأولى التمثيل في مسلسل «حامد قلبه جامد»، عن ابنته؛ حيث قال إن ابنته تهوى التمثيل منذ صغرها، وقد قام بتأجيل الخطوة أكثر من مرة حتى لا تنشغل عن دراستها، لكنه وجد أن الوقت مناسب ليسند إليها أحد الأدوار الصغيرة في مسلسله الجديد.
وقد رفض زكريا ما يتردد عن أن الواسطة والمحسوبية سبب مشاركتها في أعمال والدها، ولا يعتبر أن الأمر عيبا، فكل أب يساعد ابنه في بداية الطريق، في أي مهنة، وليس في الفن فقط.
واتفق المطرب محمد فؤاد معه، مؤكدا أن مشاركة ابنه عبدالرحمن في مسلسل «أغلى من حياتي» المقرر عرضه في رمضان المقبل ليست إقحاما على العمل، لكن المخرج مصطفى الشال كان يبحث منذ فترة طويلة عن طفل موهوب، ويشبه فؤاد، وعندما التقى مصادفة بعبدالرحمن أعجب به، ورشحه للدور، وأجرى له اختبارين أحدهما فني، والآخر أمام الكاميرا.
مواهب حقيقية
الفنان أحمد زاهر يعلق على مشاركة ابنته ليلى 6 أعوام في مسلسله «برَّه الدنيا» مع المخرج مجدي أبو عميرة؛ حيث قال: «إنها تظهر في دور شقيقتي، ويتم تصوير المسلسل حاليا؛ ليعرض في رمضان.
ولم أكن أجرؤ على تقديمها إلا إذا تأكدت من موهبتها، فلم أطلب مشاركتها، لكن المخرج هو الذي أصر على ذلك، وكان المؤلف أحمد عبدالفتاح أيضا يتخيلها في الدور عندما كان يكتبه».
وأضاف: «لم تكن هذه هي التجربة الأولى لابنتي في التمثيل، فقد سبق لها أن شاركت النجم تامر حسني في فيلم «كابتن هيما»، وظهرت في دور طالبة في المدرسة التي يعمل بها تامر، كما ظهرت معه في «عمر وسلمى2»، مع شقيقتها «سلمى» البالغة من العمر 7 أعوام».
أما الفنانة دلال عبدالعزيز، زوجة الفنان سمير غانم، ووالدة النجمة دنيا سمير غانم، فقد أكدت أن من يوجد على الساحة الفنية معتمدا على تاريخ أحد والديه يهلك سريعا؛ لأن الجماهير لا تقبل إلا المواهب الحقيقية التي تنم عن أدوار متميزة.
فروق فردية
ويعتبر الكاتب بشير الديك أن النجم لا يستطيع توصيل ابنه أو ابنته إلى طريق الشهرة مهما بلغ من النجومية، ولعل أبرز مثال، حسب قوله، وجود اثنين من أبناء الفنان محمود ياسين على الساحة الفنية،.
وعلى الرغم من شهرته لم يستطع أن يدفع ابنته رانيا نحو النجاح، بعد أن استعان بها في فيلم «قشر البندق»، فلم تثبت جدارتها إلا بعد أعوام، ما يؤكد أن الموهبة لديها لم تكن مكتملة، لكن مع مرور الوقت استطاعت صقلها، بينما أثبت نجله الفنان عمرو محمود ياسين موهبته الحقيقية مع أول ظهور له،.
وشعر على الرغم من صغره أنه يحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة؛ لأن الجماهير ستقارن دائما بين ما قدمه والده، وما يقدمه عمرو في الحاضر، لكنه نجح، وحقق نجاحا متميزا في أعماله الدرامية مثل «ثورة الحريم، أولاد عزام، امرأة في شق الثعبان».
لكن المخرج إسماعيل عبدالحافظ، والد الفنان محمد عبدالحافظ يكرس لفكرة الفروق الفردية بين الأشخاص، وأكد أنها ما يحدد صلاحية أي إنسان للعمل، واختياره بديلاً عن غيره، حتى لو كانوا داخل عائلة فنية واحدة.
فمن الممكن أن يكون للفنان أبناء يعملون في وظائف أخرى ليس لها علاقة بالفن، لكنه عاد ليؤكد أن هناك فرصة أكبر تمنح لأبناء الفنانين للعمل في التمثيل لا تساويها بالطبع فرصة الآخرين الذين قد يكونون موهوبين بالفعل، لكن يبقى الحكم للجمهور سواء باستمرار ابن الفنان، أم اختفائه، وإعادة الفرصة للموهوبين.
القاهرة - دار الإعلام العربية



