لا يسهل على الحضور تصديق أن ذلك الأداء المذهل قادمٌ من مغنٍّ بلغ السبعين من عمره قد باع أكثر من 300 مليون اسطوانة، فعلى الرغم من تاريخ الغناء الذي زاد على 50 عاماً، صوت توم جونز لم يفقد قوّته أو قدرته على جعل مدرّجات الأداء تغصّ بالحضور من كلّ الأجيال.
ومن المتوقّع أن تقدّم حفلته التي سيقيمها اليوم في مركز أبوظبي للمعارض، سحر ألحانه وتنوّع أجناس الموسيقى التي يؤدّيها من البوب والسول والكونتري، فضلاً عن الأغاني التصويريّة لمجموعة من أكثر أفلام هوليوود شهرةً. وكلّ هذه العوامل مجتمعةً، لابدّ أن تجعل من أداء توم جونز هذه الليلة، تجربة من الواجب اختبارها.هذه حكاية صبيٍّ ولد في ويلز، وبدأ الغناء في النوادي الصغيرة، ووصلت به الموهبة إلى أكبر مسارح الغناء في العالم كلّه. غنّى توم جونز إلى جانب إلفيس بريسلي، وفان موريسون وفرقة رولينغ ستونز وروبي ويليامز، على كلّ مسارح القارّة الأوروبيّة، وفي الشرق الأوسط وآسيا وشمال أفريقيا، ولا يزال الأداء حاضراً.
شهد شهر يونيو بالعام 1940 ولادة توماس جون وودوارد بالقرب من مدينة كارديف في مقاطعة ويلز، وبدا الغناء أثناء اجتماعات العائلة وفي المدرسة وأعراس الأقرباء، فظهرت موهبته في سنٍّ مبكّرة. إلا أن المرض ألزمه السرير لمدّة عامٍ كامل، كان يقضيها في سماع الأغاني والموسيقى فقط. وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره، تزوّج توم من صديقته ميليندا ترينشارد، قبل أن يشتهر وأنجبا ولدا وحيدا فقط اسمه مارك. نتيجة الزواج والانشغال بالغناء، ترك جونز مدرسته وعمل بائعا وعامل بناء وسائق سيّارة شحن.
سطوع نجم
لاحقاً في ستينات القرن الفائت، سطع نجم توم على الصعيد المحلّي بعد سلسلة من العروض الحيّة، وتمّ اختياره ليكون المغنّي الرئيسيّ في فرقة (تومي سكوت آند ذا سيناتورز) المحليّة، ولم يمض وقتٌ طويل بعد ذلك حتّى كانت شهرته قد انتشرت في جنوب ويلز.
وفي العام 1965، سجّل جونز أغنية بعد أن وقّع عقده مع شركة انتاجٍ جديدة، إلا أن الأغنية لم تلق رواجاً كالذي لقاه التسجيل التالي (إيتس نوت أنيوجوال). والجدير بالذكر أن إذاعة الهيئة البريطانيّة رفضت الأغنية في البداية.
وقامت إذاعة أخرى غير رسميّة بذلك، وخلال شهر واحد فقط، حلّت الأغنية في المركز الأوّل، ليس فقط ببريطانيا، وإنّما في الولايات المتّحدة أيضاً.
وفي العام ذاته، أطلق توم أكثر أغانيه نجاحاً (غرين غرين غراس أوف هوم)، وبدأت اختياراته تتنوع لتتناسب مع أكبر عددٍ من المستمعين، ونجحت استراتيجيّته هذه بجعل معظم إصداراته اللاحقة تتصدّر ترتيب أكثر الأغاني رواجاً في أوروبا وأميركا.
الغناء أوّلاً وآخراً
صرّح جونز أخيراً: لا استطيع أن أتخيل نفسي من دون الغناء، وكلّي أملٌ أن يبقى صوتي وحضوري مقبولاً حتّى موتي. وخلال جولته التي قام بها أخيراً في آسيا، والتي كان من المفروض أن تغطّي ماليزيا وتايلاند وسنغافورة والفلبين، إلا أنّ حالةً صحيّةً ألمّت به في محطّته الثانية بسنغافورة، واضطرّته إلى اختصار الجولة.
إلا ان الأداء الذي قام به في بانكوك، كان استثنائيّاً بحق، حيث إن تفاعل الجمهور مع أغانيه الشهيرة مثل (دلايله، شوغار دادي، ثندر بول)، فاق كلّ التوقعات.
وعندما يعرف المستمع أن بداية توم جونز كانت في كورس الكنيسة الصغيرة في بلدته بويلز، يُدرك سبب الانسجام الذي يُبحر فيه جونز في أغانيه؛ فهو مشهورٌ بإغماض عينيه خلال أدائه أكثر المقاطع تأثيراً.
في الألفيّة الجديدة
كانت بداية الألفيّة الجديدة مميّزةً بالنسبة لتوم جونز، حيث دعاه الرئيس الأميركي في ذلك الحين، بيل كلينتون، إلى إحياء حفل رأس سنة الألفيّة الجديدة في العاصمة واشنطن. وأدّى جونز في الحفل أغاني عدة من ألبومه (ريلوديد)، وأكثر من دويتو مع مجموعة من الفنّانين، وكان لهذا الحفل صدى عالميّ أعاد النجم الويلزي إلى دائرة الضوء بقوّة.
انتشارٌ عالمي
أوّل أداءٍ على الصعيد العالمي لتوم جونز جاء في العام 1967، في مقهى فلامينغو بلاس فيغاس، وبعد عامٍ على ذلك تعاقد مع نادي (كوباكابانا) الشاطئيّ بنيويورك.
وفي تلك الفترة بدأت ملامح شخصيّة توم جونز، السراويل الضيّقة والقمصان الواسعة مفتوحة الأزرار، بالتبلور لتأخذ بعدها العالميّ، وأصبحت جزءاً لا يمكن إغفاله من شخصيّته الفنيّة. وفي تلك الفترة ركّز جونز على أداء الاحتفالات، ولم يسجّل إلا القليل من الأغاني.
صداقة نجمين
التقى جونز مثله الأعلى الفيس بريسلي العام 1965، في استديوهات (باراماونت)، عندما كان هذا الأخير يصوّر فيلم بارادايس هاوايان ستايل، ونشأت صداقةٌ بين النجمين وباتا يقضيان وقتاً أكثر معا في لاس فيغاس. وبقيت هذه الصداقة قائمة حتى وفاة بريسلي في عام 1977.
فارس في الغناء
في العام 1999، تمّ تقدير توم جونز من قبل النظام الملكي في بريطانية ووضع في خدمة الملكة برتبة ما قبل الفارس، وفي العام 2006، جاء اسم جونز ضمن قائمة التكريم السنويّ الملكيّ تقديراً لخدماته التي قدّمها للموسيقى. وعلى ذلك، نصّبته ملكة بريطانيا، إليزابيث الثانية، فارساً في قصر باكينغهام بتاريخ 19 مارس .
أبوظبي - علي محيي الدين


