الأحداث الكبرى قد تعترض طريق الغافلين عنها، تفاجئهم، كما تفاجئ موجة عاتية شخصًا هادئًا يجلس على الشاطئ، وهذا ما حدث لضابط صعيدي أتى إلى القاهرة من صعيد مصر شابًا؛ ليعمل بالمباحث العامة العام 1957، وساقته الأقدار إلى كشف المؤامرة الكبرى ضد الرئيس المصري (محمد أنور السادات) العام 1971، فيما عرف بـ (مؤامرة مايو).
حيث الصراع بين السادات وخصومه من مراكز القوى في بداية حكمه، والتي أشاد السادات فيها بدور هذا الضابط الصغير.. (طه زكي)، الذي صار فيما بعد مدير مكتب السادات، يجلس على مائدة الذكريات؛ ليفتح الخزائن المغلقة منذ أعوام طويلة، يحكي بهدوء، ولا يقاطعه غير صمته وهو يتذكر السادات إنسانًا، فيقول: (كان التحاقي بكلية الشرطة إشارة لما سيأتي من مفاجآت، فقد تخرَّجت فيها العام 1955، وعُيّنت في بلدتي ضابطًا، لكن لم تطل إقامتي الهادئة هناك، فقد تم نقلي إلى إدارة المباحث العامة(أمن الدولة العليا).
وانتُدبت للعمل بمكتب خاص يسمى (الرقيب العسكري) كضابط بفرقة رقابة التليفونات، وكانت الرقابة تابعة لوزارة الداخلية مباشرة، وفي هذا المكتب عرفت طريقي إلى الرئيس السادات). على السمَّاعة كان عمل (زكي) مراقبة تليفونات الأشخاص ذوي النشاط السياسي المُعادي للرئيس، وتسجيل أحاديثهم على أشرطة، يُكتب مضمونها في تقارير تُرفع إلى وزير الداخلية، وقد تسلّم هذا العمل العام 1963 في عهد الرئيس الراحل عبدالناصر.ويضيف: (شاء القدر أن يمنحني فرصة الاستماع إلى مكالمات تليفونية العام1971، تمت بين مجموعة من المسؤولين الكبار في الدولة.
وكانت بمكالماتهم انتقادات وشتائم تتعلق بسياسة السادات، وكان يتزعم هذه المجموعة (علي صبري)، نائب الرئيس وقتها،(سامي شرف)، وزير شؤون رئاسة الجمهورية، (شعراوي جمعة)، وزير الداخلية.
وغيرهم من ممثلي الاتحاد الاشتراكي، مجلس الشعب، وزير الإعلام، ومدير المخابرات، وكانت هذه المجموعة تقبض على زمام الأمور في الجيش، الشرطة، والإذاعة، وكان من المفروض أن أرفع تقارير بما يدور بينهم إلى مدير إدارة المباحث العامة، الذي بدوره سيرفعها إلى (شعراوي جمعة)، وزير الداخلية، لكن كيف تتهم القاضي الذي سيحكم في القضية؟!).
يواصل حديثه بهدوء: كان الأمر متعلقًا بمؤامرة تستهدف مصر، ليس السادات فقط، ففكرت أن أنقل المعلومات إلى السادات مباشرة، فكان لي ابن عم بالقوات المسلحة، وكان صديقًا لـ (عفت السادات)، شقيق الرئيس، فذهبت إليه، وطلبت منه مقابلة الرئيس دون أن أفصح عن السبب، فقام بالاتصال بعفّت السادات، فلم يجده، وبعد محاولات قابلت (فوزي عبدالحافظ)، السكرتير الخاص للسادات، الذي حدد لي موعدًا في اليوم التالي.
ودخلت المنزل من الباب الخلفي؛ لنتحاشى عيون الحرّاس، وانتظرت في غرفة الصالون خمس دقائق، بعدها دعاني السيد (فوزي) لمقابلة الرئيس في الدور العلوي، ولم يكن معي أي دليل يؤيد ما سأقول، جلست على الكنبة، دخل السادات، جلس على الكرسي المواجه لي، قال: (ماذا تريد أن تقول؟)..
رويت له قصة الأشرطة، وما يدور فيها، وأن هناك تنسيقًا بين مجموعة الوزراء ونواب الوزراء للإطاحة به، كان الرئيس ينصت لي دون أن ينطق بكلمة واحدة، وبعد أن انتهيت قال بهدوء: (اذهب إلى عملك، وأحضر لي الدليل!).
خرج (طه زكي) محبطًا لعدم استجابة السادات لما قاله، وخوفًا من أن ينكشف أمره، قرر ألا يهتم بالأمر مرة أخرى، لكنه ذهب إلى عمله في اليوم التالي، فأخبره رئيسه في العمل أنه في إجازة لمدة ثلاثة أيام؛ ليؤدي واجب العزاء، وسأله عمّا يفعله لو طلب منه مدير الإدارة بعض الأشرطة، فأرشده رئيسه إلى مفتاح أرقام الدولاب السرية.
يمسك زكي بطرف الحديث: (بعد خروجي قمت بفتح الدولاب، أخرجت الأشرطة الثلاثة، وضعتها في حقيبة، اتصلت بـ (فوزي عبدالحافظ) من تليفون في الشارع، تمت مقابلة الرئيس مرة أخرى بمنزله، ظل يستمع إلى الأشرطة بما فيها من شتائم جارحة له، وقبل أن أنصرف أعطى أوامره باستقبالي في أي وقت، فيما بعد تم القبض على عدد من هؤلاء المسؤولين، وبدأ التحقيق معهم، ولم أظهر في الصورة ثم قامت ثورة (التصحيح).
مكافأة
رفض زكي أي مكافأة مادية من السادات، لكنه كرمه بمنحه (نوط الواجب)، ثم قام بتعيينه مديرًا لأمن الرئاسة، وبهذا عاش إلى جواره أعوامًا، كانت بالنسبة له كالحلم -على حد تعبيره- وأضاف: (لايمكنني أن أنسى حضور الرئيس قران ابنتي، كما أنه كان شاهدًا على عقد الزواج، وهذا في حد ذاته كان تكريمًا لا يدانيه تكريم).
سياسي داهية
وعن السادات الإنسان يحكي (زكي): (كان رجل سياسة شهد العالم بخبرته وذكائه، ولم يكن ممثلاً، كما ادعى البعض، فكيف يمثِّل من يفقد أخاه في حرب أكتوبر؟، وكيف يتحمل استشهاد أخيه الموجود في الصفوف الأولى بين الطيارين المصريين بصبر لولا وطنيته العالية؟!)..
وأكمل قائلاً: (الرئيس السادات وصل إلى الحكم في فترة صعبة، ولم يظهر على الساحة السياسية كمرحلة مؤقتة كما توهم رجال مراكز القوى، وأذكر أن (هيلموت كول)، مستشار ألمانيا الغربية، قد سُئل عن رأيه في رجل العالم العام 1992، فأجاب: إنه السادات، فقالوا: لقد مات في 1981، فقال: لقد كنت أزوره العام 1980.
وسألته عن رأيه في النظام الشيوعي، فردّ: لن يأتي العام 2000 إلا وقد انهارت الشيوعية عالميًا، وتحققت نبوءة الرجل، وانهارت الشيوعية بالفعل قبل بدايات القرن الحادي والعشرين بحوالي 10أعوام).
السادات وناصر
المقارنة بين رؤساء مصر ظالمة وغير منطقية، إلا أنه يلح على الكثيرين دائمًا المقارنة بين الرئيسين عبدالناصر، السادات، وعلى ذلك يعلق زكي:
(لا يمكن عمل مقارنة بين عهدي عبدالناصر والسادات، فظروفهما مختلفة؛ لأن عبدالناصر جاء بعد الاحتلال الإنجليزي ونظام الملكية، أما السادات فقد تسلم بلدًا مهزومًا، لكن عهد السادات كان أكثر حرية، فهو رجل وطني حكم بلده بحكمة وبعد نظر، ونجاحه في معركة 1973 يشهد له بالكفاءة.
والتجاؤه إلى الحل السلمي فيما بعد لم يكن ضعفًا، بل كان بعد نظر، عندما رأى أن الأمريكان دخلوا الحرب لمساعدة إسرائيل، ولم تكن مفاوضات السلام أقل شراسة من الحرب، وبشكل عام فلا يوجد إنسان بلا خطأ، والسادات بشر له مميزات وعيوب، لكن مميزاته أكثر من عيوبه، ولست متحيزًا له، لكنها الحقيقة التي تؤكد أنه لا كرامة لنبي في وطنه إلا بعد أن يشهد الغرباء له).
هيكل
يتوقف مدير مكتب السادات عند قصة (محمد حسنين هيكل) فقال: (كان وضع (هيكل) في عهد عبدالناصر كبيرًا؛ حيث إنه كان يفتح له أرشيف رئاسة الجمهورية، ويطلعه على أي شيء، فكان رقم واحد بالدولة.
وتغيّر هذا الوضع في عهد السادات، وهذا ما أثار غضبه، وجعله يؤلف كتابًا في سرد القصص التي تسييء إلى السادات، فوصف والدة الرئيس في كتاب (خريف الغضب) بأنها سوداء، وهذه أمور لا تحركها إلا الضغائن).
شخصيات عالمية
كانت للسادات، كما هو معروف للكثيرين علاقات حميمة ببعض الشخصيات العالمية من بينها (الشيخ زايد)، الذي كان يصفه بأنه أحد حكماء العرب، إلى جانب تقديره لوقوفه إلى جانب مصر خلال حرب أكتوبر 1973، كذلك (الملك فيصل)، الذي يقول طه زكي عنه إن الرئيس السادات كان يبعثه إليه برسائل توضح مدى الود بينهما.
ولم يكن السادات ينسى موقف (شاه إيران) ومساعداته لمصر في الحرب، حين أعطى أوامره للمراكب المحملة بالبترول، وهي في عرض البحر بالتوجه إلى مصر، وهذا سبب استقبال السادات له في مصر كلاجئ ردًا للجميل.
جيهان السادات
وفي شهادته عن السيدة جيهان السادات زوجة الرئيس السادات، قال عنها: (سيدة ذكية جدًا، وهذا يظهر في أصالتها، تحديها لأسرتها عند زواجها من السادات، على الرغم من أنه كان مطرودًا من الجيش، وقد كان يكبرها بـ 20 عامًا، وكان متزوجًا ولديه أولاد، أما ما يُشاع عن تدخلها في إدارة الدولة.
وأنها كانت تحكم مصر من الظل، فهذا غير صحيح، وغير منطقي، فرغم ذكائها إلا أنها لا تستطيع التدخل في شؤون الحكم وإلا اصطدمت بدهاء السادات، فقد ادّعى ذلك (محمود جامع)، وقال إنه كان صديقًا للسادات، إلا أن الحقيقة تقول إنه لم يكن من أصدقائه، بل كان يطلب فقط مقابلته أثناء وجوده بقريته ميت أبو الكوم، فكان واحدًا ممن يلتقيهم السادات لا أكثر).
القاهرة - دار الإعلام العربية


