يروى أن الفنان الكبير سيد درويش مرّ في أحد الأيام بمقبرة في أحد أحياء الإسكندرية؛ فرأى شاهد قبر أوصى صاحبه عليه بهذه الكلمات «زوروني في السنة مرة».

فتأثر درويش بهذه الكلمات البليغة وسارع إلى صديقه الشاعر بديع خيري وأخبره بما شاهده وطلب إليه تأليف قصيدة غنائية على وزن ذات الجملة، فكتب بديع خيري «زوروني في السنة مرة حرام تنسوني بالمرة»، فلحنها درويش وحلقت الأغنية في الآفاق وظلت خالدة إلى اليوم؛ ولعلها واحدة من حكايات الأغاني التي حفرت اسمها في ذاكرة الزمن، وسنتناول جانباً منها في السطور التالية.رغم أنها ظهرت عبر عدة أصوات من بينها صوت العندليب عبدالحليم حافظ؛ إلا أن أغنية «لا تكذبي» رسخت في أسماع وأذهان الكثيرين بصوت المطربة نجاة الصغيرة، ولهذه الأغنية عدة حكايات ربما كان أشهرها ما يسرده مصطفى أمين بعشق كاتب الأغنية الشاعر العملاق كامل الشناوي للمطربة الشابة نجاة أيام الستينات وعدم تصديقه أي شائعة تقال عنها.

ويروي أمين في كتاباته أنه كان يجلس في بيت العندليب عبدالحليم حافظ مع الملحن محمد الموجي حينما دخل الشاعر الشناوي بحالة يرثى لها من الحزن، حيث مضى مباشرة إلى الهاتف واتصل بالفنانة نجاة ليسمعها القصيدة التي كتبها عنها بعد حادثة يرويها أمين؛ إلا أنها أجابت الشناوي ببرود وكأن الأمر لا يعنيها «إنها قصيدة رائعة سأغنيها». وبعد أن أغلق الخط انطلق الشاعر بموجة بكاء هستيري متواصل، فاختطف العندليب الكلمات وغناها بألحان عبدالوهاب الذي غناها بدوره، إلا أن الأغنية كانت أجمل بصوت نجاة رغم أن المخاطب به «أنثى».وتمضي بعض الأيام ليكتب الشناوي رائعته «حبيبها لست وحدك حبيبها»، ولم تنكر نجاة حب الشناوي لها من طرف واحد، ليموت هذه الشاعر في ريعان شبابه هماً وكمداً، ولتبقى «لا تكذبي» الأغنية الأكثر حزناً في تاريخ أغنية الحب الملطخ بالخيانة.

عبر الشط

اشتهر الفنان كاظم الساهر - حين كان يغني اللون العراقي فقط- بمجموعة أغنيات ذات إيقاع خفيف من اللهجة العراقية، ومن أبرز أغانيه في تلك الفترة أغنية «لدغة الحيّة» و«عبرت الشط» ولهذه الأغنية الأخيرة حكاية واقعية يعرفها أهل بغداد القدامى، حيث كانت الفيضانات تضرب العاصمة العراقية حتى نهاية الخمسينات بسبب ارتفاع مناسيب المياه في نهر دجلة وعدم وجود السدود المناسبة آنذاك.

ويروى أن امرأة تسكن في كوخ طيني بالقرب من شاطئ دجلة «الشط- باللهجة العراقية» وكان لهذه المرأة طفل صغير يبلغ 7 أشهر، ففاض دجلة بالمياه وغمر البيوت القريبة من الشاطئ، فاحتارت هذه المرأة - وهي التي لا تجيد السباحة- بأمرها، فما كان منها إلا أن وضعت طفلها على رأسها ورمت بنفسها في النهر، فكانت تغطس وتخرج برأسها لتتنفس إلى أن وصلت إلى الشاطئ المقابل .

ولكنها وصلت ميتة بعد أنقذت طفلها وضحت بنفسها من أجله، فكتب أحد الشعراء القدامى قصتها عبر قصيدة شعبية «عبر الشط» واصفاً تضحية تلك الأم، ليغنيها بعد عشرات السنوات الفنان كاظم الساهر مع بعض التحوير لتتحول لدى الكثيرين إلى أغنية عتب بين حبيب وحبيبته.

مشيت على الأشواك

أما بداية علاقة العندليب عبدالحليم حافظ مع الشاعر عبدالرحمن الأبنودي وكتابته لأغنية «مشيت على الأشواك» فهي من أغرب الحكايات، حيث سخر الأبنودي - الشاعر الصعيدي- من كلمات بعض أغاني عبدالحليم أثناء سهرة في منزل العندليب، ومن بين الأغاني التي انتقدها الشاعر «جبار» و«الليالي» للشاعر مرسي جميل عزيز و«توبة» .

و«قولي حاجة» للشاعر حسين السيد، فانزعج عبدالحليم وتحدى الشاعر الأبنودي بكتابة نص غنائي يوازي تلك القصائد، فقبل الشاعر هذا التحدي وطلب منحه ربع ساعة لكتابة النص، فدخل إلى غرفة خاصة وخرج بنص «مشيت على الأشواك وجيت لأحبابك.. لا عرفوا أيه وداك ولا عرفوا إيه جابك.. رميت نفسك بحضن سقاك الحضن حزن»، فدهش عبدالحليم والملحن محمد الموجي الذي كان شاهداً على هذا التحدي حيث احتضن عوده ووضع الخطوط الأولى للحن الأغنية التي كانت من أجمل أغاني العندليب.

سلوا كؤوس الطلا

كما كان للشاعر أحمد رامي حكايات مع أغانيه التي كتبها لأم كلثوم؛ حيث بدأ أمير الشعراء أحمد شوقي علاقته الفنية بكوكب الشرق أم كلثوم حين دعاها لإحياء حفل غنائي في كرمة بن هاني.

فانتشى أمير الشعراء لصوتها العذب وتعبيراً عن ذلك قدم لأم كلثوم كأساً من الشراب، فتصرفت بدبلوماسية وقربت الكأس من فمها ولم ترشف منه قطرة، فأعجب شوقي تصرفها، فخلا بنفسه وكتب قصيدة أوصلها بنفسه إلى أم كلثوم بمغلف، ليبقى هذا المغلف بقصيدته حبيس أدراج مكتب أم كلثوم حتى عام 1944 بعد رحيل شوقي بعقدين من الزمن.

حيث عهدت به لعبقري الموسيقى العربية رياض السنباطي الذي لحنه فكانت أغنية «سلوا كؤوس الطلا» وكلمات الأغنية تتحدث عن الحادثة التي أوردناها آنفاً وفيها يقول شوقي: «سلوا كؤوس الطلا هل لا مست فاها. واستخبروا الراح هل مست ثناياها» متحدثاً عن حكاية أم كلثوم تلك.

أبوظبي- محمد الأنصاري