كانت الخيل في البدء كالناس، بساطها على الريح، وكان في زماننا رجل أراد أن يصادق بساط الريح، أراد أن يلتصق بتاريخ الحصان الجمالي، فمثَّل حالة من الارتباط بين عالمين: إنساني، وأسطوري تمثله الخيول، إنه الفنان المصري، رسَّام الكاريكاتير، إبراهيم حنيطر، الذي سخَّر موهبته واهتماماته الفنية لتجسيد الحصان العربي فنيًا، لكنه دخل عالم الحصان من باب الهواية، لا من باب الاحتراف.
حنيطر، الذي تجاوز الستين بعامين، قضى من عمره هذا ربع قرن مع الخيول رسمًا وألوانًا، ويبقى له حاليًا أن يحكي قصته مع الحصان الذي قاده من مستحيل إلى مستحيل، فيقول:كان الحصان دائمًا ملهمًا للفنانين عبر العصور، فامتلأ تاريخ الفن العالمي بروائع الأعمال المستوحاة من تكويناته ومعانيه، فالحصان من أهم المخلوقات التي خلقها الله للإنسان، بل إن الحضارة الإنسانية قامت على ظهور الجياد، لكن للأسف الشديد لم يهتم الفن المصري أو العربي المعاصر بالحصان الاهتمام الكافي، فهناك اعتقاد بأن أي حصان على الأرض ما هو إلا حصان عربي، لكنه اغترب عن أصوله التي تتميز بملامح خاصة، وتكوين عضلي مختلف، وطبيعة نفسية متفردة.
دنيا الحصان مع انطلاق أول مهرجان للخيول العربية في مصر بدأت الخيول تخطفه على ظهورها، ولم يعد من رحلته بعد، فعمل بالدعاية الخاصة بالمهرجان؛ لكي يتاح له اكتشاف أسرار هذا العالم الجديد الذي يمثل الحصان العربي بطله الأسطوري، بعد المهرجان ارتبط بكل مهرجانات الخيول، وهذا ما شجَّعه على القراءة عن الخيل العربي والاهتمام به، وزيارة مزارعه، والتعرّف إلى جمالياته وتكوينه وتشريحه.ويضيف: مع توغّلي في دنيا الحصان العربي، وجدت أن الفنانين العرب، باستثناء القليل منهم، لا يهتمون بجمالياته، وظهر لي مدى الظلم البيِّن الذي يقع على تاريخه الفني؛ خاصة في ظل انتشار العشوائية الفنية لدى الكثيرين في الوقت الحالي، فلا أحد يفكر في رسمه.
كما أن المصورين لم يقدموا إلى الحصان ما يليق به، كما ضايقتني إساءة بعض الفنانين إلى الحصان برسمه بما يشوّه صورته؛ مثل رسمه على هيئة سلحفاة أو ماعز أو بومة، أو من خلال الأعمال التي كانت تُظهر عيوبه.
وهذا ما دفعني إلى توجيه موهبتي لخدمته، خاصة أنني أجيد أكثر من فن، كالرسم، الكاريكاتير، التصوير الفوتوغرافي، فصورت الخيول لمصلحة بعض المزارع والمربين، وأيضًا قمت بتصميم شعارات المهرجانات المخصصة له؛ سواء المحلية أو العربية، كذلك ابتكرت تصميمات ورقية، وأنتجت مطبوعات فنية تضم أعمالا تشكيلية، جميعها يهتم بالحصان العربي، مثل النتائج السنوية، الأجندات، المُفكّرات.
كما سحرني سرد تاريخ الحصان العربي في مصر من خلال «بوسترات» توضح أهم الخيول العربية في تاريخ مصر، مثل «إخناتون»، «أخطل»، «ابن أخطل»، «منصور»، «علاء الدين»، «مُنية النفوس»، وهي أسماء لأشهر الخيول المصرية.
لا كرامة لحصان في وطنه
تخصص حنيطر في رسم الحيوانات بشكل عام، وليس الحصان فقط، وله لوحة في متحف الفن الحديث بالقاهرة، جمع فيها كل حيوانات الأرض المعروفة، وغير المعروفة.
وكذلك بعض الحيوانات جاءت من نسج خياله، لكن هذا التجاهل للحصان العربي على يد أصحابه واكبه اهتمام من قبل الأجانب، ويشير حنيطر إلى أن الفنان الفرنسي «يوجين دي لاكوروا» اهتم بإبراز الحصان العربي، ويعتبر من بين الفنانين الأوروبيين القلائل الذين اهتمّوا برسم مظاهر الحياة في الشرق.
ويستكمل: خلال الأعوام الفائتة اكتشفت أن فنانين عالميين يهتمون بالحصان، ويأتون إلى الدول العربية لبيع أعمالهم، كما اكتشفت أن فنون الحصان يحتكرها الفنانون الأجانب، فأصحاب المزارع في مصر يستدعونهم لتصوير الخيول؛ لأنهم يتفوقون بكاميرات متخصصة لا تتوافر لدى المصورين المصريين نظرًا لارتفاع ثمنها.
كل هذه الأمور جعلتني أحاول رد اعتبار الحصان العربي من خلال «تأميم» فنونه وتعريبها، ففكرت في تدريب بعض المهتمين بالتصوير، الرسم، الخزف، النحت.
وتوجيههم إلى الحصان، وقمت بعمل دراسة نظرية وعملية لفنون الحصان بتمويل خاص، حاضر فيها أطباء متخصصون في تشريح الحصان، فكل عظمة وعضلة ووتر في جسده لها وظيفة، كذلك كان هناك متخصصون في «سيكولوجية» الحصان؛ تاريخه، سلوكياته، شخصيته.
وهي مسألة لم يفكر فيها أحد من قبل، ففي كليات الطب البيطري يُدرس الحصان ضمن فئة «الخيليات» التي تضم معه «البغل»، «الحمار» وغيرهما، والأمر نفسه في كليات الفنون، فلا أحد يفكر في رسم الحيوانات، وهو ما أعتبره مشكلة كبيرة.
وقد عايش المتدربون الحصان في مزارع الخيول لرؤيته عن قرب، وهنا تحمس الكثيرون لرسمه وتصويره ونحته، على الرغم من أنها كانت المرة الأولى التي يرى بعضهم فيها الحصان العربي، وهو ما أسعدني كثيرًا؛ لأنني استطعت أن أوجه اهتمام بعض الفنانين للحصان العربي، ولو بالقدر القليل.
أول مركز للحصان
ولكي تأخذ هذه الدورات التدريبية الشكل المنتظم، ولزيادة الاهتمام بالحصان، فكَّر حنيطر في تحويل هذا الاهتمام إلى شكل مؤسّسي، فكان «مركز فنون الحصان العربي»، الذي يهدف إلى تنظيم عدد من الفعاليات والأنشطة المتعددة، من بينها التصوير الفوتوغرافي المتخصص للخيول، وإنتاج المطبوعات الفنية، وتصميم المقتنيات الفنية الخاصة بالخيول.
وتنظيم الدورات التدريبية لفنون الحصان، والمشاركة في نشاطات ومهرجانات الخيول محليًا، عربيًا، عالميًا، خاصة أن مصر أكثر دول الشرق الأوسط بها خيول عربية؛ حيث تضم 450 مزرعة متخصصة.
كما أن المركز لا يتوقف عند ذلك، بل يقوم بتنظيم ورعاية معارض فنية تدور موضوعاتها عن الحصان العربي، مع مرور الوقت بدأ عدد من الفنانين والهواة الاهتمام بالحصان.
وبدأت أعمال تشكيلية عن الحصان العربي تظهر للنور، وهذا ما جعله يفكر في خطوة أخرى على طريق رد الاعتبار للحصان العربي، وهي إقامة أول معرض في العالم يخصص لفنون الحصان، وبالفعل لاقى المعرض إقبالا كبيرًا؛ حيث شارك فيه 58 فنانًا مصريًا وعربيًا، بأعمال كان الحصان العربي هو بطلها.
وقد وصل عددها إلى 120 عملاً، تنوعت بين تصوير فوتوغرافي، تصوير زيتي، رسم، جرافيك، كاريكاتير، بالإضافة إلى خزفيات تطبيقية مثل «المج»، «الشمعدان»، «الإبريق»، «المبخرة»، «الحلي»، إلى جانب أعمال فنية من الجلد، الخشب، البلاستيك، الحديد، الخردة، الخيامية، وكان المعرض تحت عنوان «تشكيليات الحصان العربي».
القاهرة - دار الإعلام العربية


