هاهم أصحاب القرية يجلسون على أريكة وأمامهم ماعز ، وهذا عمدة القرية يستقبلنا بجلبابه وقفطانه يجاوره خفير القرية، وشيخ البلد. مشاهد لم تتغير ملامحها حتى يومنا هذا في قلب جزيرة يعقوب على النيل من ناحية محافظة الجيزة، يقبع متحف التراث، الذي تلتقي فيه مهن وحرف المصري القديم.. ليست وجوه البشر فقط هي أبطال المتحف.
وإنما البطولة للمهن ذاتها، ففيه تتابع جزءا من تاريخ العمل للمصري القديم، ويعد امتدادا، إلى حد كبير، إلى مجهود هذه الحضارة الفرعونية القديمة، (الحواس الخمس) تجول بين أرجاء المتحف وجاءكم بتفاصيل جديدة.هذا هو العم أو الخال (السقا)، الشخص الذي كان مسؤولاً عن نقل المياه من الخزانات إلى المساجد، المساكن، الكتاتيب، وداخل المتحف نراه يحمل المياه في (قربة) مصنوعة من الجلد وزنها 67 رطلاً.وعلى مقربة من السقا نجد (الحلاق) يحمل رخصة بائع متجول ويدور داخل الحارات المختلفة بحقيبته المليئة بمعدات الحلاقة التي لم تختلف كثيرا عن يومنا هذا، إلا أنه كان يسير في تجمّعات مزدحمة لحلاقة رؤوس الرجال في الشوارع.
سنان السكاكينداخل متحف التراث من حارة إلى أخرى نتنقل، نسمع صوت آلة يدق بها الصناع على طبق من النحاس، يستخرج منها أدوات المطبخ وأمامه (كوشة) من النار تساعد في تشكيل هذه الأدوات، وبالقرب منه يسكن (مكوجي الرجل)، كما يصفونه أهل زمان، وقد وفدت هذه المهنة إلى مصر القديمة مع قدوم الأتراك والجاليات الأجنبية.وهذا (سنان السكاكين) يجلس في تركيز وثبات حاملا في يده سكينة يضعها على أسطوانة دائرية محمولة على حاملين من الخشب، وبها قرص حجري يحركه قدم الصانع، ونسمع من سنّان السكاكين أن لكل سكين طريقة في عملية السن، حسب طبيعة استخدامها، وهذا (منجّد) يقوم على تنجيد الأرائك التي يجلس الناس وينامون عليها، وهي حرفة تجمع بين الصنعة والإبداع.
ريف فرعوني
نقترب قليلاً من أحد البيوت الريفية في مصر قديما لنرى شخصا كان يطلق عليه (الدقّاق)، وكان يقوم بدق الحبوب لاستخراجها، وبالقرب من (الرحايا)، وهي عبارة عن صخرتين متلاصقتين لطحن الحبوب وتجلس أمامها سيدة تحركها بكلتا يديها، وفلاحات أخريات يقمن بإطعام الطيور وغسل ملابسهن ثم ينتقلن إلى إعداد الخبز من أجل قوت يومهم، ويحضرون أكلاتهم الشعبية مثل المش، الطماطم، الفول، الجبن القريش.
الماعز أمام البيوت منظر دائم؛ حيث يجلس أصحابها على أريكة من الخشب وهي ترعى بهدوء، وها هو عمدة القرية يستقبلنا بجلبابه وقفطانه يجاوره خفير القرية، وشيخ البلد، وهذه المشاهد لم تتغير ملامحها حتى اليوم في مصر الحديثة.
مقهى شعبي
ونستريح قليلاً من السير في طرقات المتحف، فنجلس على مقهى شعبي، وبجوارنا نماذج من وجوه مختلفة من المصريين، فنرى أحدهم يتناول الشاي مع الشيشة التي التقطها الفراعنة من الهنود والأتراك، ويلعب الطاولة مع زميله، فنسمع صوت رمية الزهر، بينما يقرأ آخرون الصحف، وهم قليلون على أي حال.
بجوار الشيشة يجلس راقص التنّورة بزيّه المعاصر، وبالأداء نفسه، وبجوار راقص التنورة نشاهد فرقة حسب الله، وفرقة أم كلثوم، وفرق موسيقية شعبية أخرى، كل يعزف ويغني على ليلاه.
خطبة العروس
بالقرب من المقهى الشعبي نسمع زغرودة مصرية قديمة تعلن بداية مراسم الاحتفال بخطوبة عروس، ننتقل إليها لنرى امرأة يقولون عنها الخاطبة، تجلس أمام طبلية يوضع عليها برّاد شاي، وأكواب، تحية لضيوفها من والدة ووالد العروس، وبجانبهم الفتاة المطلوبة للخطبة، وتحمل الخاطبة صورة فوتوغرافية للعريس الذي يرغب في الزواج، وبعد النظر في صورته، تعلن العروس موافقتها أو عدم ارتياحها، ويذهب بعدها كل إلى سبيله حيث كان.
ركن الأفراح
في ركن الأفراح نشاهد الشبكة وهي عبارة عن كميات كبيرة من الذهب، بينما تقف عربة يشدها حصان؛ لتقفز عليها راقصة ومغنية لتقديم فاصل غنائي راقص، وأمام تلك العربة تجلس العروس وبجوارها صينية من النحاس، بها حنة العروس وسيدة تقوم على تزيينها، ويتوسط صينية الحنّة مجموعة من الشمع، والجمل محمل بالهودج، مكتوب عليه (ومن شر حاسد إذا حسد)، وصلوات على النبي محمد، وعبارة (الله أكبر).
يبدأ حفل الزفاف بنقل دبلة الخطوبة من اليد اليمنى إلى اليسرى تعبيرا، كما يفسره خبراء التراث، على (الرباط المقدس بالزواج)، ويتم الزفاف في الشوارع على مدى ثلاث ليالٍ، يتم خلالها تزيين الطرقات والأزقة وإطلاق الأعيرة النارية والزغاريد تعبيرا عن الفرحة، ويجلس أمام العريس وعروسه أربع صغيرات يحملن الشموع، وعلى يمينهم أسرة العروسين، وتقوم سيدة بحمل طاقم الشبكة لمشاهدة الحاضرين لها على أنغام المزمار والرقص والطبل البلدي.
وبعد أسبوع من حفل الزفاف يستعد أهل كل منهما للاحتفال بما يسمونه (سبوع الفرح)، وفيه يقدّم الأهل الحلوى لضيوفهم، وبعد شهور من الزواج نسمع أصوات زغاريد لسيدات ابتهاجا بقدوم مولود جديد، ولا يمضي سوى أسبوع؛ لتجلس أمام المولود مجموعة من السيدات تتوسطهم أم الطفل المولود تحمل (منخُل)، وبداخله المولود، وعلى يمينها سيدة توزع الحلوى، وعلى يسارها أخرى تقوم بدق (الهون).
عرَّافة وزارٌ
في إحدى حارات متحف التراث نشاهد العرّافة والزار، عرافة تتنبأ بالمستقبل، ترتدي (البيشة)، وهي نوع من الثياب الخاص بهذه المهنة، وأمامها أنواع من الوّدَع تضرب كلا منها في الآخر؛ لتعرف ماذا سيحدث للشخص الجالس أمامها؟
أما سيّدة الزار فهي فرقة مكتملة الصفوف تقف في الوسط (شيخة الزار) وأخريات لهن دور في الطبل أو أداء حركات راقصة تملؤها الشعوذة، ويعتقد الناس في هذا الزمان البعيد، وبعض منهم حاليا، أن شيخة الزار حلقة الوصل بين الزار وأرواح المتوفين أو الغائبين.
بائعون
وعلى جانبي المتحف نسمع ونشاهد بائعين مصريين، يختلفون، يتنوعون في نداءاتهم، فهذا بائع الكشري، وذاك بائع الذرة المشوي، وثالث للفول، وغيرهم للبطيخ والبطاطا.. كل منهم يحمل بين يديه بضاعته ولسان حاله ينادي في عبارات وكلمات لعل زبائنه ترضى عن بضاعته.
قبقاب شجر الدر
وبالقرب من هؤلاء الباعة يجلس (صانع الأحذية)، ومنظفها، وملمّعها، لكن شكل الحذاء كان موحدا في هذا الأيام وكان يطلق عليه اسم (القُبقاب)، فهو صناعة قديمة ترجع إلى العصر الفاطمي والمملوكي، مصنوع من الخشب والجلد، وقد جاءت إلى مصر بعد الحادثة الشهيرة التي قُتلت فيها (شجر الدر) بالقبقاب حتى ماتت على يد زوجة الأمير أيْبك؛ لينتهي بموتها عصرٌ، ويبدأ عصر جديد.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


