وجّه الموسيقار العراقي العالمي نصير شمّة عتاباً ولوماً شديدين للمؤسسة الرسمية في جميع الدول العربية لما وصفه بالحصار والطوق الذي تفرضه على دخول المثقفين العراقيين إليها عبر الصعوبات والتعقيدات.
ورفض منح التأشيرة للغالبية العظمى منهم، وأكد شمّة، الذي وقع عقداً قبل أيام مع شركة هايبرد ريكوردز العالمية لتسجيل وتوزيع أعماله الموسيقية، أنه لا ينوي العودة إلى العراق إلا بعد رحيل القوات الأميركية والأجنبية. كما صرّح في حديث خاص ل(الحواس الخمس) أنه رفض أكثر من 30 دعوة وجهت له لإقامة حفلات موسيقية في الولايات المتحدة الأميركية كمظهر من مظاهر رفضه وتنديده ومقاومته كفنان وكإنسان عراقي للغزو الأميركي الوحشي حول عقده الجديد مع شركة (هايبرد ريكوردز)، يقول نصير شمّة: تقوم هذه الشركة بتسجيل وتوزيع الأعمال الموسيقية العالمية على عدة منظومات تقنية حديثة كالإنترنت والهواتف النقالة وتقنيات أخرى متطورة بعيداً عن القرصنة التي تحدث عادة للأعمال الفنية، وتضم قائمة هذه الشركة مجموعة أسماء لكبار الموسيقيين والفنانين العالميين.
وأعتقد أن إسهام التكنولوجيا في مجال الثقافة الموسيقية بات في مراحل متقدمة، وعلى سبيل المثال؛ أنه بعد ظهور الأقراص المدمجة وانتشارها في مرحلة التسعينيات بات الجمهور الأوروبي يطلب في الحفلات التي أقيمها مقطوعات مثل رحيل القمر وغيرها من المقطوعات التي سمعها عن طريق تلك الأقراص المدمجة،.
وأعتقد أن اتفاقي مع شركة (هايبرد ريكوردز) سيوسع من انتشار أنغام العود ورسالته الروحية الشرقية في جميع أنحاء العالم، ولا يعنيني كثيراً انتشار اسم نصير شمّة بقدر إيصال رسالة العود للعالم.
اشتهرت موسيقى نصير شمّة عربياً وعالمياً، وقد اشتغل على باليه (شهرزاد) للموسيقار الروسي ريمسكي كورساكوف برؤية شرقية، كما قام بتأليف موسيقى مسرحية المخرج التونسي المنصف السويسي (البلاد طلبت أهلها)، إضافة إلى تعاونه وتأليفه عشرات من المقطوعات الموسيقية في أعمال مسرحية وفنية.
وآخر ما يستعد شمّة لتأليفه هي موسيقى مسلسل (أنا القدس) التي يخرجها باسل الخطيب، كما يقوم شمّة بتأليف الموسيقى لقصيدة الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب التي اختيرت كمقدمة للمسلسل، وقد اعتبر شمّة عمله الموسيقي القادم لهذا المسلسل تشريفاً له لأنه يرتبط باسم المدينة المقدسة.
يقول الموسيقار نصير شمّة، بعد حفله الذي أقامه مؤخراً بقصر الإمارات ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي: لقد أسهم المثقفون العراقيون من شعراء وفنانين وعلماء وأدباء ومفكرين في رفد الثقافة العربية طيلة قرون طويلة، كما كان هؤلاء المثقفون أصحاب مواقف مشرفة في جميع القضايا التي طالت العالم العربي بدءا بالقضية الفلسطينية،.
ومروراً بغزو لبنان وجميع المحطات التاريخية التي مرت بالمنطقة، كما كان العراق على مر العصور الحضن المفتوح والملاذ والبيت والوطن لجميع المثقفين العرب.
فهل يكون جزاء المثقف والإنسان العراقي بهذه الصورة! ولضرب مثال على ذلك أننا لم نكن نعلم بأن شاعراً عملاقاً كمحمود البريكان كان على قيد الحياة حتى مقتله عام 2002م في البصرة مهملاً من جميع المؤسسات الثقافية العربية.
أمضى الموسيقار نصير شمّة العقدين الماضيين من الزمن بعيداً عن وطنه الذي تراه في حدقات عينيه وأنغام عوده؛ وقد حمل مآسي شعبه طيلة تلك السنة، فكانت ملجأ العامرية القرن العشرين تختلط بأحزان كربلاء من القرن السابع، وعلى الرغم من مواقفه الإنسانية لدعم ومساعدة أطفال وشعب العراق عبر المقطوعات والمبادرات التي يقدمها؛ إلا أن نصير شمّة يرفض العودة إلى وطنه؛ يقول: لن أعود إلى بغداد إلا بعد خروج القوات الأميركية والأجنبية المحتلة منه.
وأعلنها بصورة صريحة أنني رفضت أكثر من 30 دعوة توجهت بها مؤسسات أميركية رسمية وخاصة لأجل إقامة حفلات فنية في الولايات المتحدة، وهي رسالة موجهة لمثقفي وفناني أميركا وللشعب الأميركي لتوضيح حقيقة المأساة التي جلبها المحتل الأميركي لوطني.
اشتغل الموسيقار شمّة على مجموعة قصائد للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش فترجم قصائده موسيقياً عبر عدة أصوات، وهو يعمل حالياً على اختيار نصوص شعرية منوعة ويقول في ذلك: لدي فكرة عمل أسعى إلى تنفيذه في المستقبل القريب عبر اختيار نصوص شعرية عربية وموازاتها موسيقياً لتقديمها برؤية جديدة.
واختيار أصوات عدة تحترم تاريخ الغناء والفن العربي، أمثال علي الورد والفنانة مروة وريهام ووائل سامي، وسبق لعدة فنانين أن تعاونوا معي في إنجاز قصائد مغناة للشاعر أمجد ناصر وشعراء آخرون، أمثال الفنانين أسماء لمنور وفؤاد زبادي وسعدون جابر وصباح فخري في الأوبريت الذي لحنته عن القدس، وأود هنا أن أشير إلى أنني أمنح ألحاني للقصائد الشعرية بعيداً عن نجومية المغنين والفنانين بل لأصوات تستحق ذلك وإن كانت غير مشهورة.
كما هي علاقته بالشعر الحديث؛ فإن لنصير شمّة عالماً آخر يعيشه مع شعراء التصوف، ويقول في ذلك: حين تتجول في بغداد وأرجاء العراق بصورة عامة، تتراءى لك آلاف الأرواح النقية: الجنيد، الحلاج، الكيلاني، الكرخي، الحسين بن روح.
وعشرات غيرهم، والأحب إلى قلبي ملك قصيدة النثر النفّري، وقبل وقت وجيز قرأت النفري من جديد على الرغم من معايشتي لكتاباته لسنين طويلة؛ قرأته عبر كتاب جديد يفسّر أقواله وكتاباته برؤية ومنظور مختلف بعنوان (ضاقت العبارة)، وباعتقادي فإن النفري هو أعظم ناثر على وجه الأرض، وكلما قرأت شعر المتصوفة ونثرهم تسطع الأنوار في قلبي ويخاطبني العود بهمس روحي لتتدفق بعد ذلك بين أصابعي آلاف الومضات التي تنعكس لحناً صافياً.
أبوظبي- محمد الأنصاري

