تشهد الإمارات حالياً نقلة نوعية سواء في مهرجانات السينما التي تقام بها، أو من خلال قاعات العروض ذات المواصفات التقنية السمعية والبصرية العالية، ما أسهم في شيوع تقاليد جديدة وثقافة مشاهدة مختلفة لدى جيل من المتلقين.
ومن أجل استغلال هذه الحالة التي يصاحبها تنوع في الجمهور من حيث الجنسية والثقافة، لجأت بعض الشركات الجالبة للأفلام لانتقاء ما يرضي هؤلاء المتفرجين ويشبع نهمهم للمعرفة والمشاهدة، بعد أن ساد ضعف في الثقافة السينمائية التي شكلها وصاغها منتجون وموزعون تعودوا على أفلام العنف والدماء والرعب الواردة من شركات أميركية كبيرة، دون أن يدركوا أن العالم الآن يشاهد أفلاماً رائعة من شركات مستقلة صغيرة قدمت أعمالاً حافلة بكل ما هو جديد ومثير في الأفكار وفن السينما.ومع ازدهار دور العرض في دبي، ظهرت تجارب جديدة ومنها صالة عرض »بيكتشر هاوس«، المتخصصة في نوعية مختلفة من الأفلام الحائزة جوائز دولية، أو نالت إعجاب النقاد في العالم.
وتعاونت شركة »فرونت رو فيلمد إنترتينمنت« لتوزيع الأفلام في الشرق الأوسط مع أصحاب »ريل سينما« التي خصصت هذه الصالة الصغيرة لدعم تجربة رائدة في المنطقة.(الحواس الخمس) التقى نسيم خوري، مدير التسويق والإعلام بالشركة المسؤولة، التي تدفع بالأفلام للعرض في »بيكتشر هاوس«، وخلال الحوار رصد هذه الخطوة حتى تكون الاستفادة منها أعمق والتجربة أعم.ولتكون أيضاً جسراً تعبر من خلاله ثقافة الكثيرين المحصورة عربياً وأميركياً، تجاه سينما فريدة نجهلها، سينما متعددة الثقافات والاتجاهات وذات وجود عالمي متميز.
أفلام مستقلة
يقول نسيم خوري في تعريفه بشركة »فرونت رو فيلمد إنترتينمنت«، إنها تعتمد على توزيع أفلام مستقلة وبدأت نشاطها منذ سبعة أعوام من خلال مقرها في دبي، حيث تهتم بنوعية مختلفة من الأعمال التي تعرض في المهرجانات.
والحائزة جوائز عالمية، وغالبية هذه الأفلام تكون من إنتاج شركات مستقلة، ما يتيح فرصة التحكم في كل شيء، بدءاً من عدد العروض وشكل الملصق الذي يختلف من دولة إلى أخرى، وانتهاء بنزولها إلى الأسواق لتباع (دي في دي)، وتتعامل سنوياً مع أسواق مهرجانات (كان وبرلين ولوس انجلوس بأميركا).
وتشتري ما يقارب 150 فيلماً في العام الواحد، تعرضها في منطقة الشرق الأوسط عموماً، وفي الإمارات خصوصاً، من خلال 12 نسخة للفيلم الواحد (مترجمة بالعربية أو الإنجليزية إذا كانت ناطقة بلغة أخرى)، والتي تأخذ دورة تمتد إلى ثلاثة شهور قبل طرحها للجمهور للبيع في محال الفيديو.
قيود وشروط
وحول سبب التعامل مع شركات مستقلة، يؤكد نسيم قائلاً: ابتعدنا عن دوامة الشروط والقيود التي تضعها الشركات الكبيرة، فمثلاً من قبل كنا نتعامل مع »وارنر براذر« وكانت تتدخل في كل شيء حتى في شكل ملصق الفيلم، كيف يصمم ويكتب وبأية حروف، أما الشركات الأخرى المستقلة فتعطينا الفرصة للتعامل مع أفلامها بالصورة التي تحقق لنا ولهم الانتشار والجماهيرية.
ومنها يمكننا عرض الفيلم في صالات »بيكتشر هاوس«، وهذا الأمر لا يحتاج إلى أخذ موافقات من جهة إنتاجه أو توزيعه، كما أننا ليس لدينا التزامات تقيد هذه الخطوة، وبالتالي يتيح ذلك فرصة الانتقاء واختيار أعمال تتماشى مع هدف التوعية والثقافة السينمائية التي ننشدها من فكرة عرض نوعية من الأفلام لا تأخذ فرصتها المثالية في صالات السينما.
صالة متخصصة
وعن »بيكتشر هاوس« يقول: هي عبارة عن صالة سينما صغيرة تم الاتفاق مع »ريل سينما« في دبي مول لإقامتها، وهي أول قاعة متخصصة في الأفلام ذات المستوى الفني العالي في دبي، وتقوم بعرض الأعمال التي نالت ثناء النقاد.
ويمكن للزوار الحضور مبكراً أو البقاء لفترة أطول بعد انتهاء الفيلم لمناقشته في »استراحة ذا بيكتشر هاوس«، التي تتميز بمفروشاتها العصرية الأنيقة وأجوائها الراقية.
وأضاف: منذ شهرين فقط بدأت الصالة في العمل من خلال عروض لأفلام متميزة مثل »صنع في أميركا«، وهو وثائقي عن حرب الشوارع بلوس أنجلوس، كذلك فيلم »أجورا« الحائز خمس جوائز عالمية.
وآخر العروض التي قدمناها كان فيلم »لا أحد يعرف عن القطط الفارسية«، الذي حرصت شركة »فرنت رو« على عرضه في مهرجانات السينما ب(أبوظبي، دبي، والدوحة) مع استضافة مخرجه بهمن قبادي، وقريباً يتم تقديم فيلم كبير بعنوان »تيترو« للمخرج فرانسيس كوبولا.
والذي عرض في »أسبوع المخرجين« بمهرجان (كان)، ويتناول نظرة جديدة عن القبلية والخيانة، ويتحدث الإسبانية والإنجليزية والفرنسية، هذا بخلاف أعمال وثائقية أخرى لاقت استحسان النقاد والجمهور حول العالم.
جمهور مختلف
يرى نسيم خوري أن جمهور »بيكتشر هاوس« حتى هذه اللحظة هم فقط الجاليات الإنجليزية والفرنسية والقليل جداً من العرب، خصوصاً طلاب الجامعات، وعلى الرغم من حديثه عن إغراءات كثيرة مثل (حضور أربعة أفلام يتيح فرصة حضور العرض الخامس مجاناً)، لكن الأمر .
كما يعتقد يحتاج إلى توعية أكثر وإعلام المتفرجين بخصوصية هذه الأعمال المقدمة من مخرجين صغار أحياناً، وبميزانية محدودة لكنها رائعة ومختلفة ولن تعرضها الصالات الأخرى المزدحمة بكثافة الأفلام الأميركية من شركات كبيرة مثل »ديزني« و»فوكس« و»يونيفرسال«.
والمعتمدة على العنف والرعب والأكشن، ونوه أيضاً إلى أن تلك الأفلام إذا حازت إعجاب الجمهور يمكنه الحصول عليها (دي في دي) بعد أن يتم طرحها في الأسواق من خلال شركة »فيرجن«.
أعمال متميزة
يذكر نسيم أنه من الأعمال التي سيتم عرضها أيضاً في برامج الشهور المقبلة فيلم وثائقي يحمل عنوان »مبدأ الصدمة«، وهو للأميركيين مايكل وينتربتوم ومات وايتكروس، وتم عرضه في مهرجان أبوظبي السينمائي الأخير وشهد إقبالاً كثيفاً من الجمهور، حيث يكشف حقيقة النظرية النفسانية التي قام بها عالم النفس الأميركي إيوين كامرو،.
ويسميها مبدأ »محو ماضي المريض النفساني« ليعيش الحاضر على نحو مختلف، ثم أخذت النظرية بعداً اقتصادياً مع هملتون فريدمان الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد ومؤسس ما يسمى مدرسة شيكاغو، التي ترفع شعار خصخصة القطاع العام وضرب كل شكل من أشكال تفكيك النظام لبناء نظام اقتصادي جديد.
ويضيف: يتتبع الفيلم بالوقائع التاريخية كيف تحولت تلك النظريات إلى عقيدة أيديولوجية دافع عنها الساسة في أميركا وبدؤوا بتطبيقها على تشيلي أيام الدكتاتور بينوشي، بعد التخلص من أليندي، ثم انتقل الأمر إلى البرازيل والأرجنتين وصولاً إلى الاتحاد السوفييتي فأفغانستان، لتصبح العراق النموذج المثالي لنظرية الصدمة وتفكيك النظام التي رسخها الذين أطلق عليهم الفيلم اسم »فتيان شيكاغو«.
وهذا الفيلم كما يؤكد نسيم: لن يستطيع أحد الخروج منه لإبداعه، على الرغم من كونه وثائقياً يكشف المستور ويبرز حقيقة كيف تلعب الدول بعقول الناس خلال الأزمات الاقتصادية والحروب، وهذه النوعية من الأعمال المرتبطة بالمهرجانات نرسخ من خلالها علاقتنا بأبوظبي ودبي والدوحة، والتي نرى أنها مهرجانات مهمة للترويج لأفلامنا قبل نزولها صالات السينما.
وسنوياً نقدم لهم من 5 إلى 7 أفلام، ومن الأعمال الوثائقية المهمة التي عرضناها في المهرجانات الثلاثة العام الماضي فيلم »الرأسمالية: قصة حب« للمخرج الأميركي مايكل مور.
تعميم التجربة
وتساءل (الحواس الخمس) عن سبب عدم تعميم التجربة في الدول العربية، فأجاب نسيم: هناك تجربة مماثلة في لبنان منذ خمسة شهور، وتلقى إقبالاً كبيراً، نظراً لاختلاف ثقافة المشاهد بها.
وبالتالي نحن نحفز على انتشارها عربياً للإفادة والاستفادة شكلاً ومضموناً، ومن المعروف أن هناك طقوساً خاصة بهذه الصالات تمنع المأكولات والمشروبات، احتراماً لقيمة ما يراه المشاهد، كما يتم تقديم 4 عروض يومية للفيلم الموجود خلال الأسبوع، والذي يمكن مد فترة عرضه إذا كانت هناك كثافة إقبال عليه.
وأضاف: كما أن هذه الأفلام نعطيها فرصة العرض على شاشات التلفزيون أولاً في القنوات المشفرة مثل الشوتايم والأروبت، وبعد ذلك في الفضائيات المفتوحة مثل تلفزيون دبي وال»إم بي سي« وقنوات الأفلام المتخصصة.
جديد الشركة
وحول سؤال عن جديد شركة »فرونت رو« يصرح نسيم خوري: قمنا كشركة بحق شراء 74 فيلماً من الأعمال القديمة والمهمة من أعوام 60، 70، و80 وتتميز بوجود نجوم ونجمات على مستوى عالٍ جداً بخلاف حصول بعضها على جوائز الأوسكار والغولدن غلوب، ونخطط للدفع بها للعرض على شاشة التلفزيون ونزولها (دي في دي) في الأسواق، بخلاف عمل 16 عرضاً سينمائياً لها، وهي حصيلة ثمينة ومغرية للارتقاء بالثقافة السينمائية والمشاهد العربي.
دبي ـ أسامة عسل


