لا تحذر الرجوع إلى الخلف مئات الأعوام، إذا كنت من هواة الماضي؛ لتعايش المصريين عاداتهم وتقاليدهم القديمة.. مشاهدات لن تجدها في الحاضر، لكنها تناديك من جهة تضم الزمان والمكان وناس زمان في مشاهد يومية من الحياة، كأنك تعيش هذا الزمان، تشم رائحته، تتلمس ما عاشه المصريون.
حيث يوجد متحف أنشئ خصيصا ليرصد كل ذلك، ويضمه مبنى «الجمعية الجغرافية المصرية» الواقع في ساحة مجلس الشورى.. «الحواس الخمس» زار المتحف ورصد محتوياته فإلي التفاصيل. نعود معا 135 عاما إلى الوراء، لنرى الخديو إسماعيل يُصدر مرسوما بإنشاء مبنى لجمعية تضم التاريخ في أحضانها، تمرّ الأعوام التي تقترب من قرن ونصف القرن على إنشاء هذا المبنى، ونجد جغرافية مصر القديمة تسكن هذا المبنى الأثري، الذي أنشئ العام 1875.
وتم تصنيفه «التاسع» عالميا، متاحفه نادرة، خرائطه من زمن فائت، مكتبته الأثرية بها أكثر من 40 ألف كتاب، ألبوم كبير لحياة المصريين تنتشر أجزاؤه في كل الأركان، جولة متنوعة في مصر منذ زمن بعيد. النشأةأحمد مكاوي، أمين المتاحف، يمشي معنا داخل مبنى الجمعية، ويحكي أن تاريخ النشأة الأولى كان 19 مايو 1875، بعد إصدار الخديو إسماعيل مرسوما بإنشائها داخل قاعة ببيت محمد بك الدفتردار، زوج الأميرة زينب هانم، ابنة محمد علي باشا الكبير، وفي العام 1878، انتقلت الجمعية إلى مقر جديد كانت تسكنه المحكمة المختلطة بميدان الخازندار.
وفي العام 1895، انتقلت مرة أخرى إلى شارع قصر العيني، والعام 1925، صدر أمر ملكي بهدم المبنى؛ ليحل محله مبنى جديد افتتحه فؤاد الأول، ملك مصر، في أبريل 1925، يتكون من جناحين، يضم متحفا (أنثوغرافيا) خاصا بالعادات، والتقاليد، وآخر بأفريقيا، وثالثا لقناة السويس.
متغيّرات سياسية
تمر مصر في الوقت نفسه بمتغيرات سياسية تتعلق بمسمى الدولة؛ حيث انتقلت مصر من «الخديوية» إلى «السلطانية»، فتغير تبعا لذلك مسمى «الجمعية الجغرافية الخديوية» ليصبح «الجمعية الجغرافية السلطانية»، بقرار «السلطان حسين» في 30 أكتوبر 1915، ثم تغير نظام الدولة من «سلطنة» إلى «مملكة».
وعليه تغير مسمى الجمعية إلى «الجغرافية الملكية المصرية»، ويعود النظام ليتغير مرة أخرى العام 1952، ويتحول إلى «الجمهوري»، فيصبح اسم الجمعية «الجمعية الجغرافية المصرية».
متاحف الجمعية
تم الاتفاق على استدعاء أحد الخبراء العالميين في المتاحف، يُدعى «إي إس توماس»، عُرضت عليه الكنوز، التي تم اكتشافها أعالي النيل من عادات وتقاليد، فعمل على تقييمها، وفهرستها إلى أقسام، وجمع شملها في قاعة أطلق عليها «سميث».
متحف عادات وتقاليد
حرصت الجمعية على إنشاء متحف يرصد عادات القاهرة القديمة، فأصدرت خطابا إلى الجهات العلمية، ووزارات الدولة، وكبار رجالها، أعلنت فيه إنشاء متحف ل«العادات المصرية»، ودعت الراغبين في إهداء الجمعية بعض القطع بصفة «إهداء»؛ لكي تنشئ متحفا يضم هذه المقتنيات تحت سقف واحد.
ولقيت الدعوة استجابة من المصريين، فأحضروا مجموعات من العادات، والتقاليد المصرية القديمة، وأهدوها إلى الجمعية، وبناءً على ذلك، تم إنشاء متحف «القاهرة للعادات والتقاليد» العام 1917 في عهد الأمير «أحمد فؤاد».
قاعات الحياة الشعبية
يضم المتحف قاعات خاصة بالعادات والتقاليد، الحِرَف والصناعات، الأثاث العربي، وأدوات المنزل، عادات وتقاليد الريف المصري، وهناك قاعة خاصة بأفريقيا، وأخرى خاصة بقناة السويس.
القاعة الأولى تمثل ألوان الحياة، أو العادات القديمة، وذلك في صورة مقتنيات أصلية، ونماذج تماثيل كانت لها استخدامات في الحياة اليومية، أو لوحات، أو نصوص مكتوبة توضح طبيعة هذه التقاليد، تشمل القاعة تسعة أقسام، منها: التدخين وأدواته، ثم الحلاقة، وأدوات الزينة، يليها قسم الحلي، وأدوات السحر، والموسيقى، والألعاب، والإنارة.
أدوات الحلاقة والزينة
ركن أدوات الحلاقة والزينة، يسجل أن الحلاقين في القرون الوسطى كان لهم شأن كبير في أغلب بلاد العالم، خاصة مَنْ كان متصلاً بأكابر رجال الدولة، وكانوا يقومون بالحلاقة اليومية، صبغ الشعر، غسيل الوجه والرأس، تجميل الأمير.
وإعداده لمقابلة حاشيته، وهم أثناء ذلك يقصون عليه أخبار المدينة، وبجانب ذلك يصفون الأدوية، ويجرون العمليات الجراحية الصغيرة، مثل الطهارة، خلع الأسنان، الحِجَامة.
زفّة «الطهور»
صورة يتوقف أمامها المشاهد؛ ليتأمل زفة «الطهور» يمشي أمامها الحلاق، الذي قام بالعملية للطفل، الذي يعلو حصانا أمام والده، ويخترق الحي في زفة طويلة تصاحبها الموسيقى، وأفراد الأسرة، وأهل الحي، والفتوات.
ترصد الجمعية أنه منذ العصر الفرعوني، عُرف المصري بحبه للذهب، ولبسه في كل المناسبات، ونشاهد مجموعة من الأساور، والغوايش المصنوعة من مواد مختلفة، عليها زخارف جميلة، أرخصها الغوايش الزجاجية الشعبية، وأجملها، وأغلاها الغوايش المذهبة.
وهناك أيضا مجموعة من الخواتم الرخيصة مصنوعة من معادن مختلفة، منها «الحلقان» المصنوعة من الفضة، أو الذهب على أشكال كثيرة، وأخرى « خلاخل» مصنوعة من النحاس، أو الفضة، أو المذهبة دون زخارف.
موسيقى وملاهٍ
شعب مصر محب للفنون بأنواعها، خاصة الموسيقى، كما أن الطبقات الشعبية منه تحب الملاهي، التي تُبعث من التراث الشرقي الأصيل، مثل: الأراجوز، والسفيرة عزيزة، وخيال الظل، ففي متحف الجمعية الجغرافية مجموعة كاملة لهذه الملاهي التي اندثرت.
فوانيس وشمعدانات
وسائل الإنارة قديما في الأعياد، وفي رمضان، ومواكب الأفراح نشاهد منها مجموعة مختلفة، خاصة «الفوانيس الشرقية»، وتُقسم الفوانيس إلى نوعين، الأول خاص بفوانيس الطريق، التي تُعلق أمام الأبواب، ونوعية أخرى من فوانيس الطريق، التي كان الخدم يحملونها لمصاحبة السيدات في تجوالهن.
وأخرى صغيرة يلعب بها الأطفال في رمضان، والتي تسمى «فوانيس رمضان»، أما الشمعدانات، فنراها صُنعت من النحاس المزخرف، وتستعمل للإنارة، كما تستخدم للزينة.
فن الخط والكتابة
نرى مجموعة ثمينة من الخطوط العربية المختلفة تجسّد فن الخط، والكتابة، هذه اللوحات تضم آيات قرآنية، وحكم مكتوبة بخط «الثلث»، ونلمح في جناح الخطوط العربية لوحة كبيرة، بداخلها فرمان سلطاني مكتوب باللغة التركية، وعليه ختم مكتوب بماء الذهب.
وتتزين بجانبه مجموعتان من نماذج الخط العربي على شكل أعمق للحروف الأبجدية، وبعض الآيات القرآنية مكتوبة بخط «النسخ»، وفي نهاية إحداها، نقرأ اسم الخطاط في عبارة «كتبه الفقير إلى الله غفر الله ذنبه».
حرف قديمة
داخل قاعة «القاهرة الثانية»، نوعيات من حرف مصر القديمة، مثل: صناعة النحاس، الحديد، خرط الخشب، النسيج، ونرى مجموعة من الصناعات النحاسية، التي اشتهرت بها مصر منذ القدم، مثل: إنتاج النحاس، وطرقه، واستعماله في عمل عدد كبير من الأواني، والأدوات، وقد استمرت هذه الصناعة كتقليد من أهم تقاليد الحرف والصناعات المصرية، ونرى مجموعة من الحنفيات، والصنابير النحاسية.
ويبدع الفنان المصري القديم في صناعة أوعية المشروبات المستخدمة في الأسواق؛ لبيع القهوة، الشاي، والمشروبات المرطبة، ونلاحظ أوعية القهوة والشاي توجد بأسفلها قاعدة؛ لحفظ المشروبات ساخنة، ومجموعة أخرى خاصة بالأوعية المنزلية من أوان لطهي الطعام، وأطباق لتقديمه، و«طاسات» صغيرة للشراب و«صوان» لحمل الطعام، وطاسات، و«أكواز» للحمّام، وقدور لتسخين الماء.
صناعات الخدمة المنزلية
وفي قاعة «صناعات مصر القديمة»، نتعرف الى طبيعة الصناعات الخاصة بالخدمات المنزلية، فنشاهد عددا من الصور لأشخاص كل يعمل في مهنته، فهذا «المنجّد» نراه بأدواته من قوس، ومضرب، وعصا، ونرى «المكوجي» يستعمل مكواة من الحديد الثقيل، كذلك نرى صورة ل«سنّان السكاكين».
كما نشاهد نموذجين من العصّارات، عصّارة القصب، وعصّارة أخرى خاصة بـ «الزيت»، وهناك صورة ل«الرحايا»، وهي جهاز لتكسير الحبوب الكبيرة، مثل الفول والذرة.
الخرط العربي
نتأمل صناعة الخرط العربي؛ حيث تُعد أعمال الخشب، وخرطه وتطعيمه بمختلف المواد الثمينة من الفنون الشرقية، التي أوجدها الإسلام، وطوّرها حتى أصبحت تنتج تحفا آية في الجمال.
ومعجزة في دقة الصنع، وهي كذلك فن تقليدي تخصصت فيه الأمم الشرقية الإسلامية، ومن أهم مدارس هذا الفن «المدرسة القاهرية»، التي تشاهد من خلالها مجموعة من أنواع الخشب المعشّق، المخروط، المرسوم، المحلى بمختلف الفصوص.
الكوشة
كوشة العروس، مقعد فردي مزخرف، ذو ذراعين، ومسند للظهر، وموطئ للقدمين محشو بقش الخيزران، والكرسي من الخشب المطعم بالعاج، وعليه زخارف، ورسوم أزهار، ونرى كوشة مزدوجة يجلس عليها العروس والعريس معا، وتتكون من مقعد عريض، لكنه أكثر زخرفة وجمالا.
مقتنيات الجيش في السودان
مقتنيات خاصة بالجيش المصري، الذي خدم بالسودان في الفترة السابقة لثورة «المهدي»، داخل قاعة «افريقيا»، حيث نشاهد مجموعات مختلفة في مجال العسكرية، وفي قسم «الحراب» نرى مجموعة من الحراب موزعة في القاعة، وهي عبارة عن نصل حديدي مصقول على شكل ورقة شجر، أما شكل السلاح فهو أملس دون مجار، أو تضاريس.
كما نرى رماحا نصلُها مختلف، بعضها يحمل أسنانا مدببة في اتجاهين متضادين، تجعل استخراج النصل من الجسم مستحيلاً، وأكثرها كان مستعملاً في دارفور.
ونشاهد دروعا مهداة من إمبراطورية الحبشة إلى الجمعية، وكانت تستخدم في الحفلات الرسمية، والمناسبات الفخرية، يلبسها الحرس الإمبراطوري، وهي مصنوعة من القطيفة، وعليها قطع من الزجاج، بألوان الأحجار الكريمة، وزخارف ذهبية جميلة، كما توجد مجموعة من الخوذ الحديدية شبيهة بخوذ فرسان القرون الوسطى؛ لحماية الرأس، والوجه من ضربات السيوف.
آلات موسيقية
في ركن خاص بجغرافية افريقيا، نتعرف الى آلات الموسيقى المستخدمة، وهي عبارة عن ثلاث «صفارات»، مصنوعة من الغاب، وتستعمل مثل الناي المصري، ولكن هذه الصفارات تستعمل في افريقيا؛ لأغراض روحانية، خاصة في أوغندا، وعند قبائل «الماجنجو» ضد الأمراض، ولجذب الصيد، وللحماية من الحيوانات المتوحشة.
عملات وحيوانات محنطة
موقع العملات الافريقية في الزمان البعيد، أهمها قطع نحاسية، أو نحاسية مفضضة، أو برونز، وكلها قادمة من السودان، بعضها كتب باسم «المهدي» في«أم درمان»، وعدد قليل من العملات المصرية جاء من القسطنطينية العام 1255 باسم السلطان «عبدالحميد».
أما الطبيعة الافريقية، فنرى مجموعة من حيواناتها المحنّطة، أهمها تمساح كامل الأرجل والأسنان، وتمساح آخر أصغر حجما، ثم «عِرسة»، ورأس حيوان «وحيد القرن»، الجاموس الوحشي الافريقي، ومجموعة من سن الفيل، وقرون الحيوانات.
القاهرة - دار الإعلام العربية


