لم يعد الإعلان عن طرح فيلم جديد بالسينما يقتصر فقط على تعليق الافيشات في الشوارع وبث مشاهد من الفيلم عبر شاشات التلفزيون، بل أصبح يعتمد وبشكل أساسي على مجموعة من الأغاني الهابطة يقدمها بعض الممثلين والمغنين الشعبيين، صادمين بها الجمهور لما تحتويه من كلمات غير مفهومة وألحان مهلهلة، ليقوموا بعد ذلك بتجميعها وإصدارها في ألبومات خاصة بالأسواق، في محاولة منهم لتشويه الأغاني والأفلام الاستعراضية.
في جولة سريعة حول أغاني الأفلام القديمة، وما هو موجود حاليا، نرى أن الأفلام القديمة كانت تحوي استعراضات وأغاني مميزة تحمل بين طياتها معاني جميلة وألحانا أخاذة، فلا يمكن نسيان أغنيات فيلم «معبودة الجماهير» مثلاً، أو «شارع الحب»، فبسهولة عند سماعك هذه الأغاني تتذكر الحدث الدرامي الذي استلزم غناءها داخل الفيلم، دون أن يؤثر ذلك في نجاح الأغنيات الأخرى. ويكفي أن تشاهد أغنية «يا صبر طيب»، التي غناها عبد المنعم مدبولي في فيلم «مولد يا دنيا»، مرة واحدة، حتى تنطبع في ذاكرتك صورة الإسطبل والأداء التمثيلي للسائس الحزين، علماً أن النقاد اعتبروا الأغنية، كلمات مرسي جميل عزيز، وألحان بليغ حمدي.
عملاً فنياً مستقلاً بذاته، حتى إن مدبولي حاز جوائز عن أدائه «يا صبر طيب»، كذلك أغاني عبد الحليم حافظ، التي قدمها ضمن أفلامه. فعندما نستمع لها في الراديو أو الكاسيت نتذكر فورا المشهد التي تم فيه غناء هذه الأغنية، ليتغير اليوم الوضع وتصبح أغاني الأفلام مجرد وسيلة للدعاية، لا يشترط فيها أن يكون صوت المؤدي جميلاً، فالمهم هو الكلمات الصادمة والألحان غير المفهومة والتي لا تتماشى قطعا مع مشاهد الفيلم، فتظن أثناء مشاهدتك هذه الأغاني أنك أمام فيديو كليب متنكر أراد إقحام نفسه بالقوة ضمن أحداث الفيلم.
الأغاني الشعبية
ومن ضمن نوعية هذه الأغاني (بحبك يا حمار) و(القوطة) و(العنب) لسعد الصغير، والتي قدمها في أفلام (عليّ الطرب بالتلاتة) و(لخمة الرأس) و(قصة الحي الشعبي)، وأيضا أغنية (أنابيب) لريكو في فيلم (حاحا وتفاحة) و(أيظن) لعماد بعرور في فيلم (أيظن)، الذي فشل على مستوى الجمهور والنقاد.
ولم تستطع الأغاني التي به أن ترفع من إيراداته، أما في فيلم (كباريه)، الذي لعب فيه خالد الصاوي دور مطرب أغان هابطة في أحد الكباريهات.
وكان فرصة كبيرة للمنتج والمخرج والمؤلف في أن يملأ الفيلم بعدد كبير من الأغاني الشعبية، ومنها (باحيي السعودية.. والدول العربية)، إضافة إلى (ماتتقلش عليا) بصوت أمينة، مطربة الحنطور، من كلمات ملاك عادل وألحان محمد عبد المنعم وأغنية ثالثة بعنوان (أنا أحسن مغني في مصر)، ويغنيها إدوارد.
كما يضم الفيلم أغنيتين من غناء محمود الليثي، وهما بعنوان (الفلوس) و(المولد)، أما فيلم (الفرح) فاختار المنتج محمد السبكي المطرب الشعبي محمود الحسيني ليقدم اغنية (سيجارة بني) ضمن أحداث العمل.
فيلم (بوبوس) أيضا استعان الفنان الكبير عادل امام بالمغني عماد بعرور ليقدم أغنية شعبية تحمل اسم (أنا سكران) ضمن مشهد فرح شعبي، وفي فيلم (إبراهيم الأبيض) قدم المطرب الشعبي الشهير عبد الباسط حمودة أغنية (كلك عجبني)، ولأن هذه الأفلام تحرص دائما على مواكبة الموضة خرج علينا فيلم (على جنب يا أسطى) بأغنية للمغني حكيم تحمل اسم الفيلم نفسه كنوع من الدعاية والترويج.
الأغنية قبل القصة أحياناً
ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد من السخرية بعقول المشاهدين، فنرى المنتج يسعى إلى حشر هذه الأغاني الهابطة في الفيلم، بل أصبح البعض يختار أغاني الأفلام قبل القصة أحياناً كما فعل المنتج محمد السبكي عندما بدأ في اختيار أغاني فيلم (آخر كلام) قبل أن يبدأ في تجهيز الخطوط الرئيسية للسيناريو.
وبالفعل اختار محمد السبكي أربع أغنيات لضمها للفيلم، اثنتان منها تغنيهما مادلين طبر، واحدة بعنوان (القلب الطيب)، والأخرى هي (ببساطة) من كلمات إسلام خليل، مؤلف الأغاني الهابطة، أما الأغنية الثالثة فهي بعنوان (بواجير الجاز).
تبادل الأدوار
وبعيدا عن الأغاني الهابطة نرى تبادلا واضحا للأدوار بين المغني والممثل؛ فعلى سبيل المثال لا تخلو الأفلام الكوميدية من أغاني أبطالها، وعلى رأسهم محمد هنيدي.
وأحمد حلمي اللذان يحاولان تقديم الأغاني الخفيفة التي تتناسب مع أجواء الفيلم، وعلى الجانب الآخر نرى محمد سعد الذي قام بتأدية أغاني أم كلثوم بأسلوب غير راقٍ، وبرقصات أقرب للابتذال، لتتحول اغنية أم كلثوم إلى أغنية شعبية.
ويعد فيلم (نمس بوند) نموذجا لهذه الظاهرة، بطولة هاني رمزي الذي يقدم أغنيتين؛ الأولى من ألحان محمود طلعت، والأخرى دويتو يجمع هاني رمزي مع دوللي شاهين، كذلك قدمت مي عز الدين مجموعة من الأغاني في فيلم شكامارا.
وأمام هذا السرد الفني لا يسعنا إلا أن نقف حائرين أمام هذه الهوجة التي تبناها المنتجون والمخرجون لدفن الأغاني المعبرة عن مشاهد الفيلم، والاستعانة بأغاني هابطة لا تليق بالذوق العام، وبتاريخ السينما المصرية.
دبي- عبادة إبراهيم


