كالجرّاح، بالخيط والإبرة، يعالج (أبوياسر) ما يقع بين يديه من أحذية مرضت من المشاوير، وعلى الرغم من زحف الماكينات على صناعته اليدوية، فإنه لايزال صامدا أمام الآلة بيدين ماهرتين.

جالسا في دكّانه الصغير، ممسكا بمطرقته، مسامير صغيرة تتقافز بين يديه كعصافير، يشخّص أمراض الحذاء، ويغزل في جلودها بهدوء، إنه البربري مسعود بخيت، شيخ الإسكافيين، كما أُطلق عليه، والشهير ب(أبوياسر).في ميدان الفلكي، بوسط القاهرة، دكانه الصغير، الذي يبلغ عمره أكثر من 90 عاما، التقيناه منكبا على علاج حذاء، ليحكي لنا قصته مع مهنة أوشكت على الانقراض، يقول: في وسط القاهرة نشأت في بيئة يحاصرها الفقر، وتهزمها كثرة الأبناء التي تلتهم مواردها، فاتجهت منذ طفولتي إلى سوق العمل.وبدأت حياتي في ورشة ميكانيكا سيارات، وفشلت في أول مهنة ألتحق بها، وبعد أيام عدت إلى منزلي، ولم يكن أمامي سوى العمل مع والدي في ورشة بدائية لإصلاح وصيانة الأحذية على الرغم من كراهيتي للمهنة في ذلك الوقت.

محبَّة بعد عداوة

لم يعش أبو ياسر طفولة الجري واللعب، لكنه عرف طريق الكفاح والعمل الجاد منذ أن كان عمره 3 أعوام؛ وعن ذلك يقول: كان يجبرني والدي على العمل معه في ورشة الأحذية، فكنت أقوم بتلميع أحذية الزبائن التي يتم إصلاحها، فتُطلَى يداي الصغيرتان بكميات لا بأس بها من الألوان التي تفشل المياه والصابون في تنظيفها في المساء، أعود في اليوم التالي إلى العمل نفسه.

: فتأثرت نفسيتي بمرور الوقت، بسبب معايرة أصدقائي لي، حتى أصبحت مهنة الإسكافي، وما فيها عدوّي اللدود، وبعد أعوام عدة شعر والدي بكراهيتي للعمل في إصلاح الأحذية، فعرض عليَّ العمل في ورشة ميكانيكا مجاورة فرحّبت على الفور.

يستطرد قائلا: على الرغم من كفاءتي بالعمل الجديد، فإنني كنت أعامل معاملة قاسية من صاحب الورشة، فكان يعنفني، يضربني لأتفه الأسباب؛ لعدم درايتي بمفاتيح المهنة، ووجدت أنني لن أستطيع الاستمرار فيها.

لكنني كابرت حتى لا أعود إلى مهنة والدي وأجدادي في تصنيع وإصلاح الأحذية اليدوية، إلا أنه خلال شهور قصيرة، عرضت على والدي العودة إلى العمل معه مرة أخرى.

لكنه رفض وأصر على أن أتعلم مهنة الميكانيكا التي تدرّ دخلا يفوق دخل الإسكافي بكثير، وبقيت أبكي لوالدتي وجدي ليقنعا والدي بالعودة إلى ورشته، فوافق، ومن هنا اكتشفت أن مهنة الإسكافي كانت إنقاذا لي من الإهانة والضرب، فبدأت بيننا علاقة الحب تتوطد.

جولة حُرّة

بدأ أبو ياسر يمحو من ذاكرته كل ما تعلق بالميكانيكا من زيوت وشحوم ووقود سيارات، وبدأ والده يكلّفه ببعض الأعمال الأخرى غير التلميع بعد أن تجاوز عمره ال8 أعوام، يضيف: أصبحت أجد نفسي في المهنة، واكتشف والدي أنني من أفضل أبنائه في التعلم، وحين بلغت 12 عاما قررت أن أحمل صندوقا خشبيا، وعدة خاصة؛ مطرقة، جلودا، مسامير.

وبدأت أتجول من قرية إلى أخرى، خصوصا المناطق التي تفتقر إلى صانع الأحذية، المتخصص في إصلاحها، لم يقف والدي في طريقي، وكانت تبدو من عينيه السعادة حين يراني عائدا إليه بأموال وفيرة تفوق ما حصل عليه هو وأبناؤه الأربعة في الورشة بعد يوم عمل يستمر لأكثر من 17 ساعة.

عود على بدء

في هذا الوقت بدأ زبائن ورشة والد (أبوياسر) يتسرّبون، وأصبح الزبون لا يقبل على شراء الأحذية المصنوعة يدويا ويشتري الجاهز والأسهل، وأصبحت صناعتهم اليدوية مهدّدة بالانقراض، ويضيف أبو ياسر: عدت مرة أخرى إلى ورشة والدي، لأكون إلى جواره.

وبدأت أدمج بين التصنيع اليدوي والماكينات، وانتهت بذلك فترة الترحال من بلد إلى آخر، ووجدت أن استخدام الماكينة أفضل لأنها تساعد الصناعة اليدوية ومن الممكن ألا تلغيها، فعدم اعتمادنا على الماكينة جعل بعض إخوتي يتركون مهنة الإسكافي، وينتقلون إلى تصنيع (الشنط الحريمي)، لكني لم أرض بذلك، وبقيت في تصنيع الأحذية وإصلاحها على مر الأعوام الطويلة.

الجاهز والصناعة الصينية

يؤكد البربري أبو ياسر أن مهنته التي ورثها مهددة بالضياع بسبب سلوك المواطنين، فقد أصبح قاطن المناطق الشعبية لا يلجأ إلى صيانة وترقيع الأحذية، وزاد الإقبال على الصناعات الصينية التي غزت الأسواق.

بعد أن كان الزبون مستعدا لأن ينتظر قبل ذلك شهرين أو ثلاثة أشهر حتى يقوم والده بتصنيع حذاء له حسب المواصفات التي يطلبها، أما حاليا فقد تغير الحال، وأصبح زبائن هذه المهنة من الفقراء فقط.

يكمل اسكافي المشاهير: الزبائن الذين تردّدوا على دكاننا لم يكونوا من الفقراء فقط، لكن كانت هناك بعض الشخصيات العامة، وكان أشهر الزائرين لنا الأديب الراحل نجيب محفوظ.

حيث كان يقوم بتلميع حذائه أثناء تردده على منطقة السيدة زينب، وكنت صغيرا وقتها، لكني كنت أصرّ على الوقوف إلى جوار والدي؛ لأشاهد الأديب الكبير أثناء التفاف الناس حوله؛ ليوقع الأوتوجرافات الخاصة بكل واحد منهم، وكانت قدم نجيب محفوظ صغيرة.

ويصل مقاس حذائه إلى 39 فقط، وكان لديه عدد هائل من الأحذية منها الأبيض، البني، الأسمر، والأحذية التي بها أكثر من لون، التي توجد بها فتحات والمغلقة؛ حيث كان يرتدي الحذاء مرة واحدة في الشهر، ولا نراه في الشهر الذي يليه، كما أنه كان يعطي بقشيشا لكل (الصبيان) الموجودين في المحل.

لم يكن أديب نوبل فقط هو الوحيد من الشخصيات الشهيرة التي تتردد على دكاننا، بل كان هناك أيضا الموسيقار الكبير كمال الطويل، فقد كان زبونا دائما، وكان يتميز بخفة روحه، وفكاهته، ويعشق الإفيهات والنكات؛ حيث كنا ننتظره يوميا؛ ليحكي لنا نكتة جديدة أو يسمع نكاتنا المستهلكة التي كان والدي يلقيها.

وكانت قدم كمال الطويل كبيرة، ومقاس حذائه يصل إلى 45، وكان يوم حضوره عيدا لكل من بالدكان، فكان يغرق جميع الصبيان بالمحل بهدايا وعيديات تصل من 10 إلى 15 جنيها لكل فرد؛ لذلك كان الجميع ينتظر قدومه بفارغ الصبر؛ ليغدق عليهم من كرمه، وظل يداوم على الحضور حتى وافته المنية العام 2003.

نجم إعلامي

كانت مهنة الإسكافي فأل خير على أبوياسر بعد أن طلب منه أحد معدي البرامج الظهور في برنامج (صباح الخير يا مصر)، ورفض في البداية، إلا أن المعد أقنعه بضرورة الظهور لإحياء المهنة التي أوشكت على الانقراض، فوافق على الفور، بعدها بدقائق فوجئ بالاتصالات تنهال عليه من إيطاليا.

إسبانيا، تحيّيه على عدم التخلّي عن مهنة آبائه وأجداده، مكالمات أخرى تطلب منه أن تقيم له مصنعا يديره لها في منطقة الشرق الأوسط؛ لتوافر الجلود الطبيعية بها بأسعار رمزية، لكنه رفض كل العروض، وفضَّل البقاء في دكانه الذي يحصل منه على بضعة جنيهات يوميا.

يضيف: هذه المهنة إحدى المهن القديمة التي لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عنها؛ لأنه إذا قام المصريون بالاستغناء عن الأحذية التفصيل، فلن يستطيعوا الاستغناء عن محال التصليح، فليس من المعقول أن يشتري مواطن حذاء ب100 جنيه.

ويرميه في سلة المهملات بعد قطعه أو إصابته بأي شيء سواء في الخياطة أو اللصق، فأنا أتعامل مع الأحذية كأني طبيب جراح أداوي العيوب بالخيط والإبرة، كما أنني أسعد بالتعامل مع الناس، زبائني أكثرهم من السيدات، خصوصا ربات البيوت اللاتي تولين اهتماما بإصلاح أحذية أبنائهن.

خوفا من أن يطالبوا بأحذية جديدة، إضافة إلى السيدات اللاتي يحملن الشنط الحريمي ويلبسن أحذية الكعب العالي التي تتعرض للتلف بسرعة، فيفضلن إصلاحها لدى محال إصلاح الأحذية بدلا من شراء أحذية جديدة تحتاج إلى ميزانية إضافية.

خوفا من الانقراض

من المخاوف التي تنتاب أبو ياسر انقراض المهنة يوماً أو انتصار الماكينات الحديثة على مهارة اليد، فوقتها لن يستطيع أن يبحث عن أي مهنة أخرى، خصوصا أنه لا يعرف أي مهنة غير مهنة الإسكافي، إضافة إلى قيام أبنائه باحتراف المهنة ذاتها، على الرغم من أنهم حاصلون على مؤهلات عُليا، لكنهم رفضوا الاستغناء عن مهنة آبائهم وأجدادهم.

صاحب نوبل

يقول أبو ياسر اسكافي المشاهير: كانت قدم نجيب محفوظ صغيرة، ويصل مقاس حذائه إلى 39 فقط، وكان لديه عدد هائل من الأحذية منها الأبيض، البني، الأسمر، والأحذية التي بها أكثر من لون، التي توجد بها فتحات والمغلقة؛ حيث كان يرتدي الحذاء مرة واحدة في الشهر، ولا نراه في الشهر الذي يليه.

الموسيقار الكبير

يقول أبو ياسر: كمال الطويل، كان زبونا دائما، وكان يتميز بخفة روحه، وفكاهته، ويعشق الإفيهات والنكات؛ حيث كنا ننتظره يوميا؛ ليحكي لنا نكتة جديدة أو يسمع نكاتنا المستهلكة التي كان والدي يلقيها،

أمنية

يقول اسكافي المشاهير: أمنية حياتي أن أصنع بيدي حذاء من الجلد الطبيعي لكل لاعب في منتخب مصر لكرة القدم الذي حقق بطولات رائعة، وذلك ردا على جميلهم في رفع اسم مصر عاليا.