يمتلئ قلبه بصراً، ووجدانه بالنظر، يطيع حياته، يُشاكسها على استحياء كلما سنحت الفرصة، يؤمن بأن مرجعيته الحقيقية في العمل والحياة هي «محيي الدين اللبّاد طفلاً».. نكاته هادئة، ذكية، مثل ضحكته المختبئة تحت أعوام من الجهد، في عالم فرضه على نفسه.
محيي الدين اللبّاد، أحد أكبر رسّامي الكاريكاتير في العالم العربي، مصمّم الجرافيك الشهير، رسّام كتب الأطفال، المصمّم الفني لكثير من المجلات والصحف، يستعد هذه الأيام لإكمال سلسلة «نظر» بجزءٍ خامس، هذه السلسلة التي تستهدف المهتم بالجرافيك.كفنّ لم يتأسس بعد، تستهدف المثقف بشكل عامٍ، هذه السلسلة التي بدأت بتجميع مقالاته في ثمانينات القرن العشرين، كما يستعد لإصدار كتابٍ عن الخط العربي، كتابِ العمر، كما وصفه..(الحواس الخمس) التقاه في بيته، بحي مصر الجديدة، شرق القاهرة؛ فكان هذا الحوار.لماذا لم تقم بإصدار كتب لتعليم فن الكاريكاتير على غرار سلسلة «نظر»؟
الكاريكاتير فنّ غير محدود، ولا توجد له طريقة بعينها؛ لذا لا يمكن أن توضع له كتب تعليمية، أو حتى كتب للفت النظر، فرسّام الكاريكاتير قد يولد من العزلة، وفي العزلة، ولا تعرف أسرار تركيبته.ولا كيف صار رسّاما للكاريكاتير، أما سلسلة «نظر»؛ فهي سلسلة لم يكن الهدف منها تنظيرياً، بقدر ما هي ردّ جميل لرسّام كبير هو حسن فؤاد، الذي بدأت به فكرة سلسلة كتب «نظر»، فحين مات طُلب منّي أن أكتب عنه مقالاً، ففعلت، ووجدت فيما بعد أنه يمكن أن أكمل الكتابة في هذا الاتجاه، فكانت «نظر».لماذا لم تكن كلية الفنون الجميلة هي الطريق المستقبلي لك كما ذكرت كثيراً؟(الفنون الجميلة) لم تفدني على الإطلاق، فلم أدخلها لكي أكون مصوّرا أو أن أرسم اللوحات لتعليقها على الحيطان.لكن كان الهدف منها أن أتخرج فيها لأصل إلى أن أكون رساما لكتب الأطفال، ولقد ندمت على دخولي هذه الكلية؛ لأنها لا تصلح لتخريج فنان مثل «حسين بيكار» الذي كان مثلاً أعلى بالنسبة لي في سن الطفولة، بكتبه وبمجلته «سندباد».
ولقد حاولت طوال مشوار عملي أن أتخلص من شوائب الكلية، وخيراً فعل الفنان صلاح جاهين حين لم يبقَ بها غير عام واحد؛ لذا صار فناناً لا يتكرر، وبالمناسبة فإن دخولي (الفنون الجميلة) كان بمثابة الفضيحة العائلية؛ فالأب الأزهري لم يشجعني على تلك الخطوة، لكنه لم يمنعني.
لغز صلاح جاهين
الحديث عن صلاح جاهين لا ينتهي، كيف كانت مرحلة صلاح جاهين الكاريكاتيرية؟
صلاح جاهين شخص مُحيِّر، فهو موزع بين الرسم والكتابة، وفي كليهما كبير، وأستطيع أن أقول، وأنا مطمئن إلى رؤيتي، إنه الفنان الذي جاء إلى الدنيا مختزناً قرونٍ طويلة من الإبداع قبل أن يولد، فلا يمكن أن أصدق أن يوجد مبدع بهذه القيمة، وينجز كل إبداعه.
سواء في الرسم أو الشعر، فقط في 56 عاماً عاشها، نحن أمام لغزٍ حلُّه الوحيد أن يكون صلاح جاهين جاء إلى الدنيا بمعرفته لقرونٍ تسبقه؛ إذ لم يبذل جهداً أو عمراً في تحصيل معرفة؛ لقد غير صلاح جاهين وجه الكاريكاتير، على الرغم من أنه لم يكن مهتماً به الاهتمام الكافي؛ لأن موهبته الشعرية كانت تأخذ حيزاً كبيراً من جهده وتفكيره.
كيف يتعامل اللبّاد مع تقديس جيل الشباب من رسّامي الكاريكاتير له؟
لا تقديس لي من الأجيال التي أتت بعدي، فأنا مجرد محاور لهم، في أحيان كثيرة أقدم وجهة نظري في أعمالهم- إذا طلبوها- لكن هذا الجيل منغلق على نفسه، ولا يشتبك مع سابقيه، وأعتقد بأن هذه العزلة إجبارية واختيارية في آنٍ؛ نظراً إلى ظروف كثيرة قد تكون سياسية.
ما رأيك في ما يسمى «الرواية الجديدة» باعتبارك صانعاً للكتاب؟
بالفعل هناك رواية جديدة، لكن بعضها مجرد مشاهدات، أو رصد لحوادث تمتّ لأصحابها، أو قد تكون بعض السير الأدبية، أو أصداء لسيرة الشخص الكاتب، لكني أخرجها من نطاق الرواية التي تعتمد على الرؤية المتسعة لأشخاص من خلق المبدع، لا نقلاً عن حادثة أو واقع.
كما أن الرواية تعامل تحليلي مع الزمن قائم على خبرات الكاتب التراكمية، وليست مجرد مشاهدات يستطيع أي مارٍ في الطريق قصها على زميل له في المقهى، أو وسيلة المواصلات.
هل يعني ذلك أنك ترفض تصميم أغلفة لهذه الأعمال؟
أعتذر كثيراً، ولا أقبل إلا ما أحبه، ولا داعي لذكر الأعمال التي رفضتها، لكن بالطبع فإن ما قبلته معروف، وبالمناسبة لا أحب أن أتقاضى أجراً على تصميم أغلفة أصدقائي، بل يكاد يكون تصميم الأغلفة هواية.
زعيم سياسي
كيف يلعب رسام الكاريكاتير دور الزعيم السياسي؟
لقد ارتبط فن الكاريكاتير بدنيا السياسة، وما دام الحديث فناً مرتبطاً بالسياسة، فإن العلاقة بالجمهور أكيدة، فقد يكون الكاريكاتير محرضاً أو ساخراً أو غاضباً من أوضاع بعينها تقوم بها الجهات المسؤولة في الدولة؛ وكان الفنان الراحل عبدالسميع نموذجاً لرسام الكاريكاتير الذي يهجو المسؤول حتى لو كان رئيس الوزراء مصطفى النحاس في أربعينات القرن الفائت.
فقد كان النحاس زعيم الأغلبية، لكن عبدالسميع سبه على الغلاف، وفي الصفحات الداخلية لمجلة «روزاليوسف» يسقط مكانته إلى قاع البئر، فعبّر بريشته «الكرباج» عن خضوع النحاس للملك فاروق الذي كان يرمز له بحذاء ترك رباطه مفكوكاً، أو ذراع سمينة مشعرة.. تفاصيل صغيرة لرسام بدرجة زعيم سياسي، اعتُبر مهيجا للجماهير المصرية قبيل ثورة يوليو 1952م.
لماذا ارتبط فن الكاريكاتير بالصحافة على الرغم من وجوده قبلها؟
لقد عرفت بريطانيا الكاريكاتير المطبوع في منتصف القرن ال18، وكان للصحافة الفضل في إعطاء صك الالتحام مع الجمهور من خلال النسخ والنشر؛ لأنهما العاملان الحاسمان في انتشار أي شيء، وعلى الرغم من وجود بعض الرسوم الساخرة في كتب الموتى وفي البرديات الفرعونية، فإن الصحافة هي بوابة الانطلاق نحو جماهيرية واسعة لفن قديم.
هل قضت التكنولوجيا على مهارات الرسام، وأصبح لدينا «رسام ديجيتال»؟
التكنولوجيا وسيلة من أجل تسهيل مهمة الرسام في كثير من الأحيان، لكنها لن تلغيه، وأنا شخصياً لا أزال أحب أن أرسم أيضاً بيدي في تصميماتي المختلفة، وآخرها رواية «حجرتان وصالة» للروائي إبراهيم أصلان.
ما مدى تأثر ابنك أحمد اللباد بأسلوبك في التصميم؟
لم يكن أحمد اللباد وحده الذي تأثر بي، وإنما يُراد إلصاق تهمة التأثر به وحده، فكثير من المصممين تأثروا مثلاً بالخلفية البيضاء في التصميم، وهي ميزة في أعمالي، وليس عيباً أن يتأثر الفنان، فهي مرحلة لابد من المرور بها، وأشهد، ولن أعتبر شهادتي مجروحة، أن أحمد اللباد هو أكثر المصممين الموجودين نضجاً.
التعليق ومن دونه
هل رسام الكاريكاتير غير المعتمد على التعليق أكثر مهارة من المرتكز عليه؟
يتوقف الأمر على القارئ الذي ترسم له الكاريكاتير، قارئ مجلة «شَعبَوية» أو قارئ مجلة تحليل سياسي، ولقد أشرت من قبل إلى فكرة الرسم ب«التعليق ومن دونه»، لكن أعتقد بأن هذا الأمر لا يحسب هكذا، فليس فنان الكاريكاتير حالة واحدة، فقد يكون صاحب التعليق أكثر مهارة، خصوصاً في اختيار التعليق الذكي الذي يستدرج المتابع.
ويرسم له الفخ بمهارة، ويفاجئه بالضحكة، وهذا لا يتوافر لكثيرين، وأنا أعيب على كثير من الرسامين الذين سربوا من خلال أعمالهم صيغة واحدة للكاريكاتير تتمتع بعدد كبير من السذاجة، على الرغم من كثرة استعراض العضلات في تفاصيل لا مبرر لها، فهذا الأسلوب ضيَّق مساحة الكاريكاتير في التلقي، وحبسه في ركن مخنوق، فالقماش يتسع لأكثر من تصميم، وفي الهواء زوايا مختلفة للإرسال والاستقبال.
لماذا تفرض على نفسك حالة عزلة بعيداً عن الإعلام؟
أبتعد عن الإعلام لفشلي الشديد معه، ولم أنسحب من الحياة وأضوائها، كما يدّعي الكثيرون، فقد حصلت على حقي وزيادة، ومسؤوليتي- حالياً- هي الحوار مع المهنة، ومحاولة التأسيس داخلها، فلديّ أمل في أن أقوم بلفت النظر إلى أشكال غير نمطية، وأحاول أن أؤكد أن أي شيء نصل إليه ليس هو الشكل النهائي، فهناك دائما شكل أكثر جِدَّة، فالإنسان والحياة والعمل يتطورون في احتمالات لا حصر لها.
إضاءة
- محيي الدين اللباد، رسام كاريكاتير، مصمم جرافيك مصري، ولد في 25 مارس 1940 بمحافظة القاهرة، عمل في الكثير من المؤسسات الصحافية.
- تخرّج اللبّاد في قسم التصوير بكلية الفنون الجملية، وكان قد بدأ رسّاما في «روزاليوسف»، ثم مؤلفاً ورساماً لكتب «دار المعارف»، ويعد أحد المشاركين في تأسيس «دار الفتى العربي» في بيروت، ومصمماً ومخرجاً فنياً للكثير من المجلات والجرائد العربية.
- له الكثير من المؤلفات التي تعد دعامة تنظيرية في مجال الرسم، منها سلسلة كتب بعنوان (نظر)، أربعة أجزاء، (كشكول الرسام)، (تي شيرت).
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


