لكل شعب على وجه الأرض موسيقاه الخاصة التي لها ما يميزها عن سواها، والموسيقى الأرمينية التي يعود تاريخها إلى حوالي 3 آلاف سنة تقريباً تميزت برأي الكثير من النقاد الفنيين كونها «موسيقى الحياة» فكل نغمة ولحن منها يخاطب الوجود برؤية وفلسفة روحية يتمازج فيها الفرح والحزن الدنيوي بهمسات غيبية مقترنة باللامتناهي.

ومع أول نغمات مدونة نشأت عثر عليها في هضاب «يريفان» تعود لعصر الملك ديكران الثاني 95 قبل الميلاد اختطت الموسيقى الأرمينية لنفسها كينونة أثرت بمحيطها الشرقي لتنتقل بعد ذلك صوب العالمية.ظهرت في عالم الموسيقى الأرمينية عدة أسماء بارزة: آرام خاتشودريان، ستيبان شاكريان، ألكسندر سبندريان، والرائع أزنافور، وأسطورة الموسيقى الأرمينية كوميتاس، وكعادة الشرق في إنجاب المواهب.فإن العنصر الأنثوي يكاد لا يذكر لطغيان العنصر الذكوري، إلا أن ملكة آلة القانون الأرمينية هازميك ليلويان استطاعت أن تنقش اسمها بنغمات تسلب الألباب في لوح الأساطير الموسيقي، الحواس الخمس التقاها أثناء حفلها الموسيقي الذي أقيم اخيراً بقصر الإمارات ضمن مهرجان أبوظبي 2010.فكان هذا الحديث عن تاريخ الموسيقى الأرمينية والحداثة والكلاسيك فيها وموسيقى الوطن والاغتراب:عن رؤيتها للتحديث والتطور الذي أدخل على الموسيقى الأرمينية التقليدية؛ تقول هازميك: حين ننظر إلى التطورات التي دخلت على الموسيقى الأرمينية نحددها بعدة اتجاهات.

فمن حيث الآلات تمت إضافة مجموعة من الآلات الموسيقية الحديثة إليها من خلال احتكاك الموسيقيين الأرمن بالتجربة الأوروبية مبكراً، فدخل البيانو والآلات الوترية الأخرى منذ القرن التاسع عشر، وما يميز الموسيقى الأرمينية من هذه الناحية؛ هو أن المؤلفين والعازفين الأرمن طوعوا هذه الآلات لخدمة المقطوعات الأرمينية ولم ينجرفوا بعيداً.وقد ظلت صورة الآلات التقليدية كما هي منذ 3 آلاف سنة كالناي الذهبي ذي الخمسة ثقوب والصنوج والقانون والوتريات، أما الاتجاه الآخر في هذا التحديث فيأتي بصورة المقطوعة ذاتها، بمعنى أنها أخذت شكلاً حديثاً كالباليه والأوبرا والسيمفونيات.إضافة إلى اتجاهات أخرى يطول شرحها، وبرأيي فإن جميع التجارب الموسيقية الأرمينية حافظت على خصوصية روح الموسيقى الأرمينية ولم تفقد توازنها تحت مظلة التحديث».ظهرت أول أوبرا أرمينية على يد ديكران جوخجيان المتوفى عام 1898م وكانت بعنوان أرشاغ الثاني لتتبعها عدة أوبرات ومقطوعات باليه كانت حديثة العهد على الموسيقى الأرمينية، تقول هازميك: بعد أوبرا ديكران ظهرت عدة أنماط أوبرالية في الموسيقى الأرمينية من بينها أوبرا آنوش لأرمين ديكران وأوبرا ألماست للمؤلف ألكسندر سبندريان.

وجميع مؤلفاتهم تحمل الروح الأرمينية ولعل أكثرهم تعريفاً لهذا الواقع واستعانة بالفلكلور الأرميني هو المؤلف العبقري آرام خاتشودريان الذي أفخر بعزفي لمقطوعاته، وحقيقة أن الفضل يعود لأسطورة الفن الأرميني كوميتاس الذي دوّن المقطوعات الفلكلورية الأرمينية وقدم نظريات عديدة في الموسيقى الأرمينية.

وبصفة خاصة فإنني استمع لكافة أنواع الموسيقى لمختلف الشعوب والعصور، لأنني أعتقد أن الموسيقى يمكن أن تعرفك إلى تاريخ وثقافة وتقاليد شعب ما وهي ليست مجرد نغمات وألحان وحالة طربية أو تسلية نفسية؛ بل هي أبعد من ذلك بكثير.

يعتبر الشعب الأرميني من الشعوب المغتربة حيث يتوزع الغالبية منهم في أرجاء مختلفة من العالم، منها العالم العربي في العراق وسوريا ولبنان والأردن، وفي إيران وروسيا وجورجيا والولايات المتحدة وفرنسا وأرجاء أوروبا، وقد برزت العديد من المواهب الموسيقية الأرمينية في هذه البلدان بمختلف العصور.

فهل كان هناك اختلاف بين موسيقى الأرمن في بلادهم وبين موسيقاهم في الاغتراب؛ تقول هازميك: من بين أبرز التجارب الأرمينية خارج الوطن هي تجربة هوفهانس الذي ولد في أميركا 1911.

وتجربة الملحن والمغني الفرنسي- الأرميني الشهير شارل أنافور، وأنا أتابع باهتمام كبير جميع التجارب الأرمينية الفنية في العالم العربي في سوريا ولبنان، وأود أن أشير إلى حقيقة لا يمكن نكرانها وهي أن الفنانين الأرمن في بلاد الاغتراب أكثر تمسكاً بجذورهم الموسيقية الأرمينية من أشقائهم الذين يعيشون في الوطن.

سجلت الموسيقى الأرمينية ذكريات مؤلمة من تاريخ الشعب الأرميني، فانعكس ذلك بصورة الحزن الذي يظهر جلياً في نغماتها وألحانها، وحين سألنا ساحرة القانون هازميك حول إمكانية اشتراكها في حفل مشترك مع فنانين أتراك أجابت بوضوح: لا يمكن كإنسانة أرمينية أن أتناسى أحزان شعبي.

ولكن إن كانت مثل هذه الدعوة تحمل طابعاً فنياً بحتاً بعيداً عن السياسة ودهاليزها فلن أمانع في العزف مع أي فنان من تركيا أو من أنحاء العالم المختلفة، فأنا أعتقد أن الفن المجرد هو الفن الحقيقي.

استطاعت هازميك أن تنقل صوت القانون الشرقي الساحر إلى جميع أنحاء العالم مع فرقتها كامرتون، كما استطاعت أن تجمع بين الألحان الشرقية والكلاسيكيات السيمفونية الغربية، تقول عن تقبل المستمع الغربية لنغمات القانون: لقد أدهش صوت القانون المستمع الغربي.

وقد واجهتني بعض الصعوبات في البداية لأسباب تتعلق بالتكوين الموسيقي للمؤلفات الغربية، حيث ان الربع تون الذي يظهر بوضوح في التخت الشرقي غير موجود فيها، إلا أنني وفرقتي أجرينا تحويرات تتصل بهذا الأمر واستطعنا عزف أصعب المقطوعات لموزارت وشوبان وغيرهم من مؤلفي الموسيقى الكبار.

مع تقديمنا لموسيقانا الأرمينية الخاصة، ولا اختلاف بين آلة القانون العربية والأرمينية من حيث عدد الأوتار التي تبلغ 78 وتراً، إلا أن الاختلاف يكمن في التركيب وطرق العزف.

وهذه الآلة بالنسبة لي هي كل وجودي وأنفاسي التي أحيا بها، وأنسى كل ما يحيط بي حين احتضنها بين يدي، وحين أسمع أنغامها من عازفين محترفين آخرين من إيران وتركيا والعالم العربي فانني أشعر بالبهجة والفرح ومشاعر لا توصف من الروحانية والتحليق بعيداً عن دنيا الوجود، فهي تمنحني السلام.

الراهب كوميتاس

يعتبر الراهب كوميتاس أهم شخصية في تاريخ الموسيقى الأرمينية، ولد في تركيا 1869 وتوفي في فرنسا 1935، جمع أغلب المقطوعات الفلكلورية الأرمينية، وينتصب له تمثالان في باريس ويريفان عاصمة أرمينيا.

سيرة

ولدت هازميك ليلويان في يريفان والتحقت مبكراً بالمعهد الموسيقي الرسمي، قدمت أول مقطوعاتها الموسيقية عام 1975 واشتهرت بلقب ملكة آلة القانون، وأقامت حفلات في أكثر من 40 بلداً كان آخرها حفلتها في أبوظبي.

تاريخ

يعود تاريخ أول مقطوعة موسيقية أرمينية مدونة إلى القرن السادس قبل الميلاد، وهي عبارة عن ملحمة غنائية مجهولة المؤلف، وفي القرن الأول قبل الميلاد تم تأسيس أول فرقة موسيقية ملكية أرمينية.

أبوظبي- محمد الأنصاري