وسط طغيان المشكلات الاجتماعية، والبحث عن الترفيه والتسلية، عجزت السينما المصرية عن الاستمرار في تقديم الفيلم «الغنائي الاستعراضي»، على الرغم من ادّعاء كثير من النقاد بوفرة المطربين الذين يجيدون هذه الأفلام، متهمين التكلفة الإنتاجية العالية لهذه الأفلام بأنها السبب في غيابها.
فيما أرجع آخرون السبب إلى غياب النجوم الذين يمتلكون مواصفات نجم شباك للاستعراض أو الغناء، ومع تعدد وجهات النظر تبقى الحقيقية المؤكدة.. أن الفيلم الاستعراضي المصري بات في خبر كان.. الأسباب ترصدها السطور التالية.المتابع لحال السينما المصرية على مدار مشوارها الطويل، يجدها شهدت الكثير من أفلام الاستعراض التي ارتبطت بأسماء شهيرة كأنور وجدي ونعيمة عاكف وفرقة رضا وغيرهم من مشاهير الفيلم الاستعراضي، وقد لاقت هذه الأفلام حسب تعبير «مدكور ثابت»، الرئيس الأسبق للرقابة على المصنفات الفنية رواجًا كبيرًا، وحققت أرباحًا خيالية.
ورغم اعتراف ثابت بتواجد الاستعراض والغناء في الأعمال السينمائية الراهنة، إلا أنه بالنسبة للفيلم الاستعراضي فقد تراجع لدرجة الاختفاء بعد تخلي المنتجين عنه بعدوى عدم وجود ميزانية إنتاجية ضخمة، فضلا عن أن المكاسب من وراء إنتاج هذه الأفلام لا تعادل مكاسب سهلة تأتي من خلال الأفلام الكوميدية التي راجت سوقها. وبعيدًا عن الميزانيات الضخمة، التي تعلل بها «مدكور» لإنتاج الفيلم الاستعراضى، يرجع الناقد «أحمد الحضري» السبب الأول إلى افتقاد السينما للفنان الشامل، الذي يستطيع أن يكون بطلاً، مثل: (أنور وجدي)، أو نجوم الغناء اللامعين، مثل:
(عبدالحليم حافظ، محمد فوزي، ليلى مراد، أم كلثوم، محمد عبدالوهاب، شادية، فريد الأطرش، صباح، منير مراد)، أو نجوم الاستعراض، مثل:( سامية جمال، نعيمة عاكف).
خلافًا لذلك-والكلام للناقد- غابت نوعية الجمهور الذي يُقبل على مشاهدة الفيلم الغنائي الاستعراضي، بعد سيطرة الأفلام الكوميدية والأكشن على الساحة، يضاف إلى ذلك، أن وجود القنوات الفضائية أحدث نوعًا من التشبع لدى الجمهور بتقديم كل أنواع الغناء، من خلال «الفيديو كليب» الذي صار يشمل الغناء والرقص معًا، كما لو كان الفيديو كليب قد صار المعادل العصري للفيلم الاستعراضي الغنائي.
بدوره يحمل الناقد «سمير شحاته» المنتجين مسؤولية انهيار صناعة الفيلم الغنائي، مدللا على ذلك بأن هناك سيناريوهات مكتوبة لأفلام غنائية لكنها حبيسة الأدراج، ولن ترى النور؛ لأن المنتجين لا يؤدون دورهم تجاه الصناعة كما ينبغي، بقدر ما يؤدون واجبهم باتجاه جيوبهم.
أشار إلى أن الفيلم الاستعراضي الغنائي مضمون النجاح إذا تم الإعداد له بشكل جيد، ووجد الميزانية الضخمة التي تدعمه، بالاضافة إلى وجود صنّاع سينما تتوافر لديهم الجرأة لتقديم مثل هذه النوعية من الأفلام، بعد حالة التشابه السينمائي التي نحياها، فأفلامنا صارت مثل أوراق الشجر كلها من نوعية واحدة.
ولا يوجد منتج يريد أن يجدد الشكل المطروح، فواقعية الأفلام سيطرت على السينما، ولا مجال لفيلم غنائي؛ لأنه يعد بعيدًا عن الواقع من وجهة نظر صناع السينما الحاليين.
وبحسب رأي الناقد «عماد خميس»، فإن السينما المصرية لديها تاريخ طويل مليء بالاستعراض، لكن بعد حرب 1973 اختلف الأمر، وتغيرت نوعية الأفلام بتغيّر المجتمع وطبقاته؛ نتيجة الانفتاح الاقتصادي، فظهرت أفلام المقاولات الرديئة، بالرغم من احتواء بعضها على بعض الاستعراضات، إلا أنها أدت في النهاية إلى ضياع الفيلم الغنائي، بعد سيطرة أهداف أخرى على عقول المنتجين والفنانين معًا، وأولها: الكسب المادي بطرق سهلة، إلى أن راح الفيلم الغنائي الاستعراضي في خبر كان، وأصبح فقط يعيش في منطقة التراث.
خدمة - دار الإعلام العربية


