بدايةً بالرقص عبوراً بالتمثيل وصولاً إلى الغناء، حكاية فراشة تفتخر بكلّ مراحل تحوّرها، وتستلذّ برحيق كلّ زهرة من زهور الحبّ. رحلة سيسيليا قصّةٌ جميلة بدأتها من لوس أنجلوس، وها هي تتوّجها في دبي مع أسبوعٍ من الأناقة والجمال.

بدأت سيسيليا العمل في مجال الاستعراض كراقصة إيقاعيّة على أنغام الجاز الحديث عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وانتقلت إلى لوس أنجلوس لتتدرّب على يد أليكس ماغنو، منسّق استعراضات ملكة البوب مادونا. وبعدها عادت إلى إيطاليا ودرست التمثيل عندما قيل لها إنّها لن تتمكّن من النجاح في مجال الرقص. تقول سيسيليا: «لم يكن تعبيري الشخصي ناجحاً بالشكل الذي أطمح إليه عندما كنت أعمل بالرقص التعبيري. لم أكن منطلقة بالأسلوب الذي أرغب به، وسبّب لي هذا الموضوع الكثير من الألم في ذلك الوقت. وبعد أن بدأت العمل كممثّلة، أدركت أن قوّتي في صوتي وأسلوبي. وعلى الرغم من أنّ النقّاد شبهوا صوتي بالذكوري، لم يثنِ ذلك عزيمتي، وهاأنذا اليوم، أحبّ صوتي وأشعر بالسعادة عندما أغنّي لمن حولي».

بعد عودتها إلى إيطاليا، قدّمت سيسيليا تجربة أداء أمام ماسيمو رينييري، أحد أهمّ الممثّلين بإيطاليا، ونصحها هذا الأخير باحتراف الغناء لأنّه كان مؤمناً بأنّ صوتها متميّز، وأن لها القدرة على لفت أنظار الجميع بعذوبة صوتها، لتبدأ رحلة الغناء معها وهي في الثالثة والعشرين.تتحدّث أغلب أغنيات سيسيليا عن الحب، بمختلف مراحله وأنواعه التعبيريّة أو تلك التي ترتبط وثيقاً بالماضي. وبما أنّ مفهوم الحب عالميّ، تسعى سيسيليا للغناء بمختلف لغات العالم كي تتمكّن من الإحساس بالقرب من أولئك الذين لا يعرفونها. «أحب أن أغنّي بلغة من يستمع إليّ، وأكتب بعض أغانيّ وأتحدّث عن أفكار وتجارب واسعة يمرّ فيها كلّ الناس من أي مجتمعٍ كانوا، وأحرص على أن أبقي لمستي الخاصّة على الموسيقى والألحان التي أختارها، وهذا ينعكس على الأزياء التي أختارها». هكذا هي دوماً.

تعمل سيسيليا أيضاً كمقدّمة برامج بإحدى الإذاعات المحليّة في روما، مما يجعلها على احتكاكٍ دائم مع آخر الإصدارات الموسيقيّة، وهي تفضّل الموسيقى البرازيليّة على كل الجنسيّات الأخرى، حتّى الإيطاليّة منها. حيث تعترف: «أحب موسيقى البوسا نوفا البرازيليّة، كأغنية كوركوفادو، التي أُصدرت منها نسخة إنكليزيّة بعنوان (ليالٍ هادئة لنجومٍ صامتة).

وموسيقاي هادئة، لذا تكون طبقة صوتي في أغلب الأحيان رقيقة، إلا أنّني في بعض الأحيان أرفع نغمة الصوت من دون قصد، لأنّني أريد أن أحرّر مشاعري وأبرزها بشكلٍ أقوى لأتواصل مع الجمهور. وأنا لا أحدّد اللحظة التي أضع فيها قوّة صوتي، وإنّما أترك حنجرتي على سجيّتها عندما أقف خلف الميكروفون لأغنّي».

في اختياراتها للأشخاص الذين تعمل معهم، تحاول سيسيليا التنويع من ناحية الجنسيّات، إلا أن عشقها للحضارة اللاتينيّة يربطها بموسيقيّين وكاتبي أغاني من كوبا والبرازيل.

هذا بالإضافة إلى حبّها للموسيقى العربيّة، والكلاسيكيّة منها على وجه التحديد. «أحبّ أن أتعامل مع موسيقيين من مختلف أنحاء العالم، والموسيقى العربيّة مميّزة بالنسبة لي لأنها تساعدني على التأمّل.

وتأثيرها برأيي واضحٌ على موسيقى الفلامينغو الإسبانيّة، وعلى تلك القادمة من مدينة نابولي الإيطاليّة، لأن طبقات الغناء في العالم العربي فريدةٌ من نوعها، وتواجدها في أي موسيقى أخرى يترك أثره واضحاً».

لون لكلّ أغنية

«أحب أن أكون جزءاً من عالم الموضة، لأن اللباس الذي أختاره يشبه نوع الموسيقى التي أغنيها. قد تكون الطبقات قاسية في بعض الأحيان لذا أختار ألواناً حادّة، وفي أغنياتٍ أخرى أميل إلى الألوان الهادئة لأنّها تظهر هدوء المشاعر التي أنطق بها»، بهذا الشكل أبدت سيسيليا اهتمامها بعالم الأزياء، وأهميّة مشاركتها في أسبوع دبي للموضة.

والمثير أنّ سيسيليا بدأت بتصميم ملابسها الخاصّة بعد أن أطلقت علامتها التجاريّة التي تحمل اسم «ماري بوسا» بالاسبانيّة، والذي يعني الفراشة. بالنسبة لامرأة قادمة من إيطاليا، بلد الأزياء والموضة، كان لا بد أن يكون هنالك سببٌ وجيه يدفعها لتكون جزءاً من مشروع أسبوع دبي للموضة.

فهي تقول: «أحبّ كلّ شيءٍ يتعلّق بإيطاليا، والأزياء لدينا من أهمّ ما نصدّره للعالم، فأرماني على سبيل المثال من أهمّ العلامات التجاريّة في العالم، وأنا أفضّلها عن أي علامة أخرى.

إلا أن المشكلة هي في انقلاب معايير هذه العلامات، حيث لم تعد تحمل المنتجات التي يصدرونها أصالة التصاميم الإيطاليّة العريقة، وبالتالي خسرت هويّتها المميّزة مقابل هويتها التجاريّة، ومن هذا المنطلق أفضّل اختيار ملابسي من مصمّمين ناشئين أو جُدد لأن أرواح تصاميمهم تشبه بشكلٍ كبير مفهوم الفراشة لدي».

رمزٌ للحب والكفاح

اختارت سيسيليا الفراشة لتكون رمزاً لأزيائها الخاصّة، لأن لهذا المخلوق الرقيق بالنسبة لها حكاية مميّزة تستحقّ أن تأخذ حقّها. فالفراشة رمزٌ لحياة الإنسان المكافح والذي يجتهد كي يحقّق إنجازاً ما.

وتقول في هذا الخصوص: «يولد الإنسان ولديه مستوى لا بأس به من الذكاء والفضول، وإذا أراد أن ينتقل بحياته بين مرحلة وأخرى ليعيش تجاربه، عليه أن يدخل تجربة تحوّل لدى انتهاء كلّ مرحلة أساسيّة.

والفراشة تعيش ثمانية شهور كاملة في مراحل تحولها من يرقة إلى شرنقة ومن ثمّ إلى فراشة ناضجة حسّاسة جدّاً. والفراشة أيضاً رمزٌ للحب، فهي مخلوق رقيق، نحمله في أيدينا ونداريه، فإن قسونا عليه قتلناه أو أذيناه ولم يعد بإمكاننا مداواته».

حريّة تبدعها الموسيقى

تحبّ المغنية الإيطاليّة القادمة من الجنوب، الموسيقى لأنّها تُلغي كلّ الاختلافات وتساوي بين مختلف الجنسيات والأعراق، وحلمها أن تتمكّن من الغناء بكلّ بلدٍ في العالم وإلى جانبها موسيقيٌّ من ذلك البلد.

«بالنسبة لي، الناس كلّها متساوية، وكلّ المشاكل تنبع من النفوس الضعيفة التي لا تسعد إلا بخلق الاختلافات، إلا أن الموسيقى يجب أن تبقى بعيدةً تماماً عن كلّ هذه الترّهات، نقيّةً من شتّى أشكال التمييّز، وعالميّةٌ إلى أبعد الحدود».

نهرٌ من المشاعر

أغاني سيسيليا تحمل معاني عدّة، والفكرة خلف أيّ مشروعٍ غنائيّ تتغيّر تبعاً لمراحل المشروع، ومع ذلك تؤكّد المغنّية الإيطاليّة أن ما يبقى على حاله في موسيقاها هو المشاعر والأحاسيس، فهذه هي الفكرة التي لا تتبدّل باختلاف الأداء ومكانه أو زمانه.

وتزيد على ذلك: «غنيت في المكسيك وفي كلّ المدن الإيطاليّة، ولا زلت أحلم بالغناء في العديد من الأماكن، منها العالم العربي واليابان لأنّني مؤمنة بعالميّة الموسيقى التي أقدّمها والأفكار التي تحملها أغنياتي».

دبي - علي محيي الدين