في جزيرة بورتوريكو، حيث رسا المكتشف كولومبس اختزل المصمم الأميركي أندريس أكينو ذكريات طفولته الساحرة على شواطئ الكاريبي وأمواجه، التي تتموج في دلال تاركة خلفها أشجار النخيل ومزارع البن وتجار الشوارع، الذين يبيعون فطائر (التاكو) المحببة لديه.
فلا يمر يوم دون أن يلتهم الكثير منها حتى يصل إلى مبنى الإذاعة لتسجيل برنامجه الحواري وهو في السابعة من عمره، المرح وحب الإطلاع وعشقه للفنون والمسرح قادته إلى منصات الموضة وجنون (الهوتكوتور) ويا لها من رحلة.وهو يتحدث تشعر بدفء سكان أميركا اللاتينية وحماسهم الذي ينبعث من ملامحه السمراء، وحركات يديه التي تنطق فنا وجمالا، نعم نعلم انه لا يكف عن سرد النكات وملاطفة الجميع واختراع المفاجآت المثيرة والمضحكة حتى في عروضه التي خلصها من الالتزم بقواعد منصات العرض الصارمة، لذا فمن الصعب التكهن بخططه في هذه اللحظة.
(الحواس الخمس) يتنقل بين أروقة أسبوع دبي للموضة لينفرد بحوار خاص جدا مع اندريس اكينو، المصمم والمسؤول المباشر عن أسبوع نيويورك للهوت كوتور.في السياق يؤكد اندريس انه اصبح مصمما بالمصادفة، وتأكد من ذلك بعد ان حازت مجموعته الأولى (كازبلانا) على إعجاب النقاد والصحافيين الذي أسهبوا في الحديث عن عبقريته الفذة وجنونه في استعراض تصاميمه بطريقة مسرحية، تكاد تكون قد خرجت للتو من قصص الخيال والخرافة، ولكن سرعان ما أدركت ان ذلك هو نهاية طبيعة لإدماني على كل الفنون بداية من المسرح الذي عملت خلاله كمنتج ومخرج لسنوات. ومن ثم كمصور فوتوغرافي محترف اقترب دون حذر الى شوارع الموضة وضواحيها ليلتقط صورا لأجمل العارضات، وهن يستعرضن في بهاء تصاميم أشبه ما تكون بمنحوتات إغريقية تجسدت على خامات مترفة.
ويعتقد اندريس أن معاصرة واقتباس لقطات وإشارات للمشاهد الحياتية والفنون المعمارية والعادات والتقاليد والحضارات بجميع أنواعها هي ملهمته لتصميم وابتكار أشياء لا تعرف الملل أو التكرر، والدليل على ذلك أن مجموعتي الأولى (كازابلانا) مستوحاة من الأشكال والرسوم المعمارية المغربية.
ويضيف اندريس: مرحى لم يؤثر في واقعيتي، التي تتخللها معرفتي المتواضعة بما تريده المرأة، شابة كانت أم ناضجة، فالصغيرة تحب أن تجرب كل صرعات الموضة وموجاتها، وبالتالي لا تتميز بالوفاء لمصمم واحد، على العكس من الناضجة، التي يكون أسلوبها قد تبلور.
وبالتالي أصبحت تعرف ما تريد تماما، وهذا ما يحبه. «أعشق المرأة الناضجة فهي مكتملة الأنوثة والشخصية، ومتصالحة مع نفسها، كما أنها واثقة تعرف ما تريد فعندما انكب على تصميم أي فستان، فإني أفكر في هذه النوعية من النساء وما تحتاجه:
كيف تمشي وتتحرك، كيف تفكر وكيف تريد أن تخلف انطباعا إيجابيا وساحرا، ولا يمكنني الوصول إلى ذلك من دون العارضات اللائي اترك لهن قدر المستطاع حرية اختار الفستان الذي ترتديه على منصة العرض، حيث أشعر أن هناك كيمياءً عجيبة بينهن وبين أزيائي المحببة لديهن.
يعترف اندريس انه رومانسي، يحن كثيرا إلى زمن ماض وجميل؛ زمن كانت فيه الموضة في قمتها، وخصوصا في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، عندما كانت «الهوت كوتير» أكثر تفردا مقارنة بوقتنا الحالي، حيث أصبح كل شيء يخضع لمعايير تجارية.
كانت المرأة في ذلك الوقت تستطيع ان تذهب إلى أي بيت أزياء وتطلب من المصمم أن يبدع لها أي قطعة تريد، وهذا ما أريد أن أوفره لزبوناتي، تلك العلاقة الحميمة بين المصمم والزبونة، وأعتقد أن هذا ما باتت المرأة تريده وتبحث عنه أيضا.
ويستطرد اندريس بعد أن يضحك مطولا: المطلع على تصاميمي يلاحظ أن الألوان التي استعملها تتميز بهدوء يتناقض مع أي فكرة مسبقة يمكن أن تخطر بالبال عن مصمم ينحدر من أصول لاتينية. وكأنني أنفي التهمة عن نفسي كمتشرب بثقافة أميركا اللاتينية وأن رومانسيتها وألوانها موجودة أحيانا في تطريزات خفيفة تتميز بغرزات دقيقة، وألوان تشي بجذوري وحبي للشمس.
ويشير اندريس إلى أن أسلوبه الرومانسي أيضا عالمي، لأن الألوان ليست كل شيء بالنسبة له، وأن هناك أقمشة لها دور مهم بالنسبة له،«فهي، مثل الدواء تحتاج إلى عدة اختبارات قبل أن تخرج للنور على شكل قطعة تختال بها المرأة»، وبالتالي قد يوحي له ملمسها بتصميم معين يحفزه على تطويعها وصياغتها بشكل رائع.
وعن مدى تأثر الأزمة المالية على سوق الموضة وعروضها العالمية يقول اندريس: إن الأزمات تشحذ الأفكار وتحفز على إعطاء الجديد والجيد، فالسرعة بالنسبة لبيوت الأزياء وأسابيع الموضة، عنصر مهم والوقت فيها لا يرحم.
كما أن الأزمة لابد أن تغير من طريقة تفكيرنا، وتعاملنا مع الموضة والأولويات، فالأولوية الآن، باعتقادي، هي للجودة والاستثمار البعيد المدى، والعملية، بالنسبة للمرأة ليست في التصميم نفسه، بل كيف يمكن أن تبحث عنه وتجده.
وفيما يخص مشاركته في أسبوع دبي للموضة يؤكد اندريس أن الجانب الإيجابي في عروض أسبوع دبي للموضة في عامه السابع أنه بدأ يخرج من الأزمات التي ألمت به في العام الماضي، وذلك من خلال الاتجاه إلى مستوى الحرفية سواء على مستوى التنظيم أو التصاميم المعروضة، وهذا معناه أننا على موعد مع وليمة دسمة وموجة هائلة سيعلن فيها عن عهد جديد من الانتعاش، ومؤشر على ارتفاع أسهم دبي كعاصمة عالمية للموضة.
دبي- رشا عبد المنعم


