هي معشوقة السياب ولحنه الأخير، هي موطن الإبداع والفكر والفن ونشيد الإنشاد الأول، على ثراها لاتزال خطوات الخليل الفراهيدي تبوح للكون بأسرار الأصوات الأولى، وفي بيت متواضع كتب الحسن بن الهيثم علومه الكبرى.
وتحت مظلة جامعها الكبير كان المتصوف الحسن البصري يغترف من علوم العرفان الإلهية، بوابة الخليج إلى الشمال وجسر الشعوب والثقافات في مختلف العصور، هي البصرة الفيحاء التي تعود مرة أخرى لتلملم جراحها وسط إيقاعات (الخشابة) و(الهيوة) ونسائم المسك في جزيرة السندباد و(شناشيل) العشق في العشّار.(الحواس الخمس) التقى أحد مبدعيها الذين تنضب مياه البحار ولا ينضب إبداعهم، هو الملحن والباحث الموسيقي العراقي البصري إسماعيل العوضي الذي يقدم هذه المرة درة أخرى من جواهر إبداعه للموسيقى العربية عبر ابتكاره إيقاعا جديدا هو (ميزان أفراح الجديد) من فصيلة البسيط الذي نال عنه شهادة ابتكار وحقوق من إدارة حقوق النشر والتأليف التابعة لوزارة الاقتصاد الإماراتية.
سبق للملحن العوضي أن أبدع ابتكارات عدة في العلم الموسيقي، لعل من أبرزها ابتكاره قبل سنوات عدة مقاما موسيقيا شرقيا جديدا أطلق عليه مقام (هَجْري)، أما ابتكاره الجديد في موازين الإيقاعات فيشرحه بصورة مفصلة بقوله: إن كل ما في الكون خاضع لنظام التوازن، والموازين الموسيقية وضعت لكل موسيقى في العالم لقياس أجزاء الأصوات وضبط إيقاعها مثلما وضعت- عروض الشعر- لوزن مقاطع الحروف وأجزاء الكلام، وللموسيقى عنصران جوهريان هما الصوت والزمن. ومهمة الزمن هي ضبط إيقاع الأصوات وأجزائها وتأديتها على صورة موزونة محكمة، أما الإيقاعات فتسمى الأوزان الموسيقية فيها بالضروب أو الأصول وهي العنصر الأساسي في الموسيقى، أما أنواع الإيقاعات- أي الموازين الموسيقية العربية- فهي على نوعين بسيط وأعرج.
تعود حكاية العوضي مع الإيقاع الذي ابتكره إلى سنوات ذكرياته أيام طفولته بالبصرة، يقول: لقد كنا نخرج أيام الأعياد لساحة عامة تنصب فيها بعض ألعاب الأطفال البسيطة آنذاك، ومن بين تلك الألعاب دولاب الهواء الخشبي الذي كان يحركه شابان عن اليمين والشمال، وإلى جانبه كان يقف صاحب هذا الدولاب، وهو يتلقف منا أجرة الركوب، بينما يقف في الجانب الآخر أحد العازفين.
وهو يمسك بيده آلة إيقاع تسمى بالمصطلح البصري كاسورة، فيقوم بالعزف عليها لجذب الأطفال إلى المكان وإشاعة روح من المرح في المكان، وكانت حركات الشابين تنسجمان بصورة جميلة مع إيقاع الضربات الموسيقية لذلك العازف، فظل ذلك الإيقاع راسخاً في ذهني إلى يومنا هذا حيث قمت بتطويره وإجراء الإضافات عليه ليظهر لدنيا الموسيقى إيقاع جديد قمت بكتابته.
وقد استمع إلى هذا الإيقاع مجموعة كبيرة من الفنانين والمتلقين أشادوا به وتجري التحضيرات الآن لإضافته لمجموعة من أغاني أحد الفنانين الشباب الجدد على الساحة.
وهذا الإيقاع منسجم بصورة تامة مع الموسيقى الخليجية بكل أشكالها بعد أن جربته على ألحان عدة قمت بوضعها، وهو يناسب ألحان وأغاني الأفراح التي اشتق اسمه منها.
تعتبر البصرة منجماً حياً للإبداع من كل الأنواع، وتتميز هذه المدينة العراقية التي تقع في بوابة الخليج الشمالية، ملتقى خصباً للفن والموسيقى بكافة أنواعها، ومن بين أنواع الموسيقى التي تصدح فيها هو لون (الخشابة) الشهير الذي يعتمد الإيقاعات بأشكال مختلفة، يقول العوضي:
تشكل الإيقاعات البصرية التي تتخذ أنواعا عدة منها البصري الأصلي، ومنها الوافد من أفريقيا وبلاد فارس والهند واختلطت بالإيقاعات البصرية، مدرسة متكاملة للإيقاع، فمنها إيقاع الخشابة .
وهو بصري أصيل ينقسم إلى فروع الزبيري والجنوبي الذي اقتبس منه الفنان كاظم الساهر أغنيته المعروفة (وين آخذك) والمنكر، وقد تميز هذا الفن بوجود فرق خشابة نافت على الخمسين فرقة حتى نهاية السبعينات لم يبق منها إلا القليل.
ومن أشهرها فرقة ربيع وأم عليوي ومحمد بتور وأبو دلم وغيرها، وفي الوقت الحاضر يعتبر الفنان سعد اليابس أسطورة في فن الخشابة، وهناك فنون أخرى تعتمد الإيقاع إلى جانب الخشابة منها-الطار والقادري والسامري والعرضة والسادة.
- وهي جميعاً فنون بصرية أصلية تختلف عن الفنون الوافدة كالهيوة والزيران والليوة التي يتفرع عنها إيقاعات عدة كإيقاع النوبان الأفريقي الذي تستخدمه عدة فرق هناك، ومن أبرز آلات الإيقاع في البصرة هي الكاسورة وهي تستخدم كأداة رئيسية وتسمى في بعض الأمكنة الزنبورة وهي لفظة غجرية بحتة.
يضيف العوضي: لقد تميزت البصرة بتعدد إيقاعاتها كما أسلفت، وقد ظهرت أسماء فنية عدة أثبتت حضورها الخليجي والعربي، ولعل أبرزهم الفنان الراحل رياض أحمد والفنان حسين البصري الذي وظف إيقاعات الألوان البصرية بطريقة جميلة نقلتها إلى الحالة الموسيقية الحضرية.
كما وظف فنانون عدة من مختلف أرجاء العراق الإيقاعات البصرية في أغانيهم ويمكن القول إن تلك الإيقاعات التي تحمل نكهة محلية خاصة انتشرت في العراق لتنتقل بعد ذلك إلى مختلف أرجاء الخليج والعالم العربي، وكلي ثقة بأن الإيقاع الجديد الذي ابتكرته سيظهر في الأغاني الجديدة.
أما تاريخ كتابة الإيقاعات فيعود للعالم البصري الخليل بن أحمد الفراهيدي المولود عام 100 هجرية والذي يدين له علم العربية بالفضل الكثير لكتابته أول موسوعة لغوية وابتكاره لعروض الشعر وتدوينه لبحوره.
ويقول إسماعيل العوضي: إن أول من كتب الإيقاعات في الشرق والعالم العربي هو الفراهيدي، وتعود حكايته مع الإيقاع أنه كان يسكن قريباً من سوق لصانعي النحاسيات وهو ما يعرف شعبياً في العراق (سوق الصفافير)؛ فكان يمر ويستمع إلى طرقات أزميل هذه الصانع وذاك وكانت الأصوات تجذبه ليسمع نغماته وهي تمضي في الأثير.
ولكن بفوضى غير منتظمة، فقام بتأليف كتاب الإيقاع الذي دوّن فيه موازين الإيقاعات الموسيقية التي تعتبر قواعد رياضية ثابتة تظهر الأصوات الموسيقية بصورة منتظمة، فتوارثت الأجيال تلك الإيقاعات المدونة ولم تجرِ عليها أي إضافات في القرن الفائت أو العصور القريبة، لذا فإن الإيقاع الذي ابتكرته ووضعت موازينه يعتبر خروجاً عن المألوف في الإيقاعات السائدة.
أبو ظبي- محمد الأنصاري


