الناظر لأطفال المتلازمة داون يجد أن معظمهم تغلب على إعاقته، وأصبح قادراً على إثبات ذاته، متطلعين إلى مستقبل مشرق، خاصة وأن الكثير تعهدهم بالرعاية والاهتمام، والمساهمة بتحقيق أحلامهم.
وفي هذا الإطار احتفلت العديد من المؤسسات والجهات في الدولة باليوم العالمي لمتلازمة داون في 21 من شهر مارس الماضي في إطار جهود المؤسسات الحثيثة لتحقيق التنمية الاجتماعية في الدولة بشكل عام، وضمن أهدافها الرامية إلى تحسين حياة هذه الفئة وتقديم الدعم المتكامل لهم ولذويهم. واحتوت تلك الاحتفالات على باقة متنوعة من الأنشطة والفعاليات الموجهة لأولياء أمور المعاقين والعاملين معهم، إضافة إلى محاضرات التوعية، ومخيمات كشفية، والتي تهدف إلى دمج أطفال متلازمة داون في المجتمع.
وكثيراً من أفراد المجتمع لا يعرفون ما تعنيه متلازمة داون لأن الاسم الدارج في السابق هو (المنغولية) الذي يشعر الأهل عادة بالخشية عندما يسمعونه يتردد أمامهم، لأنه يعني ببساطة أن لديهم طفلاً معاقاً وأن إمكانية شفائه غير واردة وأقصى ما يمكن أن يطمحوا إليه هو التعايش مع هذه الحالة في أسرتهم..وشارك «الحواس الخمس» احتفالات مركز دبي لتأهيل المعاقين ضمن فعاليات اليوم العالمي لمتلازمة داون، وتم تنظيم الأنشطة التي من شأنها أن تدخل البهجة والسرور إلى نفوس الطلبة سواء عن طريق الحفلات الترفيهية أو الفعاليات التي يقيمها المركز داخل مبناه..
وقد شارك طلبة قسم الإعاقة الذهنية والتأهيل المهني في اليوم المفتوح الذي نظمته جمعية متلازمة داون في «دبي مول» احتفالاً بهذه المناسبة، وتضمن مسيرة تحت شعار (تحرير القدرات الكامنة) وقدم، طلبة المركز فقرتين استعراضيتين في هذا اليوم.وبسعادة تامة قام طلبة المركز في اليوم الثاني بزيارة إلى مدارس وهيئات ووزارات الدولة وهي: هيئة الطرق والمواصلات، وزارة الأشغال، وزارة العمل، وزارة التربية والتعليم وقاموا بتوزيع منشورات تعريفية بحالة متلازمة الداون على الموظفين والمتعاملين مع تلك الهيئات كما استضاف المركز د. أحمد الإمام الذي ألقى محاضرة بعنوان (أنا إنسان) حضرها عدد من معلمات وطالبات مدارس دبي.
كما نظم المركز أيضاً يوماً رياضياً مفتوحاً في حديقة الصفا اشتمل على مسابقات رياضية، وترفيهية شارك فيه طلبة المركز، ومدرستي العالم الجديد وأنيسة الأنصارية، ورحب مركز دبي أيضاً باستقبال المدارس التي زارته بهدف التعرف على الخدمات المقدمة لطلبة المركز. مع تقديم العديد من العروض والفعاليات الترفيهية للطلاب.
وفي الختام أكدت جميع هذه الفعاليات ضرورة التفاعل مع هذه الفئة وتواصل تقديم الدعم لها وتهيئة بيئة جاذبة تساعدهم على الإبداع والاندماج الكامل مع المجتمع.
إشارات مُنوعة:
يعود سبب الاحتفال في الحادي والعشرين من مارس باليوم العالمي لمتلازمة داون، إلى الكروموسوم رقم (21) المسؤول عن هذه المتلازمة، والتي تؤدي الطفرة الوراثية للمصابين بهذه المتلازمة إلى التثليث الصبغي في هذا الزوج، فيما ارتبط الرقم (3) بالتثليث الصبغي الذي يحدث في هذا الزوج، ولذلك تم الاتفاق على هذا اليوم من قبل أعضاء المنظمة العالمية لمتلازمة داون.
ومن جانب آخر تعد متلازمة داون من أسباب حدوث حالات الإعاقة العقلية، ذلك أنها تؤدي إلى تباطؤ في النمو العقلي والحركي لدى الطفل المصاب بها، وتتفاوت حدة الإصابة من شخص لآخر حسب مستوى الاضطراب وحدته، ما يعكس تفاوتاً واختلافاً في قدرات وخصائص الأطفال ذوي متلازمة داون العقلية والجسمية والاجتماعية.
وتشجع الجمعية العالمية لمتلازمة داون على حرية كل دولة في اختيار المواضيع والأنشطة التي تريد التركيز عليها، وذلك تبعاً لثقافة كل بلد ومتغيراتها الاجتماعية والاقتصادية، فالأنشطة والفعاليات في دولة الإمارات العربية المتحدة تُركز على حقوق الشخص الذي يعاني من متلازمة داون التعليمية والصحية والاجتماعية.. لم لا؟ والمجتمع يحتضن الكثير من النماذج الناجحة منهم.
سعودية حرمت الإنجاب 15 عاماً ورُزقت بطفل «داون»
أثناء حواري مع الزميل الإعلامي علي الغفيلي المذيع في قناة «m.b.c» ذكر لي أحد التقارير الإنسانية التي سلط الضوء عليها وهو حالة سيدة سعودية حُرمت من الإنجاب لمدة 15 عاماً، وحينما كتب الله تعالى لها أن تكون أُماً، رُزقت بطفل من فئة متلازمة داون، بمعنى طفل بحاجة إلى عناية مُكثفة، ورعاية مستمرة ودائمة، ومراقبة لتحركاته وتصرفاته..
وحينما سألتُ الغفيلي: وكيف هو حال الأم معه؟ أجاب مبتسماً: وكيف تتوقعين حال أم حرمت الإنجاب لفترة طويلة، ثم وُهبت الهدية من رب العالمين، هي سعيدة، وتبذل كل ما بوسعها من وقت وجهد لإسعاد فلذة كبدها، وتحقيق مصلحته، مُحتسبة الأجر في نفس الوقت، وستنال خيراً بمشيئة الله تعالى.
تأثرتُ كثيراً بالقصة التي حكاها لي الغفيلي، وتمنيت فعلاً لقاء تلك الأم السعودية وطفلها الصغير، لأقول لها: «اسعدي دائماً بوجود طفلك معك، فإنما هو خير ساقه الله لك فلا بد من التعايش مع ذلك، ولابد أيضاً من البحث عن كل ما يساعده على العيش كسائر الأطفال.
وضرورة تلبية ما يحتاجه، وأن يحظى بحب وعناية من جميع أفراد الأسرة بل ومن الأقارب، وأن ترى المستقبل المشرق لابنها بمشيئة الله تعالى».
كثيرة هي المواقف الجميلة التي ذكرها لي الزميل الغفيلي أثناء زيارته للطفل في منزله، فهو طفل يحب اللاعب السعودي «ياسر القحطاني»، ويهوى ممارسة الكثير من الرياضات، ويحب أصدقاءه وعائلته كثيراً.
لذا أؤكد بأن هذا الطفل السعودي وكسائر أطفال ذوي الإعاقة بحاجة ماسة إلى الإيمان بهم وبقدرتهم على التعلم، وسنفاجأ بإنجازاتهم.. فهم فعلاً أطفال يستفيدون من الدعم الاجتماعي الإيجابي، ومن الدمج التعليمي والاجتماعي أيضاً.
وللأسف مجتمعاتنا العربية لا يزال ينقصها الوعي والثقافة بمثل هذه الحالات، ولا تتقبلها إلا مشفقة! فلابد أن تتغير هذه النظرة ويصبح عندها حس إنساني وديني، بأن هؤلاء لهم الحق في الحياة الكريمة، والمشاركة الكاملة وتساوي الفرص مع الأقران في الصحة والتعليم وهذا يحتاج لوقت.
دبي - جميلة إسماعيل



